مع إلقاء ثلاثة من فصائل التَّمرُّد المسلحة بنيجيريا السلاح وتسليمه للحكومة، تشهد منطقة دلتا النَّيجر النَّيجيريَّة حدثًا كبيرًا قد يغير المشهد السياسي والأمني بغرب إفريقيا بعد عقدين من الصراع الدامي هناك.
وأعلن زعيم الفصيل الرئيسي للمتمردين في غرب نيجيريا ويدعى محليًّا باسم تومبولو، أنه أمر الميليشيات التابعة له بإلقاء سلاحها قبل انتهاء مهلة العفو الحكوميَّة، والتي كانت مقرَّرةً الأسبوع الماضي؛ وذلك بعد يوم واحد فقط من نزع سلاح مجموعتَيْن أخريَيْن؛ حين أمر كلٌّ من زعيمَي التَّمرُّد أكتي توم وفرح داجوجو مقاتليهم أمس السبت بإلقاء السلاح، وتسلميه للحكومة النيجيرية.
وكانت المجموعات الملحة تسيطر على منطقة دلتا النيجر في العام 2006م، بدعوى عدم استفادة المجموعات المحلِّيَّة في هذه المناطق من عائدات النَّفط التي تذهب إلى القيادات الفاسدة للبلاد بحسب قولهم، وبالرغم من أنَّ نيجيريا هي ثامن أكبر مصدر للنفط في العالم, إلا أنَّ الاضطرابات في منطقة دلتا النيجر منعتها من ضخ أكثر من ثلثي طاقتها الإنتاجيَّة.
نظرة عامَّة
وتُعتَبَر أزمة "دلتا النَّيجر" في نيجيريا، واحدةٌ من أطول وأهم الأزمات التي وقعت في القارة الأفريقيَّة، وبالرَّغم من أنَّها قد تفجَّرت في مطلع التِّسعينيَّات الماضية، إلا أنَّ جذورها تعود إلى عقود ورُبَّما إلى قرون مضت، وتحديدًا إلى المرحلة الاستعماريَّة، عندما كانت بريطانيا تسيطر على هذه البقعة من القارة السمراء المطلة على المحيط الأطلنطي، بكلِّ خيراتها.
ودلتا النيجر منطقة كثيفة سكانيًّا وتقع في جنوب نيجيريا، وهي المساحة المحصورة بين فرعَيْ نهر النَّيجر جنوب البلاد، قبل أنْ يَصُبَّا في المحيط الأطلنطي، وتسمَّى في بعض الأحيان بأنهار الزُّيوت، لأنَّها كانت مسبقًا تُمثِّل محميةً بريطانيَّةً حملت اسم محمية "أنهار الزُّيوت" البريطانيَّة بين عامي 1885 و1893م، إلى أنْ تَوسَّعت لتصبح بعد ذلك محميةَ ساحل النَّيجر.
وينقسم الإقليم إلى ثلاثة أقسام رئيسيَّة، الأوَّل هو دلتا النَّيجر الغربيَّة، وتتكون من الجزء الغربي من السَّاحل النَّيجيري، ويضم ولايتا إيدو ودلتا.
وفي الدِّلتا الغربيَّة مجتمعٌ غير متجانس مُكوَّن من عدَّة مجموعات عرقيَّة، وتعتبر عرقية "إيجاو" هي الغالبة هناك، بجانب مجموعات مثل: "أورهوبو" و"إيزون" و"إتسيكيري" و"أوكواني"، وبعض المجموعات الأخرى، وكلهم يعيشون حياةً بدائيةً وبسيطةً؛ حيث يعتمدون على الصيد والزِّراعة.
وتاريخيًّا فإنَّ الدِّلتا الغربيَّة كانت محكومةٌ من قِبَلِ رؤساء خمس قبائل قويَّة مُنفصلة؛ ممَّا اضطر الاستعمار البريطانيُّ لتوقيع اتفاقيَّات ومعاهدات مُنفصلة للحماية، وإنشاء المحميَّات التي تحوَّلت بعد ذلك إلى الجنوب النيجيري، وكان الخمس رؤساء هم رؤساء قبائل "إيجاو" و"أورهوبو" و"إتسيكيري" و"أوكواني" و"إيسوكو".
أمَّا القسم الثَّاني، فهو إقليم وسط دلتا النيجر، ويضم ولايتَيْ بايلسا وريفيرز، ويتكون من الجهاز المركزي لمنطقة دلتا النيجر ومناطق قبائل "إيجاو"، بالإضافةِ إلى بعض القبائل والعشائر الأخرى، مثل واندوني.
والقسم الثَّالث هو إقليم شرق دلتا النيجر، ويتألف من الجزء الشرقي لنيجيريا، والذي يُطلُّ على المحيط الأطلنطي وقسم من جنوب نيجيريا، ويضم الجزء الشرقي قبائل "الإيفيك " و"إيبوبو" و"أنانج" و"أورون" و"أوجوجو" و"إكوي"، بالإضافة إلى شعب بيكويرا، والذي تعود أصوله إلى مملكة كالآبار القديمة، وجميعهم ذوو صلة عرقيَّة واحدة، ويشتركون في لغة واحدة.
وتمتد دلتا النيجر على مساحة أكثر من 70 ألف كيلومتر مُربَّع، مكونًا 7.5% من المساحة الإجمالية ليابسة نيجيريا، وفقًا لإحصائيَّة رسميَّة، وتشمل المنطقة ولايات أبيا، وأكوا إيبوم، وبايلسا، وكروس ريفر، والدلتا، وإدو، وإيمو، وأوندو، وريفرز، ويسكنها ما يقارب 20 مليون نسمة، ينتمون لأكثر من 40 مجموعة عرقية، ويتحدثون 250 لهجة مختلفة، ويعتمد السُّكَّان هناك- كما سبق القول- على صيد الأسماك والزِّراعة.
جذور الأزمة
بعد رحيل الاستعمار لم تستطع العديد من العرقيَّات الموجودة في هذه المناطق التَّأقلُم على الوضع الجديد؛ حيث أصبحت مكانتها معرضة للانهيار لعدم وجود سند لها كما كان الحال إبَّان الاستعمار الأجنبيِّ، ممَّا أدَّى إلى اندلاع نزاعات عرقيَّة عديدة في المنطقة.
وفي نهاية العام 1969م حاول انفصاليُّون في شرق نيجيريا الاستقلال بهذه المنطقة التي تمتلك ما يقرب من 85% من المخزون الخاصِّ بالنَّفط، إلا أنَّها، وبعد حرب ضروس امتدَّت لعدَّة أشهر، استطاع الجَيْش الفيدراليِّ إخماد هذه الحركة الانفصاليَّة.
ومع دخول الشَّركات الأجنبيَّة لهذه المنطقة واستئثارها بعوائد النَّفط شعر السُّكَّان المحلِّيُّون بالغضب لعدم استفادتهم من هذا المورد الطَّبيعيِّ الذي يجري تحت أقدامهم، في مقابل تحمُّلهم ثمن التقنية في هذه الأماكن؛ حيث تلوُّثت البيئة وماتت الأسماك في الأنهار التي تعودوا الصَّيد فيها بحكم سكنهم بالقرب منها بفعل عمليَّات استخراج النفط.
وتُعتَبر نيجيريا أكبر منتج للبترول في قارة إفريقيا، ويوجد فيها، خصوصًا في منطقة الأنهار العديد من آبار النفط، ويبلغ الإنتاج اليومي لمنطقة دلتا النَّيجر حوالي مليونَيْ برميل، ومنذ العام 1975م، تُعدُّ المنطقة مسئولةٌ عن 85% من عوائد تصدير النَّفط في نيجيريا، كما سبق القَوْل.
إلا أنَّه ثمة مشكلةٌ في استغلال موارد وثروات البلاد النَّفطيَّة؛ حيث إنَّه يتم حرق جزء كبير من الغاز الطَّبيعيِّ المستخرج من آبار النَّفط في منطقة دلتا النَّيجر، بمعدل 70 مليون متر مُكعَّب يوميًّا، وهو ما يُعادل نسبة 41% من استهلاك إفريقيا للغاز الطَّبيعيِّ، ويُشكِّل أكبر مصدر لانبعاثات الغازات الدَّفيئة على كوكب الأرض.
وفي العام 2003م تمَّ حرق 99% من فائض الغاز في دلتا النَّيجر بواسطة أكبر الشَّركات العاملة في مجال النفط في نيجيريا، وهي شركة "شل"، بالرَّغم من سلسلة الإجراءات التي تمَّ تبنِّيها منذ 20 عامًا لمنع هذه المُمارسات.
أوكادا
وقد بدأت الصِّراعات الحالية في دلتا النَّيجر مع بدايات التسعينيَّات من القرن الماضي؛ وذلك بسبب التَّوتُّر الَّذي نشب بين شركات النَّفط الأجنبيَّة وعدد من المجموعات العرقيَّة التي تسكن هذه المنطقة، والذين شعروا بأنه يتمُّ استغلالهم واستغلال ثروات أراضيهم دون الحصول على عائد تنمويّ، خصوصًا قبيلتَيْ "أجوتني" و"إيجاو".
وبدأت الأزمة ببعض الاضطرابات السِّياسيَّة، ثم أخذت شكل النِّزاع المسلح مع الدَّولة، بعد تشكيل جبهة تحرير دلتا النَّيجر، واستمرت الأزمة دون حلّ منذ التِّسعينيَّات الماضية، بالرَّغم من تحوُّل نِظام الحكم في نيجيريا من الحكم العسكري إلى الحكم المدنيِّ؛ عندما تمَّ انتخاب الجنرال أولو سيجون أوباسانجو رئيسًا لنيجيريا عام 1997م.
وتصاعدت الأزمة في العام 2006م؛ حين ساهم التَّنافُس على النَّفط في ازدياد أعمال العنف بين العرقيَّات العديدة التي تسكن هذه المناطق؛ ممَّا أدَّى إلى عسكرة المنطقة بأكملها، وظهور عصابات مُسلَّحة من أبرزها حركة تحرير دلتا النَّيجر (MEND)، والتي يقودها هنري أوكادا، والذي يُعتَبَر أحد الشَّخصيَّات الغامضة في السِّياسة النَّيجيريَّة.
واعتبره الكثير من المراقبون المُفكِّر والمحرِّك الرَّئيسيِّ للحركة، التي تحوَّلت على يدَيْه من تجمُّع لقُطَّاع الطُّرق الفقراء، إلى حركة مُنظَّمة لديها منهجيَّةٌ واضحةٌ وجهازٌ إعلاميٌّ قويٌّ.
وبحسب تشارلز أوكادا، الأخ الأكبر للمُتمرِّد الأشهر في نيجيريا وغرب إفريقيا، فإنَّ هنري أوكادا تحوَّل من مهندس بحري إلى المطلوب الأكبر للحكومة الفيدراليَّة، بعد أنْ كان قد نشأ في عائلة ثريَّة، لا تربطها بالدِّلتا أيَّة علاقة؛ حيث عاشوا بعيدًا عن مسقط رأسهم في ولاية بايلسا.
وكان والد هنري أوكادا يعمل في البحريَّة النيجيريَّة، وقد نشأ ضمن طبقة الصَّفوة التي اغتنت في بداية ظهور الدَّولة الفيدراليَّة النَّيجيريَّة بعد الاستقلال, وتلقَّى تعليمه في مدارس بريطانيَّة كانت كفيلة بتغيير هويَّته على حدِّ قول شقيقه، إلا أنَّ ذلك لم يحدث.
وبالرَّغم من أنَّ هنري أوكادا- الرَّابع ضمن إخوته- كان يحب المغامرة وقراءة القصص البوليسيَّة, إلا أنَّه لم يُعرَف عنه ممارسة أيَّة رياضات عنيفة، أو أبدى رغبته في الالتحاق بالجيش.
وكانت نقطة التَّحوُّل في حياته عندما بلغ هنري 19 عامًا؛ حيث تُوفِّيَتْ والدته, وذهب مع عائلته لكي يزور أقاربه في بايلسا, وكان مشهد حياة ذويه هناك صادمًا لهنري المترف، الذي لم يتعود على هذه المشاهد من قبل.
ويقول تشارلز إنَّه يتذكَّر كيف أخبره أخوه بالاحساس الذي تملَّكه من ظروف الحياة هناك؛ حيث تختلط مياه الصرف الصحي بالماء المُخصَّص للشُّرب, مع انتفاء أدنى مقومات الحياة التي تَكفُل الحدَّ الأقلَّ من الكرامة الإنسانيَّة.
ثُمَّ كانت نقطة التَّحوُّل الثَّانية في العام 1995م؛ عندما أعدمت الحكومة الفيدراليَّة العسكريَّة برئاسة أوباسانجو الأديب النَّيجيريِّ والنَّشاط الحقوقي الأشهر كين سارو ويوا الناشط في مجال حقوق الانسان بسبب دعوته للتَّدخُّل الدَّوليِّ لحل الأزمة في تلك المنطقة.
إلا أنَّ هنري انتظر عشر سنوات، لكي يظهر للعلن في عام 2005م زعيمًا للمتمردين بعد وفاة والده في ذلك العام، وكان من قبلها يعمل في جنوب إفريقيا؛ حيث عاش فترةً مع زوجته وأولاده الأربعة.
واعتُقِلَ في فبراير من العام 2008م في أنجولا على خلفيَّة اتِّهامه بتهريب السِّلاح, وهو منذ وقتها يقبع في السجن في انتظار الحكم عليه في اتهامات تتعلَّق بالخطف والقتل والاتجار في السِّلاح.
انتهاكات حقوقيَّة
وبعد تصاعد الأزمة في هذه المنطقة تمَّ إنشاء وحدات جديدة في الجيش النَّيجيريِّ لمحاربة المُتمرِّدين, وارتكبت هذه الوحدات جرائم حرب ضد الإنسانيَّة، وتخشى الحكومة النَّيجيريَّة حاليًّا من أنْ يقوم ذوي ضحايا هذه الجرائم بملاحقة الجُناة وقياداتهم العسكريَّة والسِّياسيَّة بتهم تتعلَّق انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وهو ما كان له دورٌ كبير في تفاقم الأزمة؛ حيث بدأت الحكومة النَّيجيريَّة في محاولة إخفاء آثار هذه الجرائم، عبر إخفاء شهودها قتلاً.
وفي سبتمبر من العام 2008م، أصدرت (MEND) بيانًا تُعلِن فيه أنَّ ميليشياتها قد أعلنت "حرب نفط" في جميع أنحاء منطقة دلتا النَّيجر، وشملت هذه الحرب خطوط الأنابيب ومرافق إنتاج النَّفط والقوَّات المُسلَّحة التي تحميها.
وقد أدَّت الهجمات على المنشآت النَّفطيَّة، وتدميرها، وعمليَّات احتجاز الرَّهائن، وغيرها من الأعمال، إلى تدهور الأوضاع في المنطقة، وتقليل الإنتاج اليومي بما يصل إلى 25% من القُدْرَة الإنتاجيَّة هناك.
إلا أنَّ تولِّي الرَّئيس الحالي عمر يار أدو الحكم في نيجيريا قبل عامَيْن، كان له دور بارز في علاج الأزمة مع كونه أحد الوجوه النَّظيفة في الدَّولة النَّيجيريَّة؛ حيث بدأ في مُعالجة أسباب الأزمة على المستوى الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ، وخصوصًا في ولاية ريفرز في دلتا النَّيجر، ثم بدأ في مفاوضات مع المُتمرِّدين لنزع سلاحهم طواعيةً.
وكان أهم الإجراءات التي تبنتها الحكومة النيجيرية في هذا الإطار:
- تدعيم مخصصات التنمية المحلية في هذه المناطق، من عائدات النفط.
- التفاوض مع حركات التمرُّد لإقناعهم بإلقاء السلاح في مقابل وظائف حكومية لمن يلقي السلاح من المقاتلين.
ونجحت إجراءاته حتى أسفرت عن نزع سلاح أهم فصائل التَّمرُّد، ومصافحته لقواد المتمرِّدين في حفل رسمي على شاطئ ميناء بورت هاكورت الإستراتيجيِّ شرق نيجيريا.. ولكن السُّؤال: هل يستمر هذا الوضع؟!.. الأيام وحدها كفيلة بالإجابة عليه!!.