الأنفاق والبحر والمافيا أبرز طرق جلب العتاد للقطاع

المقاومة: لا نفصح عن ذخيرتنا ونحصل عليها بطرق خاصة

خبراء: المقاومة تدعم ترسانتها من الأسلحة الفردية والمتوسطة بطرق مبتكرة

الاحتلال: نخشى من صواريخ قد تضرب تل أبيب ومطارها الدولي

 

كتب- أحمد التلاوي:

رغم الحصار الكامل المفروض على قطاع غزة لضرب سلاح المقاومة وإنهاك رجالها، إلا الأخيرة بقيادة الحركة الإسلامية حماس لا زالت تفاجئ العدو الصهيوني بقدرتها الفائقة على المناورة، والتعامل مع الأسلحة التي يتم تهريبها إلى القطاع أو يتم تطويرها من التصنيع العسكري المحلي.

 

وقد صرَّح أحد قادة المقاومة بشكل علني بأن المقاومة في غزة لا تزال تهرب وتصنع السلاح، مع رفض كشف أية معلومات في هذا الإطار قد تؤدي إلى حرق أوراق اللعبة، خصوصًا بعد الاستفادة من دروس معركة "الفرقان".

 

حصار محكم

وسبق أن كشف رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل عن قدرة المقاومة الفلسطينية في غزة على تهريب السلاح، رغم ما يمر به القطاع من حصار محكم.

 

وحملت تصريحات مشعل من العاصمة السودانية الخرطوم دلالات مختلفة؛ لا سيما أنه قال في حينه: "الفلسطينيون في غزة يشترون ويصنعون ويهربون السلاح رغم الحصار المفروض على القطاع"، مع عدم توضيح نوعية هذه الأسلحة أو مصدرها.

 

ومن الواضح أن الموقف المتعلق بالأجنحة العسكرية التابعة للمقاومة الفلسطينية، جاء متناغمًا مع موقف القيادة السياسية لهذه الأجنحة التي تعتمد على السرية التامة في مثل هذه القضايا الحساسة.

 

وترفض هذه الأجنحة عن طبيعة أو نوعية الأسلحة المهربة، أو حتى طرق تهريبها؛ لكنها أكدت في الوقت نفسه شرعية هذا السلاح الموجه ضد الاحتلال؛ ولذلك قالت كتائب القسام- الجناح العسكري لحركة حماس- إن تجهيزاتها العسكرية ليست طارئة أو محكومة بزمن دون آخر، ولكنها مستعدة كل وقت لمواجهة أي تصعيد صهيوني.

 

وقال المتحدث باسم الكتائب أبو عبيدة: "إننا مستعدون في كل وقت، ونعد أنفسنا في كل مرحلة لمواجهة أي تصعيد صهيوني مهما كان شكل هذا التصعيد"، ويعتبر أبو عبيدة أن المقاومة واجب مقدس للدفاع عن الشعب والأرض، مؤكدًا أنه ما دام هناك عدو "فنحن نستعد له على مدار الأيام والشهور والأعوام".

 

وأضاف: "من حقنا وواجبنا أن نستثمر كل جهد ووقت وطاقة وإمكانات، من أجل الإعداد الذي نعتبره واجبًا دينيًّا ووطنيًّا وأخلاقيًّا، ولا يجوز لشعب يقع تحت الاحتلال إلا أن يقاتل أو يستعد للقتال، ومن الطبيعي أن نستعد بالنفس والعدة والعتاد (..) الأمر الغريب والخارج عن المألوف هو أن نبقى متفرجين بينما عدونا يستعد لنا، وهذا لم ولن يكون بإذن الله".

 

قدرة مجهولة

ويحمل قول أبو عبيدة اعترافًا ضمنيًّا بأن المقاومة لم تتوقف يومًا عن تسليح نفسها وزيادة عتادها، لكنه رفض الكشف عن نوعية وقدرة سلاحهم، قائلاً: "لا نفصح عن سلاحنا إلا في لحظة توجيهه نحو صدور الأعداء".

 

الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي "سرايا القدس" هو الآخر، لم يكشف عن طبيعة تسليحه، مؤكدًا أن السلاح يأتي من كل مكان.

 

وفي إجابة غامضة على السؤال: كيف تطورون من قدراتكم العسكرية؟، قال أبو حمزة الناطق باسم السرايا: "المقاومة الفلسطينية يأتي لها مدد إلهي يقاتل معها هذا العدو الجبان، ومن كل مكان يأتي لها السلاح لمواجهة الاحتلال".

 

وتعد الصواريخ الفلسطينية محلية الصنع، هي الهاجس الأكبر الذي يؤرق أمن الاحتلال، والذي يتوقع أن تكون المقاومة قد ضاعفت من مداها، خلال فترة ما بعد الحرب الأخيرة على غزة مطلع العام الحالي، خصوصًا بعد كشف المقاومة عن أسلحة جديدة (كالتاندوم، وبي 29) المضادة للدروع.

 

ويقول أبو حمزة إن "منظومة الصواريخ في سرايا القدس في ازدياد وتطور مستمر (..) نترك المجال للميدان والمعركة أن يفصح عن ذلك".

 

وأضاف: "بفضل الله تعالى استطاعت وحدة التقنية والتصنيع التابعة لسرايا القدس من تطوير قدرات الصواريخ القدسية وزيادة مخزونها، فإذا ما أقبل العدو على أي حماقة فإن حياة سكان المغتصبات الصهيونية- كافة- ستكون جحيمًا بإذن الله".

 

وتوقعت سرايا القدس قبل أيام، شن عدوان جديد على القطاع، داعية المقاومة الفلسطينية لأن تكون على أهبة الاستعداد لمواجهته.

 

ويؤكد المتحدث باسم السرايا أنهم باتوا على جاهزية تامة هم وفصائل المقاومة الأخرى لمواجهة أي تصعيد صهيوني قادم، وبتكتيك جديد.

 

وقال أبو حمزة: "مجاهدونا الأبطال يواصلون رباطهم على مدار الساعة ويرصدون تحركات العدو على طول الحدود فهم أعين ساهرة تحرس الوطن وسرايا القدس ستدافع بكل قوة عن أبناء شعبنا وصد أي عدوان صهيوني محتمل".

 

ويزعم الكيان الصهيوني أن السلاح يهرب عبر الأنفاق الواقعة أسفل الحدود الفلسطينية المصرية، الممتدة 12 كيلو مترًا، وتحاول إثارة السخط على مصر، مدعية أنها تساهم في تزويد المقاومة بالسلاح، مع أن الأمن المصري المنتشر على الحدود يحاول جاهدًا تفجير الأنفاق التي يعثر عليها ويقوم بإغلاقها، وقد تسبب هذا الأمر في موت العشرات من عاملي الأنفاق.

 

طريقان

ويدعي عضو الكنيست الصهيوني السابق (يوفيل شتاينس) أن السلاح يأتي إلى سيناء من السودان في طريقه إلى قطاع غزة، عبر طريقين، أولاهما: عبر الأراضي السودانية والصومالية، ثم إلى مصر؛ حيث يقوم مهربو البضائع بنقلها برًّا إلى سيناء، ومن هناك يقوم البدو المتخصصون بتهريب الشحنة إلى غزة عبر الأنفاق".

 

أما الطريق الثاني: فيزعم شتاينس أن "الحرس الثوري الإيراني يرسل شحنات الأسلحة عبر قناة السويس ومنها إلى البحر المتوسط؛ حيث ترسو السفن الإيرانية قبالة سواحل قطاع غزة، داخل المياه الإقليمية المصرية؛ بحيث لا يمكن للقوات البحرية الصهيونية تعقبها هناك"، وخلال الليل تقوم عناصر من الضفادع البشرية بنقل الأسلحة في حاويات مغلقة إلى قوارب الصيد الفلسطينية".

 الصورة غير متاحة

 أبو عبيدة المتحدث باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام

 

وردًّا عليه يقول أبو عبيدة: "نحن نصنّع سلاحنا ونحصل عليه بطرقنا الخاصة، ولا نرغب الخوض في التفاصيل، كما أن من حقنا أن نحصل على السلاح بل أن نُدعم سرًّا وعلانيةً بالسلاح والعدة والعتاد".

 

وأضاف أبو عبيدة "من واجب الأمة حكامًا وشعوبًا أن تدعم فلسطين بالمال والسلاح والعتاد والمواقف، ومن الغريب أن تقف الأمة متفرجة، أو أن تحاول بعض الأنظمة محاصرة المقاومة، فهذه تعتبر جريمة دينيًّا وأخلاقيًّا".

 

إلا أن مصادر فلسطينية مطلعة قالت "إن السلاح الموجود في قطاع غزة معظمه محلي الصنع والمورّد الرئيسي للسلاح هي المافيا الصهيونية، والتي لا ولن تستطيع حكومة الاحتلال القضاء عليها".

 

وبناء على ذلك؛ فإن تهريب المقاومة الفلسطينية للسلاح قد يكون عبر طرق مختلفة تمامًا، عن الطرق التي يزعمها الصهاينة.

 

من ناحية أخرى، أبرم الكيان مع الولايات المتحدة اتفاقًا يتم بموجبه تنسيق الجهود الأمنية والعسكرية مع شركاء إقليميين ودوليين، من بينهم مصر والسعودية وحلف شمال الأطلنطي "الناتو"، لاعتراض أية عمليات لتهريب الأسلحة إلى قطاع غزة.

 

ولهذا أضحت القوات البحرية الأمريكية تتعقب السفن الإيرانية التي تتوقع أن تقوم بنقل شحنات أسلحة إلى قطاع غزة.

 

ونقلت (الصنداي تايمز) البريطانية، عن مصادر دبلوماسية أمريكية قولها إن قوة المهام المشتركة "151" تلقت أوامر بتتبع السفن المتجهة إلى البحر الأحمر، والتي يشتبه في قيامها بنقل شحنات أسلحة من إيران إلى ما وصفته بـ"حلفاء إسلاميين" آخرين في غزة، في إشارة إلى حركة حماس.

 

وشهد يناير 2002 اقتحام السفن الحربية الصهيونية، سفينة الشحن الإيرانية "كارين" في مياه البحر الأحمر، وقالت وقتها إنها عثرت على 50 طنًّا من الأسلحة، من بينها متفجرات وصواريخ بعيدة المدى كان يجري شحنها إلى الرئيس الفلسطيني في ذلك الحين ياسر عرفات.

 

وتتوقع وزارة الحرب "الإسرائيلية" أن يتم استخدام الأسلوب ذاته مرة أخرى، لتهريب أسلحة إلى القطاع.

 

المطار

وفي تقرير للمخابرات العسكرية الصهيونية؛ اتهم إيران بالتخطيط لتهريب مكونات صواريخ "فجر" التي يتجاوز مداها الـ70 كيلومترًا، وهو ما من شأنه جعل تل أبيب ومطارها الدولي ومفاعل ديمونة النووي في صحراء النقب، في متناول يد فصائل المقاومة الفلسطينية للمرة الأولى" كما يقول التقرير.

 

ومع أن القطاع الذي يحوي مليونًا ونصف المليون مواطن، يعاني من حصار مطبق، متمثل في إغلاق المعابر، ومنع أبسط الاحتياجات الأساسية بزعم دخولها في صناعة الصواريخ، لكن الخبير العسكري المصري العميد متقاعد علي عبد الغني، يقول: "إنَّ المقاومة الفلسطينية قادرة على تجاوز العقبات الأمنية المفروضة حاليًّا في صدد موضوع تدعيم ترسانتها من الأسلحة الفردية والمتوسطة".

 

وأوضح عبد الغني في الوقت ذاته إلى "أنَّه وبكل تأكيدٍ سوف يكون للحصار والإجراءات الأمريكية والصهيونية في هذا المجال تأثيرٌ على قدرة المقاومة في تعويض قدراتها الإستراتيجيَّة، وخصوصًا في مجال مكونات الصواريخ محليَّة الصُّنع".

 

وأضاف أنَّ تصريحات خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس بشأن نجاح المقاومة في الاستمرار في إمداد ترسانتها عن طريق التهريب والتصنيع المحلي إنما هو لطمأنة الرأي العام الفلسطيني، ولكن هناك حدودًا لهذه الإمكانية التي أشار إليها مشعل.

 

ويرى أيضًا أنَّه بكلِّ تأكيدٍ ساهمت الأنفاق على الحدود مع مصر في ضمان الحد الأدنى من الإمداد للمقاومة الفلسطينية، مشيرًا إلى أنَّ الأنفاق والمياه الإقليمية لغزة في البحر المتوسط هي الأساس في هذا المجال، "ولكن بطبيعة الحال تقلَّصت هذه الإمكانيات بعد عدوان الرصاص المصبوب في ديسمبر ويناير الماضيَيْن" كما قال.

 

وفي وقت توقع فيه المختص في الشأن العسكري، العميد يوسف الشرقاوي، أن يشن الكيان هجومًا قريبًا على قطاع غزة، قال "على المقاومة الفلسطينية أن تكون قد أعدت عدتها وجهزت نفسها (..) صحيح أن الصهاينة يحاصرون غزة بتواطؤ مع النظام العربي، لكن المقاومة تبتكر طرقًا لتوصيل السلاح وتهريبه".

 

وأكد العميد الشرقاوي أنه من المتوقع لأي حركة تحرر (يقصد المقاومة الفلسطينية) أن تراكم نجاحاتها لأنها ستتآكل، مشددًا على ضرورة تطوير العمل العسكري وتحصين النفس للانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم.

 

ويقول المختص في الشأن العسكري: "الأصل أن تستغل حركات المقاومة كل لحظة من أجل تطوير قدراتها، وتحسين أدائها، ومحاولة الانتقال من الدفاع إلى الهجوم".

 

وبناء على ما ورد، فإن لغز تسلح المقاومة لا يزال قائمًا، وطرق التهريب لا تزال مجهولة، لكن ما يبعث على الأمل أن شعبًا محاصرًا ومكلومًا ويرفض التجرد من سلاحه، حقًّا سيحقق أهدافه نحو الانتصار والتحرير.