عتيقة هي، وتختصر حكاية الزمان والمكان.. قصة شجرة مباركة نبتت في أرض مباركة ما لانت يومًا لغاصب.. قاومت الاحتلال ولفظت المحتل على مر العصور لتبقى هي.. شامخة.. راسخة جذورها في الأرض، وتطاول فروعها عنان السماء.. إنها شجرة الزيتون الفلسطينية.

 

يزيد عمرها عن ألفي عام، كانت رمزًا للصمود والمقاومة؛ ولكن البعض حاول أن يجعل من أغصانها رمزًا للسلام المزعوم مع دولة محتلة غاصبة لا تعترف بعهود ولا مواثيق.

 

ينتظر المزارع الفلسطيني بفراغ الصبر موسم قطاف الزيتون، فهو فرصة لتجمع العائلة، كما يعد موسم الزيتون فرصة لنسيان الخلافات الاجتماعية والسياسية بين أبناء الأسرة والقرية الواحدة.

 

ففي منتصف شهر أكتوبر من كل عام تجتمع العائلة القروية، وتجهز أدوات القطاف من مفرش لجمع ثمار الزيتون وأواني ومبذار لفصل الورق عن الثمر، مع ما تيسر من طعام وشراب، وقبل بزوغ الشمس تكون العوائل الفلسطينية قد وصلت إلى أرضها لجمع ثمار الزيتون.

 

تترافق عملية القطف مع الأغاني والأهازيج الشعبية التي تدب الحماس بالنفوس، وتدفع للمزيد من العمل والنشاط، وغالبًا ما يرى المواطن الفلسطيني في موسم القطاف فرصة للراحة والتنزه للخروج من أعباء الحياة وضغوط العمل؛ حيث يفضل أغلبية الموظفين أخذ إجازاتهم السنوية في هذا الموسم، ويشارك في عملية القطف جميع أفراد العائلة كبارًا وصغارًا، ذكرًا وأنثى في مشهد تكافلي وتعاوني كل يقدم جهده الذي يستطيع، كما يتساوى في موسم القطاف الجاهل والمتعلم، فليس غريبًا أن ترى أستاذ الجامعة والطبيب يقطف الثمار بجانب المزارع الأمي البسيط.

 

وتستمر عملية القطف تلك حتى ساعات مغيب الشمس؛ حيث يوضع ما تم جمعه من محصول داخل "شوالات خيش"، ومن ثم يتم شحنها إلى معاصر الزيتون المنتشرة في مختلف القرى الفلسطينية.

 

معاصر الزيتون

وتقسم معاصر الزيتون إلى قسمين؛ فمنها ما هو قديم يزيد عمر بعضها عن المائتي سنة، ويشبه هذا النوع شكل حجر الرحى الكبير؛ حيث توضع ثمار الزيتون بين هذين الحجرين، وتدار باستخدام الدواب، ويعطي هذا النوع من المعاصر الزيت بجودة أقل، هذا بالإضافة إلى استهلاك وقت وجهد كبيرين، وهذا النوع من المعاصر قليل ومعدود؛ حيث حلت المعاصر الحديثة مكان الصنف الأول، وتمتاز المعاصر الجديدة بزيت زيتون نقي، بالإضافة إلى اختصار الوقت والجهد.

 

 الصورة غير متاحة

 موسم قطف الزيتون فرصة لجمع الشمل

ولثمرة الزيتون أصناف وألوان مختلفة، فمنها ما هو (البري) وهو بالأساس من شجرة زيتون غير مركبة، ويمتاز هذا النوع من الثمار بصغر حجمه وطعمه المر، ويستخدم هذا النوع في صناعة الصابون ولا يصلح للأكل.

 

ويعتبر الصنف (النبالي) من أجود أنواع الزيتون فهو يمتاز بطعمه الحلو، وهذا النوع هو الذي يصلح للعصر والزيت، كما يوجد صنف ثالث وهو (الحكومي)، ويمتاز بكبر حجم حبته، وهو يستخدم للعصر وتناول ثماره، وللزيتون أيضًا ألوان مختلفة وهي بالأساس تقسم إلى الأخضر والأسود، ومنها ما هو البني.

 

انتعاش اقتصادي

ويعتبر موسم قطاف الزيتون فرصة للانتعاش والحراك الاقتصادي؛ سواء بالنسبة للمزارع أو بالنسبة للمصانع ومعاصر الزيتون؛ حيث يستفيد من موسم القطاف المزارع الذي يبيع جزءًا من محصوله إما للتجار أو للشركات التي تقوم بدورها بتعبئة هذا الزيت بعبوات خاصة وتصدرها للخارج.

 

ويعد زيت الزيتون الفلسطيني من أجود أنوع الزيوت حتى أصبح (ماركة) مسجلة في الأسواق العالمية، فهو يمتاز بحموضته المتوسطة وفترة التخزين الطويلة التي قد تمتد لعدة سنوات دون أن يتغير طعمه أو لونه، كما يستفيد من موسم الزيتون مصانع الصابون التي يدخل الزيت في تكوينها الأساسي، وتمتاز الصابونة المصنعة من زيت الزيتون بفوائد عديدة ليس أقلها استخدام المواد الطبيعية والابتعاد عن المواد الصناعية.

 

وخلال موسم الزيتون تنشط تجارة الحطب والخشب وتجارة مواد التدفئة المستخرجة من (الجفت)- نوى الزيتون الذي تم عصره- كما يستخدم العديد من الفنانين أغصان الزيتون للنحت عليها بالعبارات والرسومات التي تستخدم كهدايا تذكارية، كما يدخل نوى الزيتون في صنع المسابح والخرز والمطرزات.

 

كما يخرج أغلبية المزارعين الفلسطينيين زكاة زيت الزيتون، وهو ما يعود أيضًا بالتوسعة والنفع على الفقراء والمعوزين وأصحاب الحاجة.

 

منغصات

وعند الحديث عن شجرة الزيتون، لا يمكننا أن نمر دون أن نذكر ممارسات دولة الاحتلال التي تخشى شجرة الزيتون التي ستنطق يومًا ما بـ: يا مسلم.. يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله.. ما أورث حقدًا دفينًا وعداءً ًتاريخيًّا لشجرة الزيتون التي تمثل رمز صمود المواطن الفلسطيني بأرضه وتشبثه بحقوقه، ومن هنا جاء الاستهداف الواضح لهذه الشجرة؛ حيث عمدت قوات الاحتلال إلى اقتلاع ما يقارب المليون شجرة زيتون منذ العام 1967م وحتى اليوم، وذلك إما لمبررات أمنية واهية أو بغرض بناء المستوطنات الصهيونية والشوارع الالتفافية التي تلتهم الأراضي الزراعية وتأكل أشجار الزيتون.

 

كما يعمد المستوطنون وخلال كل عام على حرق مئات الدونمات الزراعية وأشجار الزيتون هذا، بالإضافة إلى الاعتداءات التي تطول المزارعين أثناء قطف الزيتون، كما يحرم جنود الاحتلال المزارعين من دخول أراضيهم لجمع ثمار الزيتون؛ بحجة وقوعها خلف الجدار العازل أو في مناطق عسكرية مغلقة.

 

الزحف العمراني

ويعتبر الزحف العمراني أحد الأمور الرئيسية التي تهدد هذه الشجرة؛ حيث تعمد الكثير من العائلات القروية الفلسطينية إلى البناء في الأراضي الزراعية، وغالبًا ما تترافق عملية البناء باقتلاع العديد من أشجار الزيتون.

 

كما أصبح العديد من المواطنين يميلون إلى إنشاء المشاريع الاقتصادية مكان الأراضي الزراعية كمناشير الحجر والمصانع؛ وهو ما يسبب أضرارًا كبيرةً لشجرة الزيتون التي أصبح يتراجع مردودها الإنتاجي سنة بعد سنة.

 

ويشكو الأجداد من تراجع اهتمام أبنائهم، وخاصة الجيل الناشئ منهم بالأرض وشجرة الزيتون، وذلك على حساب التعليم والعمل الحرفي أو التجارة، أي أن الزراعة قد تراجعت في الأراضي الفلسطينية بشكل عام، وذلك لصالح الوظيفة والتعليم.

 

وباختصار يمثل موسم قطاف الزيتون بالنسبة للفلاح الفلسطيني الرئة التي يتنفس منها كل عام حيث يرى في هذا الموسم فرصة للتذكير بأهمية الأرض التي جبلت بدماء الشهداء المجاهدين الذين زيّتوا بنادقهم بزيت الزيتون وعرق المزارعين الصابرين مع كل ضربة معول، إلا أن أهميته الاقتصادية يحاول العدو الصهيوني تقليصها كل عام بممارساته التعسفية ومحاولاته الدائبة لقتل تلك الأشجار.