- فرنسا والغرب يغضان الطرف عن جرائمه لحربه ضد الإسلام

- يرفض أي صوت ضده وصنع معارضةً على هواه تنفِّذ أوامره

- أبعد بلاده عن انتمائها العربي والإسلامي فأصبحت بلا هوية

 

 تقرير- أحمد التلاوي:

تشهد تونس اليوم انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة؛ ولعل الخبر ليس جديدًا، ولكن الطريف في الأمر عنوان صحفي، علَّق على هذا "الحدث" بالقول "تونس بن علي يجدد اليوم ولايةً خامسةً"!!، وهو قول صادق بالفعل، بالرغم من أنَّ هناك أربعة مرشَّحين آخرين بخلاف الرئيس زين العابدين بن علي؛ حيث إنَّه من خلال العديد من الظواهر والمؤشِّرات سوف تكون انتخابات صورية، ومجرَّد عملية شكلية لتمكين بن علي من ولاية رئاسية خامسة.

 

وقبل أنْ نعرض الحقائق والوقائع التي نؤكد بها أنَّنا أمام واقع، وليس مجرَّد ادعاءات بحق نظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، والذي كان وزيرًا سابقًا للداخلية، نضع عبارةً قالها الصحفي التونسي البارز عبد الله الزواري، واصفًا أوضاع حقوق الإنسان والحريات في تونس؛ "إنَّ حصيلة تجربة السنوات الماضية تؤكد أنَّنا أمام نظام هو الأسوأ عربيًّا، والأشد تطرفًا في مجال الحقوق والحريات".

 

أما بعيدًا عن الانتقادات المرْسَلَة؛ فقد شهدت الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية التي تجرَى اليوم في تونس بعض الإجراءات التي منعت رموزًا سياسيةً كبيرةً، كان من الممكن أنْ تكشف الموقف الانتخابي أو التصويتي للرئيس بن علي؛ حيث أعلن المجلس الدستوري التونسي استبعاد المعارض البارز مصطفى بن جعفر الذي يرأس المنتدى الديمقراطي للعمل والحريات من خوض الانتخابات؛ بزعم أنَّه لم يستوف شروط الترشح، وهو ما نفاه بن جعفر الذي أكد أنَّه يرأس حزبه منذ أكثر من عامَيْن، وهو شرط ضروري لدخوله الانتخابات بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة التي تمت في تونس.

 

 الصورة غير متاحة

 أحمد إبراهيم مرشح حركة التجديد

بن علي اختار لمنافسته في الانتخابات ثلاث شخصيات معارضة، لم يسمع بها أحد من قبل؛ وهم أحمد إبراهيم عن حركة التجديد، ومحمد بو شيحة عن حزب الوحدة الشعبية، وأحمد الأينوبلي عن الاتحاد الديمقراطي الوحدوي.

 

وهكذا يشهد شهود من أهلها، أمَّا من غير أهلها؛ فإنَّنا نورد بعض "الآراء" والتقييمات التي أرسلتها بعض المنظمات والحكومات الأجنبية عن الحالة في تونس، ونبدأ بالمنظمات الحقوقية الموثوق فيها؛ حيث اتَّهمت ثلاث منظمات حقوقية دولية السلطات التونسية بعدد من الاتهامات، بعضها في الإطار الحقوقي والسياسي العام، والبعض الآخر في الإطار الخاص بموضوع الانتخابات؛ حيث اتهمت هذه المنظمات السلطات التونسية بعدم النزاهة في ترتيبات وظروف إجراء الانتخابات، سواء على مستوى الجانب الإعلامي أو الجانب الأمني.

 

سجلّ حقوقيّ أسود

في الجانب الأوَّل، أصدرت منظمة العفو الدولية "الأمنسيتي" بيانًا قبل الانتخابات بيومَيْن، قالت فيه إنَّ السلطات التونسية لم تف بما سبق أنْ وعدت به في شأن تحسين مستوى حقوق الإنسان في هذا البلد، وقالت بالنص "وراء الواجهة هناك جوّ من القمع مستحكم"، وخصت بالذكر من يتم استعمال هذا القمع ضدهم:

- التيار الإسلامي.

- النقابات والحركات الاحتجاجية.

- الأحزاب السياسية التي قالت المنظمة إنَّها "إمَّا ممنوعة أو معرقلة بشكل أساسيّ".

 

وأكدت المنظمة أنَّ المعارضة التونسية تتعرض إمَّا لأعمال "رقابة خانقة" أو "عنف جسديّ مباشر"؛ بحسب بيان المنظمة.

 

ولم تقتصر هذه الانتهاكات على المعارضة التونسية، بل طالت وسائل الإعلام بما في ذلك وسائل الإعلام الأجنبية؛ حيث ذكرت منظمة "مراسلون بلا حدود" التي تتخذ من باريس مقرًّا لها؛ عددًا من الوقائع التي تؤكِّد عدم نزاهة الانتخابات التي سوف تجرَى اليوم، ومن بينها:

- عدم عدالة توزيع المساحات الإعلانية في الصحف بين المرشحين وبين الرئيس بن علي.

- زيادة مساحات مواد الرأي التي تجامل الرئيس التونسي.

- الوجود الأمني المكثف خلال الحملات الانتخابية؛ ما أعاق عمل وسائل الإعلام والإعلاميين.

 

أما منظمة "هيومان رايتس ووتش" المرموقة التي بذلت جهودًا كبيرةً لفضح جرائم الحرب الصهيونية في حرب غزة الأخيرة، فقد انتقدت بشدة "الأعمال القمعية والضوابط الصارمة التي تفرضها الحكومة التونسية على الانتخابات التونسية"، وقالت إنَّ هذه الإجراءات "ستؤدي إلى افتقار الانتخابات للحرية والنزاهة".

 

وقالت المنظمة صراحةً في بيان لها إنَّه رغم إعلان الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في مستهل حملته الانتخابية؛ أنَّ حكومته ستعمل على تقديم جميع الضمانات لشفافية ونزاهة الانتخابات "إلا أنَّ القوانين التي تمَّ تفصيلها خصيصًا لمنع شخصيات من أحزاب المعارضة خوض الانتخابات ستحول دون انتخابات نزيهة".

 

وذكر بيان المنظمة أيضًا أنَّ السلطات التونسية "لا تتقبل أي نقد خلال فترة الانتخابات، بشكل مختلف عما كان قبلها"، وقالت: "حتى لو كان التصويت نزيهًا يوم الانتخابات؛ فإنَّ الانتخابات الرئاسية التونسية لن تكون حرة وشفافة ونزيهة؛ حتى تتوقف السلطات عن تكميم أفواه المعارضة والصحفيين".

 

منافقون!!

 الصورة غير متاحة

مؤيدون لزين العابدين بن علي

   على الرغم من تردي مستوى الأوضاع في تونس على النحو الذي يعرفه الجميع، حكومات ومنظمات، فإنَّ الحكومات الغربية يبدو أنَّها قد أصيبَتْ بصمم "متعمّد" إزاء ما يجري، وذلك بسبب واحد؛ هو الدعم الكبير الذي يقدمه بن علي وحكومته في مجال ضرب التيارات الإسلامية المختلفة، والتضييق عليها، تحت ستار ما يعرَف بـ"مكافحة الإرهاب".

 

وقد أدت سياسات بن علي هذه إلى جعله ذا حظوة لدى الحكومات الغربية، وخصوصًا لدى الحكومة الفرنسية التي ما فتئت تتشدَّق بحقوق الإنسان، ودليلنا إلى ذلك موقف الحكومة الفرنسية المخزي صراحةً من إجراء قامت به الحكومة التونسية مؤخرًا، لو كان قد وقع في بلد آخر لكانت الدنيا قد قامت ولم تَقعد!!

 

وقبل أيام قليلة، قامت الحكومة التونسية بمنع دخول صحفية من جريدة (لوموند) الفرنسية إلى الأراضي التونسية، بسبب تقارير هذه الصحفية، وتدْعَى فلورنس بوج، عن الحالة الحقوقية والإعلامية العامة في هذا البلد.

 

المهم أنَّ رد الفعل الفرنسي الرسمي إزاء هذا الانتهاك لم يتجاوز إصدار تصريح صحفيّ، وليس بيانًا ذكرت فيه وزارة الخارجية الفرنسية الواقعة، من دون إدانتها، واكتفت فقط بالقول إنَّ الحكومة التونسية لم تقدم تفسيرات لما فعلته!!

 

هذا النفاق الغربي ليس بجديد؛ حيث إنَّه طيلة السنوات التي تلت انقلاب زين العابدين بن علي نظام الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، وهو ذو وضعية خاصة لدى الحكومات الغربية بسبب معاداته الصريحة ليس للتيار الإسلامي السياسي فحسب، بل لكلِّ مظاهر التديّن في تونس.

 

ومن بين ما تتبناه الحكومة التونسية في هذا المجال:

- كانت تونس البلد العربي والمسلم الوحيد، بل البلد الوحيد في العالم الذي أعلن عن إلغاء موسم الحج هذا العام؛ بزعم التحوط من وباء إنفلونزا الخنازير.

- محاربة الحجاب الشرعي؛ حيث تتعرَّض المحجَّبات إلى مضايقات من رجال الأمن، لدرجة أنَّ هناك حالات إكراه على خلع الحجاب في الشارع، وكذلك تحرّش جنسيّ واغتصاب مارستها الشرطة التونسية بحق بعض المحجبات.

- تغيير الإجازة الرسمية في البلاد إلى يوم الأحد بدلاً من الجمعة.

- تحجيم شعائر صلاة الجمعة.

- إلغاء بعض القرارات الإدارية التي كان يتم تطبيقها في نهار رمضان لصالح الصائمين.

- تدنيس المصحف الشريف، خاصة في سجون البلاد.

 

أما على الجانب الآخر المتعلق بالواقع الحقوقيِّ والسياسي العام في هذا البلد؛ فتكفي الإشارة إلى الحزمة القانونية التي تحكم العملية الإعلامية في تونس، وترتيباتها، والتي من بينها:

- يحظر قانون الصحافة التونسي طباعة أيَّة دورية لم تحصل على تصريح من وزارة الداخلية (الفصل الثالث عشر من القانون).

- منع أيَّة مطبعة من طباعة أي منشور، دون إظهار تصريح من وزارة الداخلية، لم يمض على صدوره سنةً واحدةً (الفصل الرابع عشر من القانون).

 

والآن، فإنَّه من المضحِك بالفعل رد فعل السلطات التونسية على ما وجِّه إليها من اتهامات في الفترة الأخيرة بشأن سجلها الحقوقي والإعلامي؛ حيث عكس رد الفعل طبيعة الثقافة التي تحكم هذا النظام، فالسلطات التونسية "حذَّرت" منتقديها، واتهمتهم بالخيانة والعمالة للخارج، في ممارسة لا يمكن وصفها أبدًا بالديمقراطية، ولا تصدر إلا من نظام احترف القمع، وبات لا يقبل حتى مجرَّد النَّقد، الذي هو أبسط  صور الممارسة السياسية الديمقراطية.

 

ولذلك فإنَّ المشكلة ليست في فوز بن علي المحسوم في هذه الانتخابات، بل في أنَّ هذا الفوز سوف يقود إلى استمرار نظام احترف- إلى حدِّ الإدمان- محاربة معارضيه، وكل شكل من أشكال التَّديّن في هذا البلد العربيِّ المسلم العريق في حضارته!!