الفقيه القانوني أحمد الخالدي:

- قرارات "أبو مازن" غير قانونية لانتهاء ولايته

- الدعوة للانتخابات صراع السياسي على السلطة

- "رئيس التشريعي".. الوحيد الذي يملك الدعوة للانتخابات

 

حاوره من الضفة المحتلة- براء محمود:

معارك وسجالات عديدة ثارت في الفترة الأخيرة بعد موقف رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس المنفرد في شأن تحديد موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الرابع والعشرين من يناير المقبل.

 

هذه المعارك والسجالات تمحور الكثير منها حول الجانب السياسي للأزمة التي افتعلها عباس؛ حيث رأى الجميع أنها محاولة منه للالتفاف على استحقاقات المصالحة الفلسطينية والمطالب التي تطرحها الفصائل في صدد إعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل وإدارة محاور العلاقات الخارجية الفلسطينية المختلفة، سواءً إزاء الدائرة العربية والإسلامية أو إزاء العالم الخارجي، يما يتضمنه ذلك قضايا في شأن التسوية مع الكيان الصهيوني، وكيفية تحقيق المطالب الوطنية الفلسطينية.

 

كما كان هناك العديد من النقاشات الإعلامية حول هذه المسائل كلها، إلا أنَّ الجانب القانوني في وجهة نظر الكثيرين هو الأهم في هذا الإطار؛ حيث إنَّ الفيصلَ الأساسي في مسألة قبول أو رفض خطوة عباس، ليس في الجانب السياسي؛ حيث يمكن للكثيرين القول إنَّ التباين في وجهات النظر بين عباس وبين الفصائل قابلة للنقاش، ولكن الثابت القانوني هو فعلاً القادر على تحديد الطرف الأقرب للصواب في موقفه.

 

وفي هذا الإطار، فإنَّ العديد من القانونيين أفتوا بأنَّ قرار عباس يعدُّ باطلاً، لاعتبارٍ شديد الأهمية والبساطة في آنٍ واحد، وهو أنَّ عباس قد انتهت ولايته رسميًّا، ولا يوجد في القانون الأساسي الفلسطيني (الدستور الفلسطيني) ما يؤيِّد التمديد له لمدة عامٍ، وبالتالي فلا شرعية لقراراته التالية، على اعتبار أنَّه ما بُني على باطلٍ فهو باطلٌ، وهي واحدةٌ من القواعد القانونية والشرعية الراسخة في كل الأنظمة القانونية والدستورية على مستوى العالم.

 

والمدهش أنَّ عباس الذي رفض إجراء انتخاباتٍ رئاسيةٍ في يناير الماضي، باعتبار انتهاء ولايته تذرعًا بالواقع القائم على المستوى الفلسطيني، يأتي الآن لكي يفاقم من الوضع الذي أعلن سلفًا أنَّه لن يُجري الانتخابات لأجله!.

 

وفي محاولةٍ لتقديم بعض الإيضاحات حول جوانب الصورة كاملةً في هذا الجانب، أجرينا هذا الحوار مع وزير العدل الفلسطيني الأسبق الدكتور أحمد الخالدي، والذي كان وزيرًا في عهد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وكان رئيس الحكومة وقتها هو محمود عباس نفسه، إضافةً إلى أنه أحد الخبرات القانونية الفلسطينية والعربية، وأحد المشاركين في وضع القانون الأساسي الفلسطيني، من مقرِّ إقامته في مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة.

 

* الدكتور الخالدي.. بعيدًا عن أي اعتبارٍ سياسي، وفي كلمات مباشرة ذات صيغة قانونية، كيف ترون خطوة عباس الأخيرة؟

 الصورة غير متاحة

 محمود عباس المنتهية ولايته

**
إصدار رئيس السلطة المنتهية ولايته محمود عباس مرسومًا يدعو لتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية غير قانونيٍّ، ولا علاقةَ لذلك بترتيبات القانون الأساسي، ولكن لأنَّ ولايته الرئاسية انتهت منذ التاسع من يناير الماضي.

 

فمن الناحية القانونية، ووفقًا لقانون الانتخابات المعدل، والمعروف بالقانون رقم (4) لسنة 2004م، فإنَّ عباس انتهت ولايته، وبذلك لا يحق له الدعوة لإجراء الانتخابات.

 

هذا القانون حدَّد مُدَّة الرئاسة والمجلس التشريعي بأربع سنواتٍ، وقد انتهت ولاية عباس في التاسع من يناير الماضي.

 

ليس رئيسًا

* ولكن الطرف الآخر في السلطة يقول إنَّ من حق عباس الدعوة لانتخابات بصفته رئيسًا للسلطة؟

** وأنا أقول لك: إنَّ إعلان الانتخابات حقًّا يرجع للرئيس الفلسطيني بطبيعة الحال، ولكن في حالة عدم انتهاء ولايته؛ حيث إنَّ القانون الأساسي الفلسطيني يعتبر ذلك من صلاحيات الرئيس باعتباره أمرًا إجرائيًّا، ولكن عباس ولايته انتهت.

 

ولا يوجد فارقٌ في هذا بين انتخاباتٍ رئاسيةٍ وأخرى تشريعيةٍ، فالرئيس حسب هذا القانون، وخصوصًا في المادة 97 الفقرة الثالثة، يفترض أنْ تنتهي ولايته في 9/1/2009م، بعدها لا يمكنه أنْ يدعو لانتخاباتٍ لا تشريعيةً ولا رئاسيةً.

 

وفي رأيي فإنَّ كل القصة من وجهة نظري أنَّ الدعوة للانتخابات الآن تأتي في سياق الصراع السياسي على السلطة.

 

* إذن تنظرون للخطوة الأخيرة على أنَّها سياسية بالأساس؟

** طبعًا.. الخطوة سياسية، ولها مخاطر، من بينها أنَّ القرار سوف يؤدي إلى تكريس الانقسام بين مختلف الأطراف السياسية الفلسطينية.

 

كما أنَّه لا يمكن أنْ تكون الانتخابات خيارًا ديمقراطيًّا يحقق الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف في ظل الاحتلال "الإسرائيلي" المباشر في الضفة، والحصار المفروض على قطاع غزة، وفي ظل أزمة الانقسام الفلسطيني الحالي.. هذا شيء ضد المنطق.

 

التوافق هو الحل

* إذن من وجهة نظركم.. كيف يكون الوضع السليم؟

** طالما انتهت ولاية رئيس السلطة، فإنَّ الخيار بعد ذلك يكون للشعب، باعتباره صاحب السلطة الأصيل من خلال مُؤسَّساته الدستورية بالدعوة إلى إجراء انتخاباتٍ.. وأقصد بذلك المجلس التشريعي الفلسطيني؛ حيث ينص القانون الأساسي الفلسطيني على أنَّ رئاسة السلطة تؤول إلى رئيس المجلس التشريعي إذا ما انتهت ولاية رئيس السلطة.

 

وفي هذا أُذكِّر بأنَّ قائمة التغيير والإصلاح التابعة لحركة حماس حصلت على ثُلُثَيْ مقاعد البرلمان الفلسطيني في انتخابات الـ2006م، لكن القيود الغربية و"الإسرائيلية"، وحتى العربية لم تسعفها في قيادة الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال منذ ستة عقودٍ.

 

ولكن، وبعيدًا عن فكرة ترجيح طرفٍ على حسابِ طرفٍ آخر، دعني أؤكِّد شيئًا.. ما أعرفه أنَّ العمل السياسي السليم يتم التوافق عليه بين القوى السياسية، ويتم تمريره من خلال أشكالٍ قانونيةٍ؛ ولذلك فإنَّه من دون الاتصال وإنهاء الانقسام يبقى القرار غير ممكنٍ تطبيقه في غزة، وإنْ تم بالضفة يبقى ناقصًا؛ لظروف الحصار والاحتلال.

 

كما أنَّ الانتخابات في ظلِّ هذه الأوضاع سوف تُعبِّر عن الانقسام، خاصةً أن قطاع غزة لن يشارك فيها؛ حيث ترفض حماس المبدأ من الأساس.

 

* كيف؟!.. أو المزيد من التوضيح إذا تكرَّمت..

** إنَّ الانتخابات وسيلةٌ ديمقراطيةٌ لتحقيق مصالح الشعب من خلال حرية الناخبين في اختيار أداة الحكم، وهذا أمرٌ غير متوافرة شروطه الآن.

 

ولذلك أعود فأؤكِّد أنَّ أمر الدعوة للانتخابات بات ليس أمرًا قانونيًّا، وإنما سياسيًّا؛ حيث أصبحت الدعوة عملاً سياسيًّا لوجود أمرٍ واقع يتمثل في صراعٍ بين برنامجَيْن.. الأول برنامج المقاومة، والثاني برنامج التسوية والمفاوضة.. وأيهما يُحقِّق المصلحة العامة، فإنَّه من المفترض أنَّ الشعب الفلسطيني هو الذي يقرر مَن يملك الصلاحية في هذا الأمر.

 

وأسألك أنا.. هل الانتخابات يمكنها أنْ تُعبِّر عن خيارات الشعب الفلسطيني في وجود الاحتلال؟!!.. إنَّ الانتخابات عادةً تجرى في ظلِّ دولةٍ مستقرَّة ومستقلة لتكون صاحبة السيادة في اختيارها.

 

ولذلك أقول وأؤكِّد لك أنَّه وفقًا للظُّروف الحالية لا نجد ما يبرر هذا المرسوم [الذي أصدره محمود عباس بإجراء الانتخابات]، لا في قانون الانتخابات ولا في القانون الأساسي, فالمصلحة الوطنية العليا هي التي يمكن أنْ تبرر مثل هذا القرار، وهو ما هو من المفترض أنَّ القوى السياسية الفلسطينية هي التي تقرره.

 

* في النهاية.. هل هذا التشريح القانوني من قبل أحمد الخالدي قد يُعرِّضه لمضايقاتٍ من قِبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة؟!

** ابتسم الخالدي ولم يعقب، مكتفيًا بتوجيه الشكر لنا.