خبر جديد نقلته وسائل الإعلام اليوم، ولئن صح الخبر، فإن هذا يعني أن السياسة الرسمية الفلسطينية قد وصلت إلى حضيضها معلنةً إفلاس قيادات السلطة الفلسطينية في رام الله، وفقدانها أدنى درجات الشرعية للعمل؛ بسبب عدم رشادة قرارها السياسي.
ويقول الخبر إن أمس الثلاثاء لم يشهد بَدءَ تسجيل الناخبين للانتخابات الفلسطينية القادمة كما كان مقررًا له، وبحسب مراقبين فإن هذا يزيد من الأدلة القائمة على أن رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس "يناور" بشأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي دعا هو إليها في يناير المقبل، ويناور كذلك فيما سبق له وأنْ أعلنه في شأن اتجاهه لعدم ترشيح نفسه لفترة رئاسية جديدة.
ومنذ أيام نشر (إخوان أون لاين) تحقيقًا صحفيًّا نقل فيه الموقع آراء عدد من الرموز الفلسطينية الأكاديمية والسياسية التي أكدت أن عباس غير جاد فيما عرضه في شأن عدم الترشح في الانتخابات المقبلة، وتوقعوا أنْ يقوم عباس بمناورة ما للعدول عن قراره هذا.
وأثبتت الأيام القليلة التي تلت هذه التنبؤات التي أكدها العديد من الخبراء في العالم العربي أن عباس بالفعل ليس جادًّا في إجراءاته وخطواته السياسية، وهو ما يلقي بظلال كثيفة من الشك حول جدارته بقيادة سفينة القضية الفلسطينية، وهي الجدارة التي انهارت تقريبًا بعدما تكشف عن دوره في دعم العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة في الشتاء الماضي، باعتراف قادة الكيان الصهيوني أنفسهم.
وكان من المفترض أنْ تبدأ أمس الثلاثاء عملية تستمر خمسة أيام لتسجيل ما يقدر بنحو 260 ألف شاب فلسطيني بلغوا السن القانونية للتصويت منذ الانتخابات الأخيرة التي جرت في يناير من العام 2006م.
إلا أن مراكز التسجيل الألف المحددة لذلك بالضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة على حد سواء، لم تفتح أبوابها لتسجيل الأسماء، فيما لم يصدر أي تعليق عن لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية المستقلة التي نظمت الانتخابات التي جرت في الأعوام 1996م و2005م و2006م، لتفسير ذلك.
كما غابت الملصقات واللافتات الانتخابية التي تشير إلى وجود سباق نيابي ورئاسي، بما دعا دبلوماسيًّا غربيًّا مقيمًا في القدس المحتلة للقول إن كل هذه مؤشرات على أن الانتخابات لن تجري في الرابع والعشرين من يناير"، ووصف إجراء الانتخابات في هذا الموعد بـ"محض الخيال السياسي".
ولم تعد مسألة تأجيل الانتخابات مجرد تكهنات بناءً على ذلك؛ حيث إن مسئولين فلسطينيين أكدوا ذلك ضمنًا؛ حيث قال نبيل أبو ردينة مساعد عباس إن لجنة الانتخابات المركزية ستبلغ أبو مازن في غضون أسبوع من الآن- أي في منتصف الأسبوع القادم- ما إذا كانت سوف تستطيع تنظيم الانتخابات، وقال إنه إذا لم تتمكن السلطة من إجراء هذه الانتخابات، سيبحث عباس ما وصفه أبو ردينة بـ"الخيارات الأخرى"، ولكنه لم يقم بتحديد كنه هذه الخيارات.
وفي الإطار، وعندما وضع المحللون هذه الأحداث المستجدة في مقاييسهم لتقييم الأمور ومستقبل الأوضاع في الشرق الأوسط، فإنهم لم يفترضوا فحسب أن الظروف السياسية- مثل رفض حماس لخيار إجراء الانتخابات قبل إتمام المصالحة الوطنية الفلسطينية- هي التي حتمت إلغاء قرار إجراء الانتخابات، أو على الأقل تأجيلها، بل افترضوا أن هذا الموقف المستجد هو المناورة التي توقعوها من عباس للتراجع عن قراره بعدم ترشيح نفسه للانتخابات.
ولذلك أشارت تقارير إعلامية إلى أنه من بين الخيارات التي تحدث عنه أبو ردينة من دون تحديد، سوف يكون من بينها أن يظل عباس في مكانه، ليطيل من أمد الأزمة السياسية والدستورية التي تعاني منها الساحة الفلسطينية؛ حيث وجوده غير شرعي من الأساس بعد انتهاء فترة ولايته الرئاسية في يناير الماضي، فيما لا يوجد في القانون الأساسي الفلسطيني ما يفيد التمديد له لعام؛ حيث من المفترض أنْ يحل رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني محله لحين إجراء انتخابات جديدة.
المشكلة أن حالة التخبط السياسي مع عباس قد وصلت إلى مداها، فبينما يتخذ من الإجراءات ما سوف يعرقل انتخابات دعا هو إليها، وتراجعًا عن تنحٍّ عن الحكم أخذ هو قراره، نجد هناك تسريبات إعلامية من السلطة الفلسطينية في رام الله، الثلاثاء، تقول إن محمود عباس "يدرس بجدية إعلان استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، واللجنة المركزية لحركة فتح"، بحسب نص ما تداولته المصادر التي تداولت هذه التسريبات!!
تهديدات قذرة
من جانب آخر أثبتت السلطة الفلسطينية أنها تلميذ نجيب للسياسة العربية، التي تعمد دائمًا على المزيد من الضغط والهجوم الأجوف على المعارضة الداخلية، والقوى الوطنية الشريفة للمداراة على مظاهر فشلها وفشل سياساتها أو مشكلاتها الداخلية.
![]() |
|
صائب عريقات |
فالسلطة الفلسطينية بدأت تمهد لإلقاء كرة اللهب المشتعلة في أيدي حماس، فبعد أنْ فشل المسار التفاوضي، ومزاعم التسوية مع الكيان الصهيوني، بدأت بعض الأطراف في السلطة وحركة فتح في التمهيد لنقل الملف السياسي الفلسطيني برمته إلى حركة حماس، بما في ذلك الارتباطات التي أقامتها منظمة التحرير الفلسطينية مع الكيان الصهيوني.
فصائب عريقات، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ومسئول ملف المفاوضات في المنظمة ألمح في تصريحات إعلامية أمس الثلاثاء إلى أن فتح في سبيلها لرفع يدها عن السلطة الفلسطينية، وبالتالي وضع الكيان الصهيوني في وضع المضطر للتعامل مع حركة حماس، ومن بين تلك الخطوات كانت مناورة عباس بالتنحي، وعدم ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية.
وبلغت وقاحة اللغة التي استعملها عريقات، إلى حدِّ تشبيه حركة حماس بالعصا الغليظة، وتهديد الكيان بها، وكأن عريقات مهتم بأمن الكيان الصهيوني ومصالحه؛ حيث حذر الصهاينة من أنهم سوف "يضطرون للتعامل مع حماس في نهاية المطاف، إذا لم يفوا بالتزاماتهم مع السلطة الفلسطينية الخاصة بعملية السلام"!!.
عريقات- الذي بدا منفصلاً تمامًا عما يجري حوله في الضفة الغربية- قال لوكالة (الأسوشييتد برس) الأمريكية مساء أمس إن رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته "قد يستقيل من منصبه قبل الانتخابات المقبلة، وعندها سيتولى رئيس البرلمان الفلسطيني، الدكتور عبد العزيز دويك مهام منصبه"، في إشارة إلى أن حركة حماس التي يعتبر الدويك رئيسًا لكتلتها البرلمانية سوف تكون هي البديل أمام الكيان في حكم الأراضي الفلسطينية ككل!!.
![]() |
|
سامي أبو زهري |
وبطبيعة الحال فإن عريقات قال كلامه هذا عن "انتخابات مقبلة"، بينما الضفة الغربية ذاتها لم تشهد أي إجراءات تنفيذية في هذا الإطار!!.
وهو ما وصفته حماس بأنها سياسة غير نظيفة، وقال المتحدث باسم الحركة سامي أبو زهري: "إن تلويح عريقات بورقة حماس في وجه "إسرائيل" هي سياسة غير نظيفة لن تتورط فيها حماس"، وقال- أيضًا- إن حديث عريقات بشأن احتمالية استقالة عباس ونقل صلاحياته إلى رئيس المجلس التشريعي الدكتور عزيز دويك "لا يعكس احترامًا لصلاحية المجلس التشريعي، وإنما محاولة لإلقاء كرة اللهب الناتجة عن فشل مسيرة التسوية في حجر الحركة".
والآن، تخبط واضح في رام الله يلقي مسيرة القضية الفلسطينية إلى المجهول، فكيف سيتصرف الفلسطينيون؟!.. هذا هو ما ستجيب عنه التطورات القادمة فقط؛ حيث لا يستطيع أحد التنبؤ أبدًا بما سيتم في ظل هذه الحالة التي وصلت إليها الأنظمة العربية!!.

