زار صحفي عربي مدينة مقديشو قبل عامين من الآن فكتب عنها قائلاً: مقديشو.. مدينة نصفها مدمَّر والنصف الآخر خارج الزمن بلا ماء وكهرباء أو بلا خدمات عامة، فماذا يقول ذلك الصحفي إذا رآها اليوم نصفها مهجور والنصف الآخر في حالة ترقب لمعركة فاصلة لا تبقي ولا تذر، أو بالأحرى حرب خاسرة لا غالب فيها ولا مغلوب، وإنما مزيد من الدمار والخراب وإزهاق الأنفس المعصومة باسم الدين أو الدفاع عن الوطن.. في إطار محاولة مستميتة من قِبَل الأطراف المتصارعة من أجل السيطرة الكاملة علي مدينة مقديشو عاصمة جمهورية الصومال.
الفرح الذي تحول إلى حزن
وكما رصدت الصحافة المحلية والدولية؛ شهدت مقديشو عاصمة الصومال في الثالث من شهر ديسمبر الجاري "الفرح الذي تحول إلى حزن" في لحظة واحدة.. لحظة حدوث انفجار ضخم وسط قاعة مكتظة بحضور كريم من مثقفين ووزارء وأساتذة جامعيين وخريجين جدد وأولياء أمورهم؛ اجتمعوا لمشاركة حفل تخريج طلاب الطب والهندسة والحاسوب من جامعة "بنادر" في أحد فنادق الواقعة في الجزء الجنوبي الذي تسيطر عليه الحكومة الصومالية.
وجاءت الفاجعة بعد أن فجَّر انتحاري نفسه وسط جموع غفيرة؛ مما أسفر عن مقتل أكثر من عشرين شخصًا من بينهم ثلاثة وزراء، وإصابة ما يزيد عن ستين آخرين، وكان الحدث بمثابة زلزال كبير بالنسبة للحكومة الصومالية التي فقدت مرة واحدة ثلاثة من وزرائها الذين كانوا يشكلون وحدة متكاملة ومتضامنة، حيث كانوا يشغلون ثلاثة من الحقائب الوزارية الخدمية (الصحة- التعليم العالي- وزارة التعليم).
وبحسب المراقبين المحليين فإن الوزراء الثلاثة كان لهم وزنهم وثقلهم السياسي على المستوى الحكومي والشعبي، كما كانوا الساعد الأيمن للرئيس الصومالي شيخ شريف شيخ أحمد، الذي صرّح في مؤتمر صحفي عقده في القصر الرئاسي عقب الحادثة مباشرة بأن "الهجوم يحمل بصمات تنظيم القاعدة، وأن الحدث كارثة وطنية، ولكنه لن يثبط من عزيمة الحكومة في مواجهة الخونة", على حد تعبيره.
![]() |
|
أحد ضحايا الانفجار العنيف في مقديشو |
وحتى هذه اللحظة لم تعلن أية جهة مسئوليتها عن ذلكم الهجوم الانتحاري، بالرغم من ورود أنباء غير مؤكدة تشير بأصابع الاتهام إلى حركة شباب المجاهدين في الصومال، إلا أن الحركة نفت أية علاقة لها بهذا الانفجار الذي يأتي ضمن سلسلة من الهجمات النوعية التي تستهدف الحكومة كلما همَّت الزحف نحو المعارضة، فيما يوصف بالمعركة الفاصلة التي يعلق الكثير من مؤيدي الحكومة آمالهم عليها.
وعلى هذا الأساس بات من المؤكد في الساحة المحلية بأن مدينة مقديشو قاب قوسين أو أدنى من اندلاع حرب ضروس بين حركة شباب المجاهدين والحكومة الصومالية، اللذين يتقاسمان الآن السيطرة على المدينة، وبالتالي أصبح المقديشيون في حالة ترقب شديد لمعركة مثيرة بين نمر كثير الحركة وتمساح قابع في ساحل البحر، قد تكون له قفزات حاسمة حسب تعبيرهم؛ مما سيؤدي لا محالة إلى انفراد طرف في الساحة على حساب الآخر.
ويبني أهالي مقديشو رأيهم هذا على ما يشاهدونه بأمِّ أعينهم من استعدادات وتحالفات وتحركات عسكرية غير مسبوقة بعد انتهاء تصفيات المعارضة لصالح حركة شباب المجاهدين التي انتصرت مؤخرًا، أو بالأحرى حسمت الخلاف الذي كان بينها وبين حليفها السابق الحزب الإسلامي بقوة الساعد والسلاح.
ويرى المراقبون أنه فور إنهاء عمليات تعقب ومطاردة فلول بعض القوات وقيادات الحزب الإسلامي الذين عبروا الحدود الصومالية الكينية في جنوب الصومال؛ ستتفرغ حركة شباب المجاهدين لخوض معركة فاصلة مع الحكومة المؤقتة، ومن أبرز مظاهر استعدادتها لهذه المرحلة الحفر أو الخنادق في الشوارع الرئيسية التي تقع تحت سيطرتهم، إلى جانب سعيها الحثيث للملمة شملها بعد حربها الأخيرة مع الحزب الإسلامي.
مع العلم أن حركة شباب المجاهدين صرحت أكثر من مرة بأن حربها الأخيرة كانت مع مجموعة خارجة على النظام الإسلامي بقيادة القيادي المخضرم أحمد مدوبي الذي تؤكد الأنباء بأنه يُعالج في مستشفى بكينيا المجاورة بعد اضطراره اللجوء إليها، إلا أنه تكذيبًا لهذه الأنباء فاجأ الجميع بتصريح أدلى به للقسم الصومالي لإذاعة (بي بي سي)، ذكر فيه بأنه موجود في منطقة من مناطق جوبا بجنوب الصومال، ولا يزال يحارب من سمّاهم بالتكفيريين، في إشارة صريحة لحركة شباب المجاهدين التي أخرجته بالقوة من أغلب المناطق التي كانت تحت سيطرته في زمن قياسي قصير.
أدوار مشبوهة لدول الجوار
ومعروف أن كينيا والدول المجاورة باستثناء جيبوتي تلعب أدوارًا مشبوهة؛ بسبب مواقفها المتناقضة ومعاييرها المزدوجة، إذ تُرحب بكل فارٍ إليها وربما تزوده بالسلاح، حتى وإن كان خصمًا لدودًا لها قبل انهزامه في الساحة المحلية؛ الأمر الذي يفسره المحللون هنا بأن مصلحة هذه الدول في استمرار الأزمة الصومالية، في إطار إستراتيجية غربية ضد قيام الصومال كبلد إسلامي قوي في القرن الإفريقي المخطط له منذ زمن بعيد أن يكون منطقة مسيحية خالصة.
مظاهر الاستعدادات العسكرية على المستوى الحكومي
جنديان تابعان للقوات الحكومية في أحد شوارع مقديشو
هناك مؤشرات ظاهرة واستعدادات عسكرية توحي باحتمال وقوع حرب مفتوحة قد تأخذ مسارًا جديدًا نحو ما يسمى بالمرحلة الحاسمة، وإن كان هناك من المراقبين من يشكك في إمكانية حسم الحرب الدائرة في الصومال بسهولة، ومن مظاهر الاستعدادات العسكرية على المستوى الحكومي ما يأتي:

1- إعادة بناء الجيش والشرطة:
هناك تغييرات أساسية قد طالت بالفعل قيادات عليا في الجيش والشرطة- حسب ما تتناقله وسائل الإعلام المحلية- ومن بين المزمع أو المعلن عن إقالتهم الجنرال عبدي قيبديد القائد العام للشرطة الصومالية، وكذلك قائد القوات المسلحة في خطوة يقال إنها تهدف إلى تكوين قيادات متفاهمة ومتعاونة قادرة على لعب أدوار حاسمة على الأقل في هذه الفترة التي تسعى الحكومة إلى حسم الصراع لصالحها بالقوة؛ حتى تستعيد هيبتها وحضورها على كافة الأصعدة، حسب ما يردده المسئولون الحكوميون بمن فيهم الرئيس الشيخ شريف شيخ أحمد الذي بدأ يلعب دور قائد القوات المسلحة، من خلال توجيهه الخطب الحماسية التعبوية التي اشتهر بها أيام المحاكم الإسلامية عبر وسائل الإعلام المختلفة، إضافةً إلى أنه لوحظ وهو يلبس بزته العسكرية المعهودة أثناء زياراته الميدانية المتكررة في الآونة الأخيرة لمراكز تدريب قوات الجيش والشرطة؛ وذلك في إشارة واضحة إلى أن الحكومة على أتم استعداد لخوض حرب حاسمة مع حركة شباب المجاهدين الفصيل الأوحد الذي يشكل تحديًا كبيرًا بالنسبة للمشروع الحكومي المدعوم دوليًّا.
2- تصريحات نارية متبادلة:
وشهدت الساحة الإعلامية المحلية في الآونة الأخيرة تصريحات نارية يتبادلها طرفا الصراع (الحكومة والشباب)، مع استخدام لهجات حادة توحي بدخول مرحلة أصبحت الحرب الخيار الأوحد لكلا الطرفين، وكانت خطبة عيد الأضحى خير مثال؛ حيث قام كلُّ من مسئولي الحكومة والمعارضة بشرح مدى استعدادهم التام لسحق الطرف الآخر في ثوان معدودة، مطالبين الشعب بالصبر والتأييد، ومبشرين لهم بمستقبل زاهر ينتظرهم بعد انتهاء العملية العسكرية الموعودة التي ستكون أكثر تركيزًا على خلاف المناوشات التي تحدث في مقديشو بين حين وآخر.
والغريب أن كلاًّ من المعارضة والحكومة يتبنيان أو يرفعان شعارات إسلامية تسوغ لكل طرف سفك دماء كل من يحمل السلاح في وجهه على اعتبار أنه مرتد أو من الفئة الباغية، على قاعدة إمَّا أن تكون معي أو ضدي، وأن رأيي هو الصواب الأوحد، ولا عزاء للشعب الصومالي الذي سيدفع الثمن غاليًا جراء الحرب المتوقعة حسب تأكيدات المحللين العسكرين، بين قوات الحكومة المدعومة بقوات الاتحاد الإفريقي، وبين حركة شباب المجاهدين في الصومال.
الاحتمالات الواردة بعد اندلاع الحرب
عناصر من حركة شباب المجاهدين

وحسب ما يجمع عليه المحللون المحليون؛ هناك احتمالان في حال اندلاع الحرب المتوقعة أولهما: أن تقرر حركة شباب المجاهدين الانسحاب من ميادين القتال فور زحف قوات الاتحاد الإفريقي نحوها كما حدث قبل أربعة أشهر تقريبًا؛ حيث انسحبت المعاضة أمام زحف آليات قوات الاتحاد الإفريقي (AMISOM) بقيادة قوات حكومية صومالية، إلا أن الحكومة قررت الرجوع إلى مواقعها الأولى بعد أن دخلت في عمق أحياء كانت تحت سيطرة المعارضة، في خطوة قيل إنها كانت استطلاعية تجريبية، إلى جانب كون الحكومة لم تكن جاهزة لصد هجمات حرب الشوارع في حال استمرارها، وبقائها في الميدان، حسب مصادر عسكرية.
أما الاحتمال الثاني: فيتمثل في أن تصمد قوات حركة شباب المجاهدين أمام الجموع العسكرية الحكومية المدعومة بما يزيد عن خمسة آلاف جندي بكامل أسلحتهم من قوات الاتحاد الإفريقي في مقديشو، وفي حال حدوث الاحتمال الأخير يتوقع المراقبون أن تحدث كارثة إنسانية ستؤدي إلى مزيد من النزوح والهجرات الجماعية، وسط مخاوف من حدوث أعمال عنف انتقامية متبادلة؛ مما سيكون له أثره السلبي في محاولات احتواء الأزمة مستقبلاً.
