ظهرت في الآونة الأخيرة حرب إعلامية بوتيرة أكثر حدة وشراسة بين الجهات المتقاتلة في جنوب الصومال، وذلك بهدف محاولة كل طرف تجييش الرأي العام المحلي ضد الطرف الآخر، في إطار الحرب الإعلامية الموازية للعمليات العدوانية المتبادلة بين الحكومة الصومالية برئاسة الشيخ شريف شيخ أحمد والمعارضة الإسلامية بقيادة حركة شباب المجاهدين كأكبر وأبرز فصيل رافض لتوجهات النظام القائم جملةً وتفصيلاً، ويُعتقد أن المناكفات السياسية والاتهامات المتبادلة وتوجيه كل الجهود الإعلامية لفضح ممارسات الطرف الآخر واعتبارها منافيةً للشريعة الإسلامية والأعراف التقليدية؛ تأتي كنتيجة طبيعية لانحسار التأييد الشعبي لكلا الطرفين بسبب فشلهما الذريع في تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة عبر الوسائل السلمية.
ومنذ بداية فترة الحرب الأهلية بالصومال في تسعينيات القرن الماضي كانت الإذاعات المحلية والدولية الناطقة باللغة الصومالية مسرحًا للصراع الإعلامي، بل أداة لإذكاء العداء وتأجيج الصراع بين الأطراف المختلفة، وخاصة بعد أن تحولت الإذاعات إلى ميدان أو منبر يعتليه بالتناوب حامل مشعل التنوير وصاحب الفكر الهدّام، وما أصعب البناء الذي يعقبه الهدم والتدمير على حد قول القائل.
ونظرًا لزيادة نسبة الأمية الأبجدية لدى الصوماليين اعتمدت كافة الجهود الدعائية المتبادلة على الإذاعة باعتبارها من الوسائط غير المكلفة والتي يمكن الاستماع إليها بأقل الاستعدادات مما لا يتوافر لبقية الوسائط، وبالتالي أصبح الصوماليون- والجنوبيون منهم بالذات- من أكثر المجتمعات إدمانًا واستهلاكًا للمضامين الإعلامية المسموعة بمختلف أشكالها بدون فلترة أو تمييز بين الوافد الضار منها والنافع، كما حقق الصوماليون رقمًا قياسيًّا في اقتناء أجهزة استقبال الراديو؛ حيث يلاحظ انتشار واسع لأجهزة استقبال صينية الصنع وصغيرة الحجم وغير مكلفة اقتصاديًّا، فأصبح كل فرد في العائلة بمقديشو- على سبيل المثال- يتابع الأحداث أولاً بأول من خلال جهازه الخاص أو بواسطة هاتفه المحمول المزود بخدمة استقبال الإذاعات المحلية على موجة "إف إم"، ورغم ذلك يجب أن نفهم بأن متابعة أغلب الناس للأحداث ليست من باب حب الاستطلاع ومعرفة الأخبار بقدر ما هي ضرورة يومية للحصول على المعلومات اللازمة حول الطرق المغلقة والمناطق المتوترة المرشّحة للاستهداف من قبل آلة قوات الاتحاد الإفريقي المدمرة، وغيرها من المعلومات التي تتنافس الإذاعات المحلية المستقلة في توفيرها لجماهيرها في الصباح الباكر قبل الخروج إلى العمل- إن وجد- وذلك تمامًا كما يتابع الناس أحوال الطقس في العالم قبل الذهاب إلى العمل لأخذ الاحتياطات اللازمة.
إذاعة مقديشو
وفي محاولة لإنهاء حالة من الضعف وغياب الإعلام الحكومي الفاعل قامت الحكومة الصومالية بنفض الغبار عن واحدة من أعرق مؤسساتها الإذاعية في الصومال، وهي إذاعة مقديشو- صوت الجمهورية الصومالية- التي عُرفت في السابق بقوة تأثيرها وقدرتها على التعبئة الجماهيرية قبل انهيار الحكومة المركزية عام 1991م.
وتُعتبر هذه الخطوة محاولة جادة من قبل الحكومة الصومالية لترجيح الكفة الإعلامية لصالحها بهدف تحقيق تقدّم ملموس في المجال الإعلامي الذي طالما تجاهلته الحكومات السابقة رغم التحديات والتغيرات المتسارعة التي تُفرض التأقلم مع الإعلام ووسائله كمحرّك وشريك مؤثر في عمليات التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وحسب ما قاله وزير الإعلام الصومالي السيد طاهر محمود أثناء كلمته في حفل الافتتاح- أو حفل إعادة فتح إذاعة مقديشو بثوبها الجديد-: إنّ وزارته تحاول توسيع نشاط الحكومة الإعلامي ليشمل تشغيل وكالة الأنباء الصومالية "سونا" ومحطة التليفزيون الرسمية مع سرعة توصيل الإذاعة الرسمية إلى خارج البلد عبر الأقمار الاصطناعية، وقد تطلع الوزير الجديد إلى أن يكون أداء الإعلام الحكومي أداءً مهنيًّا متميزًا بالإبداع والحرية المسئولة، مع العلم أن وزير الإعلام الجديد ليس شخصية دخيلة في الوسط الإعلامي المحلي؛ حيث كان من مُلاّك إحدى الإذاعات المحلية في مقديشو، مما يزيد فرص نجاحه في حملته الإعلامية ضد المعارضة الإسلامية المتشددة في الصومال، ولا سيما إذا استمر في سياسة توظيف وانتقاء المحترفين في المجال الإعلامي، مع توفير التدريبات اللازمة لذوي المستويات المتدنية منهم حتى يكونوا قادرين على تنفيذ السياسة الإعلامية الجديدة في ظل الشعار الإسلامي المرفوع من قبل الحكومة.
إذاعة الأندلس
تمثل إذاعة الأندلس التابعة لحركة شباب المجاهدين الواجهة الرئيسية للإعلام الجهادي في الصومال، إلى جانب المواقع الإلكترونية التابعة للمعارضة، وتمتاز الإذاعة بصراحتها وترجمتها الفعلية للرؤية السياسية التي تتبناها حركة شباب المجاهدين، وقد أدخلت في الساحة الإعلامية مصطلحات كثيرة منها "الرئيس المرتد"، و"جيش المرتدون" و"الصحفيون المرتدون"، وغيرها من المصطلحات الكثيرة في منشورات المعارضة، وذلك في إشارة صريحة إلى أن رئيس الحكومة شيخ شريف شيخ أحمد وكافة المشاركين معه في العملية السياسية مرتدون عن الدين ويجب قتالهم وإزاحتهم من الساحة السياسية باعتبارهم في تحالف الكفر والطغيان بقيادة أمريكا وحلفائها في القرن الإفريقي ضد الإسلام والمجاهدين في الصومال، ويعتقد المراقبون أن تأثير إذاعة الأندلس محدود جدًّا نظرًا لمحدودية نطاق تغطيتها، ولبعد مقرها عن العاصمة مقديشو؛ حيث ينحصر بثها في مدينة كسمايو وضواحيها على الحدود الصومالية الكينية على بعد 500 كيلومتر، عن العاصمة.
ويُذكر أنه ليس من المستبعد توسيع نطاقها لتشمل كافة الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة في جنوب الصومال ووسطها، ولا سيما بعد بزوغ نجم إذاعة مقديشو الرسمية وازدياد شعبيتها بسبب خطابها الإعلامي الذي يغلب عليه الطابع الدعائي الهجومي، ما أثار مخاوف الكثيرين ممن يسكنون في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، حيث يقال: إن بعض المواطنين العاديين أصبحوا مضطرين إلى استماع الإذاعة الحكومية بسرية، وخلف أبواب مغلقة، حتى لا يُصنّفوا ضمن قائمة المحافظين المؤيدين للحكومة!! ولاسيما في وقت تتردد فيه أنباء عن أوامر صدرت من حركة شباب المجاهدين والحزب الإسلامي بشأن حظر استماع الإذاعة الحكومية، رغم صعوبة ممارسة الرقابة الإعلامية بشكلها التقليدي في ظل توفر التكنولوجيا المتطورة التي ساعدت على نجاح الإعلام الحكومي بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة من خلال برامج ومسرحيات درامية إذاعية هادفة جديدة.
الإعلام الحكومي والمعارضة
وبحسب المراقبين المحليين فإن أنشطة الإذاعة الحكومية وبرامجها من أهمّ العوامل وراء انضمام عدد من عناصر حركة شباب المجاهدين والحزب الإسلامي إلى صفوف القوات الحكومية في الآونة الأخيرة، بحيث تقوم الإذاعة الرسمية وموقعها الإلكتروني بتشجيع عمليات الانشقاقات والتجاذبات في صفوف المعارضة، وبالتالي بات من غير المستبعد أن يؤدي الأمر إلى فشل المعارضة في إدارة الحرب الفاصلة المتوقعة بين الحكومة المدعومة بقوات الاتحاد الإفريقي وبين المعارضة.
ووفق ما جاء في تقارير عسكرية منشورة على الإنترنت فإن تحوّل أغلب العمليات العسكرية إلى فترة الليل يُعتبر مؤشرًا كبيرًا لتقلّص تأييد ونفوذ المعارضة في الأوساط الشعبية بفعل الدعاية الحكومية عبر إذاعة مقديشو الرسمية وموقعها الإلكتروني على الشبكة الدولية للمعلومات، وكما يُعتقد أن الرسائل الإعلامية الهادفة التي يتم تمريرها إلى المهاجرين الصوماليين في كل مكان في العالم ستؤدي لا محالة إلى تقليل تأييد الشباب الصوماليين في المهجر للمعارضة الإسلامية، وخير دليل على ذلك كيفية استثمار الأجهزة الإعلامية الحكومية حادثة التفجير الانتحاري الدامي في مطلع الشهر الجاري الذي أودى بحياة ثلاثة وزراء دفعة واحدة إلى جانب رموز آخرين من المجتمع المدني، وقد أكدت مصادر حكومية أن التفجير كان من تخطيط شاب دانماركي- صومالي الأصل- وتنفيذه، انضم هذا الشاب إلى صفوف حركة شباب المجاهدين في الصومال من أوروبا، وفي الوقت نفسه لا يزال الإعلام الحكومي يستثمر أخطاء المعارضة ويتصيّدها ببراعة في إطار حملات التشكيك في المشاريع الجهادية والطعن في مشروعيتها وجدواها على غرار سياسة الإعلام الإمريكي الموجه في الصومال.
ومن أبرز ما ساعد على تفوق الإعلام الحكومي نجاح وزارة الإعلام في استيعاب مجموعة من الكوادر الإعلامية الذين توقفوا عن العمل الصحفي بسبب عمليات ملاحقة وضغوط من المعارضة، حسب ادعاءات الصحفيين أنفسهم، وذلك بعد تزايد عمليات القتل والتهديد في أوساط الصحفيين، ومن جملة ما يقال في هذا الشأن: إن المعارضة ضاقت ذرعًا باستفزازات بعض الإذاعيين العاملين لحساب مؤسسات معادية للإسلام؛ وبالتالي اعتبرتهم رأس الحربة للمشروع الأمريكي في قرن إفريقيا حسب قراءات داعين إلى سياسة الحجب وتكميم أفواه كل منْ يمت للأمريكان وحلفائهم بصلة، على غرار الحظر المفروض من قبل حركة شباب المجاهدين على مراسلي القسم الصومالي لإذاعة (صوت أمريكا) في جنوب الصومال منذ فترة من الزمن.
التحدي الأكبر
ويمكن القول عمومًا بأن وسائل الإعلامية المحلية والدولية كان لها أثرها البالغ في تأزّم المشكلة الصومالية واستعصائها على الحل النهائي، إلى جانب عوامل أخرى كالقبلية والتدخل الخارجي وغيرها من العوامل التي كان يمكن التغلب عليها لو أُحسن استغلال الإعلام ووسائله وفق إستراتيجية إعلامية هادفة، على عكس ما تشهده الساحة الإعلامية من فوضى عارمة خاصة في المجال الإذاعي؛ حيث اختلط الحابل بالنابل فأصبح المواطن العادي غير قادر على التّمييز بين الغث والسمين من الأفكار والآراء المتعارضة التي يتم تمريرها للجمهور العام عبر موجات الأثير بشكل مباشر، ومن دون شك أن التحدي الأكبر الذي يواجهه الشعب الصومالي هو ظاهرة الخوض في المسائل الشرعية مع إطلاق الفتاوى جزافًا عبر وسائل الإعلام المختلفة دون مراعاة للظروف الواقعية والضوابط الشرعية في هذا المجال، مما خلق بلبلة فكرية في أوساط المواطنين العاديين؛ حيث تساهل كثير من الناس في مسائل التفسيق والتكفير وغيرها من المسائل الحساسة بعد تزعزع الثقة في المرجعيات الدينية التقليدية.
تساؤل وجيه
وبالرغم من صعوبة فهم الواقع الإعلام المحلي في الصومال- وخاصة فيما يختص بالإعلام الدولي الموجّه المستقطِب لأحسن الكفاءات الإعلامية على حساب المصلحة القومية، إضافة إلى خطورة الأقلام المأجورة- فإنه بات من الأهمية بمكان أن نتساءل: إلى أيَ مدى يمكن أن ينجح كل من الحكومة والمعارضة في بناء نظام إعلامي حديث، ينظر لقطاع الإعلام بنظرة شمولية من خلال تشجيع التعددية، واحترام الرأي والرأي الآخر، وعرض وجهات النظر المختلفة في مناخ من الاستقلالية والحرية المسئولة، بعيدًا عن الممارسات الإعلامية السلبية والشائعات المغرضة والحملات الدعائية المتبادلة مما يؤدي إلى مزيد من الدمار والفوضى والاضطراب والتشرذم وضياع المهمة التنويرية للإعلام كأداة فاعلة في تعزيز السّلم والمصالحة في المجتمعات؟!!