لم يعد ينحصر دور الإعلام خلال العقد الأخير في توعية الناس وعكس همومهم ونقل معاناتهم؛ بل انتقل إلى مرتبة السلطة الرابعة، وممارسة دور الرقيب على أداء النظم السياسية، والإسهام في التنمية والارتقاء بالمستوى الاقتصادي من خلال كشف مواطن الفساد والخلل، كما اُستخدم الإعلام كذلك كأداة من أدوات الحرب النفسية الموجهة للخصم والعدو.
ولم يُعهد يوم أن أصبح الإعلام أداة من أدوات التوتر الداخلي والعمل على نشر البلبلة، وتأجيج المشاعر وقلب الحقائق، وحجب وجهة النظر المخالفة، وتضخيم الصغائر، وتصغير المصائب، والتفنن في انتقاء الأخبار بما يتماشى مع مصلحة طرف على حساب طرف آخر، دون أي اعتبار لأبسط قواعد العمل الصحفي القائم على أساس الدقة والموضوعية والحياد، كل ذلك وأكثر أصبح اليوم متجسدًا في فضائية (فلسطين).
البداية والآمال
تأسَّس تليفزيون (فلسطين) عام 1993م عقب توقيع اتفاقية "أوسلو" بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، ومن ثم تمَّ انطلاق بث الفضائية بتاريخ 1/7/1998م، وقد عُين في حينه "هشام مكي" أول رئيس للتليفزيون.
عقد كثير من المواطنين الفلسطينيين بمختلف توجهاتهم ومشاربهم الفكرية والسياسية الآمال على هذه الانطلاقة، على اعتبار أنها المرة الأولى التي يكون فيها للفلسطينيين شاشة يلتفون حولها، على أمل أن تمثل الفلسطيني المقاوم والمكافح للاحتلال والصامد فوق أرضه في وجه محتل غاشم؛ دون تحيز لأي طرف فلسطيني أو انتماء سياسي.
تحطمت كل تلك التطلعات بعد عدة سنوات من انطلاق الفضائية؛ حيث ما لبثت أن تحوَّلت الفضائية إلى بوق لحركة فتح والرئاسة، بدلاً من أن تكون ممثلاً للكل الفلسطيني بمختلف تنظيماته ومشاربه الفكرية، ففي ذكرى انطلاقة فتح مثلاً؛ تزين الأعلام الفتحاوية مبنى المحطة، ويستنفر جميع العاملين في الفضائية لتغطية هذه الفعالية الفتحاوية المحضة، كما لم تكلف المحطة نفسها عناء عرض وجهة النظر المخالفة، وحتى في البرامج المباشرة يحاول مقدم البرنامج أن يقطع كل وجهة نظر مخالفة، ويقوم بالتشويش على المتحدث.
ولكي تحافظ فتح على هذا المنبر الترويجي وبعد نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أفرزت فوز حركة حماس، أصدر محمود عباس قرارًا بنقل الإشراف على المحطة من وزارة الإعلام إلى هيئة الإذاعة والتليفزيون التابعة لمنظمة التحرير؛ ليقطع الطريق في حينه على حركة حماس من تولي مسئولياتها الحكومية من حيث الإشراف والمتابعة.
أفلام أبيض وأسود
![]() |
كما غزت المسلسلات والأفلام المصرية القديمة ليالي تليفزيون فلسطين، وظهرت البرامج التافهة التي تظهر الشباب والفتيات وهم يتراقصون ويتمايلون؛ بحجة تبني المواهب الشابة، كما أصبحت عروض الأزياء والأغاني الهابطة سلعة رائجة على شاشة الفضائية.
هذا على مستوى المضمون، أما من حيث الشكل فيعاني تليفزيون فلسطين الكثير من المشاكل الفنية كالرداءة في الصوت والصورة، وسوء في الإخراج، وضعف في الديكورات والمونتاج.
لم تكن الميزانية في يوم من الأيام هي العائق في وجه تقدم الفضائية وتحسن أدائها الإعلامي، ولكن عانى تليفزيون فلسطين كغيره من مؤسسات السلطة من الفساد الإداري والمالي، والتضخم الوظيفي وتصارع الصلاحيات وتضارب التوجهات؛ ما أوجد حالة من الإرباك والاشتباك في أوساط العاملين في الفضائية الذين تحولوا إلى جبهات متنافرة فيما بينهم، كما أدَّى إلى خلق صراع بين الأجنحة المختلفة داخل الفضائية، فليس غريبًا مثلاً أن تسمع أن فلانًا الموظف في الفضائية هو من جماعة المسئول الفتحاوي (فلان)، وذاك هو من جماعة (علان) الخصم للتيار الأول.
فساد مستشرٍ
ولا يتم تعيين أي موظف داخل الفضائية إلا بعد إجراء المسح الأمني، والتأكد من ولائه التنظيمي لفتح، بغض النظر عن الكفاءة والأحقية، وبخصوص التخصص؛ فيكفي الإشارة إلى أن أكثر من 60% من موظفين الفضائية لم يدرسوا الصحافة والإعلام، ونسبة كبيرة منهم لا يحملون شهادات جامعية.
وليس أدل على حجم الفساد المالي المستشري في جسد الفضائية من أن مديرها الأول "هشام مكي" قُتل على أيدي عناصر مسلحة من حركة فتح عام 2001م؛ لاتهامه بسرقة واختلاس الملايين المخصصة لميزانية الفضائية.
كما أصبح تليفزيون فلسطين جزءًا لا يتجزأ من الحملة الإعلامية التحريضية التي تستهدف الإساءة إلى حركة حماس، وتشويه صورتها ومواقفها في أعين الجماهير الفلسطينية، ففي كثير من المواقف تبنت الفضائية روايات ناقصة ومضللة لمجرد أنها تقدح في حركة حماس، وليس أدل على ذلك وقوفها مؤخرًا إلى جانب الإعلام المصري الرسمي في تبني روايته حول أحداث رفح التي استشهد خلالها جندي مصري، وأُصيب أكثر من 50 فلسطينيًّا بالرصاص.
بديل لم يرَ النور
اعترف كثير من المراقبين بل الفتحاويون منهم بضعف الفضائية، وتحولها إلى قطعة (كيك) مقسمة بين العديد من التيارات المتنافرة داخل حركة فتح والسلطة؛ وهو ما دفعهم لإنشاء فضائية خاصة بحركة فتح عرفت بـ(الفلسطينية)؛ ولكنها ما لبثت هي الأخرى أن فشلت قبل انطلاقتها، وأعلن عن إغلاقها بعد عدة أسابيع من انطلاق بثها التجريبي؛ اعتبر العديد من المراقبين إغلاق (الفلسطينية) دليلاً على عمق الأزمة الإعلامية التي تعاني منها فتح، بالرغم من الملايين التي ترصدها لتحسين صورتها أمام الجمهور الفلسطيني، وبدلاً من أن تعترف حركة فتح والسلطة بأخطائها وسوء إدارتها لوسائلها الإعلامية، غالبًا ما تكيل الاتهام لفضائية (الجزيرة) بالتحيز لحركة حماس، وتعمد تشويه صورة فتح والسلطة.
إن من حق المشاهد الفلسطيني أن يتابع فضائية تمثله وتتبنى تطلعاته وآماله؛ فهو الممول الذي يدفع الأموال لتلك الفضائية من خلال الضرائب التي يدفعها للسلطة التي تقوم بدورها بتحويلها إلى وزارة الإعلام.
لا يمكن لأحد أن يعترض على حق حركة فتح بإنشاء فضائية خاصة بها، شريطة أن تكون تلك الفضائية من أموال الحركة الخاصة، إن فتح جعلت من الفضائية مطية لتبرير أفكارها والترويج لها، وأصبح حالها كحال الموظف الذي يستخدم المركبة الحكومية لأغراض شخصية خارج ساعات الدوام الرسمي.
على تليفزيون (فلسطين) أن يحترم الاسم الذي يحمله؛ حتى يكون بالفعل تليفزيون فلسطين، أو أن يعمل على تغيير اسمه، بعد أن فقد كثير من المواطنين الأمل في تغيير نهجه وخطه.
