ما شهدته قرية كورو كراما في محيط مدينة جوس النيجيرية من مذابح ضد المسلمين لم يكن إلا حلقة في مسلسل تنفيذ مخطط غربي صهيوني تقوده حركات "التبشير" المسيحية لإبادة المسلمين في نيجيريا.
جريمة بشعة بشكل واضح؛ حيث قام جماعة من المسيحيين المسلحين بقتل ما يقرب من 500 مسلم في عدة أيام، وألقوا جثثهم في عدد من الآبار ومصارف الصرف الصحي، وأحرقوا أعدادًا منهم أحياءً في بيوتهم وفي عدد من مساجد القرية، وهو ما أدَّى إلى نزوح حوالي 18 ألفًا من المسلمين ليسكنوا مخيمات في الخلاء هربًا من ملاحقة المسيحيين لهم.
المواجهات اندلعت بسبب اعتراض المسيحيين على بناء مسجد في حي نصراوا جون، وهو حي ذو غالبية مسيحية، وتقع مدينة جوس في القطاع الأوسط بين الأقاليم الشمالية ذات الغالبية المسلمة والجنوبية ذات الغالبية المسيحية.
وامتدَّت الاشتباكات إلى البلدات المحيطة، بينما أرسلت السلطات الفيدرالية قوات الجيش بكثافة إلى المدينة المنكوبة فيما نُقل ما يقرب من 800 مصاب إلى المستشفيات القريبة.
وفي تصريحات لنائب الرئيس جودلاك جوناثان المسيحي، والذي يتولى مهام الرئيس الفيدرالي عمر يار أدوا أثناء تلقيه العلاج حاليًا بالسعودية، وعد بأن تلاحق السلطات المسئولين عن أعمال العنف، وسط اتهامات له بالوقوف إلى جانب المسيحيين.
![]() |
|
مقابر جماعية لضحايا المجازر في نيجيريا |
وتعدُّ نيجيريا كبرى الدول الإفريقية من حيث تعداد السكان؛ حيث يصل عدد سكانها إلى حوالي 125 مليون نسمة، يشكِّل المسلمون أكثر من 55% منهم، ويقطن معظمهم في شمال البلاد؛ حيث يشكِّلون الغالبية بينما يشكِّل المسيحيون حوالي 40% يقطن معظمهم في الجنوب وتوجد أقلية وثنية لا تتعدى 2%.
وتتفاقم الأزمات بين المسلمين والمسيحيين في الجنوب ذي الغالبية المسيحية والذي تنشط فيه الحركات "التبشيرية" كما لم تنشط من قبل في القارة السمراء والتي تحظى بدعم منظمات دولية لها مراكز قوى في مؤسسات صناعة السياسات الخارجية للدول الغربية.
وقد أشار إلى هذا داود عمران ملاسا الرئيس العام لجماعة تعاون المسلمين الذين يمثلون إخوان نيجيريا؛ حيث دعا في أكثر من مناسبة إلى ضرورة الانتباه إلى المؤامرة الخارجية، التي تهدف إلى تدمير السلام في نيجيريا ودعم مخططات الانفصال والتقسيم؛ حيث يتبين هنا التقاء المصالح الاستعمارية الغربية مع حركات "التبشير" المسيحية والحركة الصهيونية العالمية التي ترى في كل ما هو مسلم خطرًا على الكيان الصهيوني، وهذا ما يراه قادة الكيان من تعاطف وتآزر الإخوة المسلمين في نيجيريا وكافة أنحاء العالم مع القضية الفلسطينية، وجمع التبرعات لإخوانهم المحاصرين في قطاع غزة.
أصابع واشنطن
وتنجح واشنطن في استغلال حربها على ما تسميه "الإرهاب" للتدخل في دول العالم الإسلامي، واستطاعت من خلال الترويج لحادثة مثل محاولة تفجير طائرة ديترويت الربط بين تنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان وبين تنظيم القاعدة في اليمن، وكان وجود النيجيري عمر فاروق لازمًا لاحتضان أمريكا للعالم الإسلامي من كراتشي على ساحل المحيط الهندي إلى لاجوس على الساحل الأطلسي، فمن يضمن لواشنطن أن نيجيريا خالية من عناصر تنظيم القاعدة الذي حاول أحد أفراده النيجيريين تفجير طائرة ديترويت.
وهذا ما سعى إلى تنفيذه الأمين العام للرابطة المسيحية النيجيرية القس سيدو دوجو، عندما أكد وجود معسكرات تدريب للقاعدة في كل أنحاء نيجيريا.
ورغم انتقاد جماعة تعاون المسلمين لهذه التصريحات فإن ذلك لن يُطمئن واشنطن بالتأكيد وسيحتاج الأمر إلى ما هو أكثر من ذلك على الأقل من وجهة نظر جهاز المخابرات المركزية الأمريكية الـ"سي آي إيه"، والذي قال عمران ملاسا رئيس الجماعة إنه على علاقة وثيقة بكنائس نيجيرية وإن هذه الكنائس تلقَى كل أشكال الدعم منه ومن العديد من أجهزة المخابرات.
ورغم وجود بعض هذه الكنائس في شمال البلاد ذات الغالبية المسلمة فإن الكثير منها يتخذ من الجنوب حصنًا حيث الغالبية المسيحية وانتشار حركات "التبشير"؛ حيث يسيطر المسيحيون على جميع الشركات والمؤسسات المالية الحكومية في الجنوب، أما الشركات الغربية فهم الموظفون ويصعب على أي مسلم أن يحصل على الوظيفة في هذه الشركات باسمه الإسلامي إلا إذا تنصر، كما يسيطر المسيحيون على البنوك الحكومية وغير الحكومية.
كما أن المسيحيين يسيطرون على الكثير من المدارس الابتدائية والإعدادية والجامعات، بالإضافة إلى سيطرتهم شبه الكاملة على وسائل الإعلام المختلفة؛ حيث يمتلكون العديد من مراكز البث الإذاعي والتليفزيوني بالإضافة إلى الصحف والمجلات.
أعمال عنف واشتباكات طائفية في نيجيريا أودت بحياة العشرات
لكنَّ جماعة تعاون المسلمين نجحت في تأسيس أول مركز إسلامي إعلامي باسم مركز القدس لنشر الكتب والوسائط المتعددة الإسلامية وتدريب المسلمين على استخدام الحاسب الآلي وتحفيظ القرآن وغيرها من الأنشطة المتعددة التي تصب في خدمة المسلمين.

وتعمل حركات "التبشير" مدعومةً من أجهزة سياسية واستخبارية غربية بالإضافة إلى الموساد على تحويل نيجيريا إلى المسيحية وإلى تقسيمها إلى ثلاث دويلات: الأولى هي أريوا في الشمال، والثانية هي بيافرا (قبيلة ايبو)، والثالثة أودودوا (قبيلة اورويا)، كما تعمل على استنزاف موارد البلاد لصالح الشركات الغربية وإضعاف المسلمين واستنزافهم كجزء من مخطط إعادة تقسيم العالم الإسلامي وتأمين الكيان الصهيوني وتوسيع نفوذه واستنزافه لموارد العالم الإسلامي.
وطبقًا لهذا المخطط تشكَّلت عدة حركات وميليشيا مسلحة لهذه الأغراض، على رأسها الحركة الانفصالية في قبيلة "أيبو"، والتي تسعى لتأسيس دولة بيافرا الصهيونية والتي تعتبر المسلمين عدوَّها الأول، وتحصل هذه الحركة على دعم مالي كبير من الكيان الصهيوني وكبار رجال السياسة والمال في الولايات المتحدة.
وحركة قبيلة يوروبا المتعصِّبة المسلحة والتي تدعو إلى إحياء عبادة الأوثان وتحارب تطبيق الشريعة الإسلامية في نيجيريا وتدعو إلى إقامة دولة منفصلة لقبيلة يوروبا وقامت هذه الحركة بانتهاكات كثيرة ضد المسلمين في الجنوب، بالإضافة إلى حركة جيش المسيح المسلَّحة والتي تعتبر أقوى الحركات المسلحة في الجنوب وتحتفظ بأسلحة متطورة ودبابات وصواريخ وتتلقَّى دعمًا ماليًّا كبيرًا من الكنائس النيجيرية وكبار رجال المال المسيحيين في الغرب.
كل ذلك يحدث في ظل غفلة من المليار ونصف المليار مسلم في أرجاء الأرض، وفي ظل تحالف حكام الدول المسلمة مع حكومات الغرب والكيان الصهيوني، وفي ظل غفلة الشعوب المسلمة التي لا يبدو أنها ستستفيق إلا بعد فوات الأوان.
