أعلنت الولايات المتحدة أن مساعدتها لهاييتي ستستمر طويلاً، واعتبرت على لسان سفيرتها الأممية "سوزان رايس" أن اتفاقها مع الأمم المتحدة على استمرار التعاون لفترات طويلة؛ لكن دولاً كفنزويلا وبوليفيا ونيكاراجوا شكَّكت في مهمة الجيش الأمريكي، واتهمته بالشروع في احتلال هاييتي بذريعة إنقاذها؛ خاصةً أن القوات الأمريكية بلغ عددها (20.000) عشرين ألف جندي، وهم لا يرتدون "الخوذات" الزرقاء الخاصة بالأمم المتحدة، ولكنهم يعملون تحت قيادة بلادهم مباشرة.
وحتى نتبين الحقيقة لا بد من سرد الحكاية من الأول، فعندما طلبت أمريكا من المواطنين "الفلبينيين" تقديم المساعدة لهم في قتالهم مع الأسبان- الذين كانوا يحتلون الفلبين- في بداية القرن العشرين، مقابل وعدهم بالاستقلال، وبمجرد مغادرة الأسبان انضمت الحركة الوطنية كلها لأمريكا في القتال ضد الأسبان حتى انتصرت أمريكا، فكان جزاؤهم جزاء "سنمار"، فقد حنث الأمريكيون بوعدهم، واحتلوا الفلبين، ولم يغادروها إلا بداية القرن الحادي والعشرين (قرابة المائة عام)، هذا عندما طلبت أمريكا المساعدة؛ فكيف عندما يُطلب منها المساعدة؟!
هاييتي.. جزيرة مستقلة في البحر الكاريبي، تلاصقها من الشرق جمهورية الدومينكان، وتقع غربها جزيرة كوبا، وهي عضو في منظمة الدول الأمريكية، تعاقبَ على هاييتي عدد من الأنظمة الديكتاتورية خلال القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين، أفلست هاييتي ووافقت على خضوعها للحراسة الأمريكية من 1905 وحتى 1941م.
![]() |
|
الديكتاتور "فرانسو دوفلييه" |
وعندما دمَّر إعصار "آلن" هاييتي عام 1980م، وحدثت اضطرابات شديدة فرَّ على إثرها الرئيس "جان دوفلييه" على متن طائرة تابعة لسلاح الجو الأمريكي، وكان ذلك في 7 فبراير 1986م، وبذلك انتهت ديكتاتورية أسرة "دوفلييه" التي استمرت 28 عامًا.
وفي انتخابات 1990م تمَّ انتخاب القس الكاثوليكي "إرسيتيد" لرئاسة البلاد بدعم أمريكي، لكن العسكريين بقيادة العميد "راؤول" ألقوا القبض عليه في 1991م، وطردوه من البلاد، حاولت أمريكا إعادة "إرسيتيد" إلى الحكم، ولكن الجيش أرغم مجلس الأمة على إسقاطه رسميًّا، ففرضت أمريكا حصارًا اقتصاديًّا على هاييتي؛ ما أدى إلى تدهور اقتصادها وانهياره، وقامت بدفع الأمم المتحدة لفرض حظر بترولي ومالي وتسليحي على هاييتي، واشتركت في تطبيقه معظم دول العالم.
وفي عام 1994م، صرَّح مجلس الأمن بغزو هاييتي بتوجيه أمريكي عن طريق القوات المتعددة الجنسيات، وبينما كانت القوات الأمريكية في طريقها إلى هاييتي وقَّع العسكر على اتفاق يقضي بتركهم الحكم على أن يعود "إرسيتيد"، ونزلت القوات الأمريكية إلى أرض هاييتي كجزء من قوات دولية عام 1995م، وعاد "إرسيتيد" إلى الحكم على أسنَّة الرماح الأمريكية.
والآن وبعد أن ضرب الزلزال هاييتي وراح ضحيته الآلاف المؤلفة من البشر والممتلكات، وبعد أن حلَّت الكارثة التي روَّعت العالم بأسره لم تشعر أمريكا بالشفقة ولا العطف؛ لأنها لا تعرف العواطف ولا تعرف الإنسانية، ولا تعرف الوفاء، إنما تعرف مصالحها فقط، ومن ثم عادت القوات الأمريكية مرة أخرى تحت ستار المساعدات وبقوات عسكرية بلغت الـ(20.000) جندي.
فماذا تريد أمريكا وما حقيقة مساعداتها؟.. هذا ما فهمته دول الجوار، والتي اكتوت بالنيران الأمريكية، وما زالت جراحها لم تندمل بدءًا بكوبا والفلبين ونيكاراجوا بل ومعظم دول العالم.
