"ذات صباح في سنة 2006م، حلّ انقلاب في حياة جندي من سلاح المشاة الصهيوني، لم يتجاوز عمره الحادية والعشرين عامًا؛ إذ وقع في أسر خلية عسكرية من حركة حماس، مكثت تتدرَّب على عملية أسره عدة أشهر، ونجحت في التسلل إلى موقع عسكري في معبر كرم أبو سالم على الحدود مع قطاع غزة، وبعد إدارة اشتباك عسكري مسلح، وإطلاق نار كثيف، نجح اثنان من أفراد الخلية في اقتياد "جلعاد شاليط" وتكبيله، وسحبه إلى داخل قطاع غزة".

 

بهذه المقدمة، يبدأ الصحفي "سليمان الشافعي" سطور كتابه المعنون بـ"الأسير.. نظرة من غزة"، الكتاب الأول من نوعه الصادر في الكيان الصهيوني أواخر سنة 2009م، ويتناول قضية الجندي الصهيوني الأسير لدى حركة حماس، بعد مرور ما يزيد عن ألف يوم على أسره في قطاع غزة.

 

يكتسب الكتاب أهميته من عدة أمور مهمة:

- أولها: أن المؤلف الشافعي يعمل مراسلاً ميدانيًّا للقناة التليفزيونية الصهيونية (الثانية) منذ عدة سنوات، وهو بالتالي مراقب دقيق لمجريات الوضع في غزة.

- ثانيها: أن الكتاب يصدر في وقت يشتد الحديث فيه عن صفقة التبادل المتوقعة بين الصهاينة وحركة حماس، وبموجبها قد يرى "شاليط" النور مقابل الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين.

- إلى جانب ما تقدَّم، يشير مؤلف الكتاب إلى أنه جمع إفادات وشهادات من عدد من قيادات حماس وكوادرها، ومن مصادر أجنبية أخرى، وهي أطراف راقبت عن كثب التفاصيل الدقيقة التي واكبت أسر الجندي منذ يوم اختطافه، وكانت لها بعض الصلات مع آسريه.

- كما يحتل الكتاب أهمية إضافية؛ لكونه يكشف النقاب عن طبيعة عملية الأسر التي تمت، من النواحي الميدانية والتقنية، وما يدور من نقاشات داخل حماس حول الأسر، والصراع الحقيقي الذي أدارته حماس مع السلطة الفلسطينية، بما كان سيؤثر حتمًا على مصير الجندي داخل غزة، والمفاوضات التي جرت منذ اللحظة الأولى من أجل إطلاق سراحه.

 

ويرى المؤلف أن حركة حماس تنظر للجندي شاليط على أنه "كنز إستراتيجي"، سيمنحها في حال إبرام الصفقة المأمولة أهمية شعبية ورصيدًا جماهيريًّا أكثر من أي أمر آخر.

 

ويتحدث الكتاب عن بقاء شاليط طوال السنوات الثلاثة الماضية في مخبأ تحت الأرض مكون من عدة طوابق، ويُحاط مكانه بسرية فائقة، كما أنه واجه معاناة كبيرة خلال أسره؛ لعل أهمها إصابته بيده، وعلاجه بطريقة سرية ومتكتمة، بحيث لم ترسل حماس له طبيبًا معروفًا ماهرًا؛ خوفًا من اكتشاف الأمر.

 

الغريب أن الكتاب يكشف النقاب عن أمور جديدة، لا يعرف مدى دقتها أو حقيقتها، ومنها أن شاليط رفض في بداية أسره تناول الطعام؛ ما اضطر آسريه لإجباره على تناول الماء المملح، واحتاج لتناول أقراص مهدئة في بداية الأمر، كما واجه عدة أزمات نفسية خلال فترة أسره؛ لكنه سرعان ما تعافى بعد مرور بعض الوقت.

 

دعاية "حمساوية"

يقرّ المؤلف، وهو الذي تربطه علاقات وثيقة الصلة بالمؤسسة الصهيونية، أن تل أبيب بذلت جهودًا أمنيةً استخباريةً وعسكريةً "مضنية" للعثور على الجندي، بما فيها الوسائل التقنية الإلكترونية الدقيقة، إلى جانب تشغيل عدد هائل من العملاء، ووصل الأمر بها إلى أن تعلن عن منح جائزة تُقدر بقيمة عشرة ملايين دولار لكل من يدل على مكان أسر الجندي، ومع ذلك، فلم يكن لكل هذه المغريات أي أثر أو جدوى.

 

يُظهر الكتاب أن المؤلف أول من يظهر تفاصيل دقيقة يعرفها القارئ الصهيوني عن حادثة الأسر، ويكشف للصهاينة التسجيل الذي أصدره الآسرون بصوت شاليط لأول مرة، في ضوء أنه يمتلك مصادر وثيقة ومطلعة في قطاع غزة.

 

الجدير بالذكر، أن الكتاب قد لاقى رواجًا منقطع النظير، وهو الصادر عن أكبر دار نشر في الكيان الصهيوني، وقد توجه محرر الكتاب إلى عائلة شاليط، لتسليمهم النسخة الأولى منه، بعد أخذ الموافقة منهم على نشره، إلا أن الغريب أن نخبة غير قليلة من الأوساط الثقافية والسياسية الصهيونية رأت في الكتاب دعاية "حمساوية" ذكية؛ لأنه يأتي في إطار الحملة الإعلامية التي درجت حماس على شنها وترتيبها منذ اليوم الأول لأسر جلعاد؛ للتأثير على الرأي العام الصهيوني ضد حكومته، وذهب آخرون إلى اتهام المؤلف بـ"الخيانة"، وتقديم خدمات لحركة حماس.

 

كما اتهمت أوساط أخرى المؤلف بالاستناد في تأليف كتابه على معلومات وتسريبات مقرّبة وموثوقة من حركة حماس وآسري الجندي، ونجاحها بالتالي في الدخول إلى قلب النقاش الفكري والسياسي الحاصل في الكيان الصهيوني حول مصيره، والضغط على الحكومة للمضي قُدمًا في إبرام الصفقة المأمولة، حتى لو كانت مقابل دفع ثمن باهظ ثقيل على نفوس الصهاينة؛ لا سيما وأن الكتاب يقدِّم صورة مغايرة لظروف الأسر التي يعيشها شاليط بأيدي حماس، بعكس ما تروجه المؤسسة الصهيونية، السياسية والأمنية، عما يلاقيه من إهانة وإذلال، فهو يزود القارئ بمعلومات تُنشر لأول مرة عن أوضاع وظروف جيدة بالقياس لما يواجهه الأسرى الفلسطينيون في سجون الكيان الصهيوني.

 

الثمن المكلف

كتاب الشافعي يصدر بالتزامن مع كتاب آخر لمؤلف صهيوني يهتم بالشئون الأمنية والإستراتيجية هو الدكتور رونين بروغمان بعنوان "إسرائيل والمعركة السرية حول الأسرى والمفقودين"، وهو يقدم سردًا تاريخيًّا وافيًا لأبرز صفقات التبادل التي أجرتها تل أبيب مع عدد من المنظمات الفلسطينية واللبنانية لاستعادة جنودها الأسرى، وربما يرمي الكاتب من ذلك إلى محاولة التأثير على الرأي العام الصهيوني؛ لمحاولة المضي قدمًا في إبرام الصفقة الحالية لاستعادة شاليط.

 

ومن أهم هذه الصفقات كما أوردها بروغمان:

- في 1/1/1970م أسرت حركة فتح الجندي الصهيوني شموئيل روزينفيسر، وكان يعمل حارسًا ليليًّا في "مستوطنة مطولا"، وبعد مرور 14 شهرًا تمّ إجراء صفقة التبادل، وتمّ الإفراج عن الأسير الفلسطيني محمود حجازي مقابل استعادة الجندي.

- في 14/3/1979م أطلقت منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، سراح الجندي الصهيوني أبراهام عميرام، مقابل الإفراج عن 76 أسيرًا فلسطينيًّا، من بينهم 20 أسيرًا "دم على أيديهم"، حسب التصنيف الصهيوني.

- في 22/5/1985م جرت صفقة التبادل الأكثر شهرة مع أحمد جبريل، وتمَّ إطلاق سراح 1150 أسيرًا فلسطينيًّا؛ بينهم الشيخ أحمد ياسين زعيم ومؤسس حركة حماس، مقابل استعادة ثلاثة جنود صهاينة.

- في يناير 2004م أطلق الكيان الصهيوني سراح 364 أسيرًا فلسطينيًّا، مقابل استعادة أحد ضباط الموساد السابقين إلحنان تننباوم الذي اختطفه حزب الله.

 

يرى بروغمان بأن المشكلة التي تواجه الكيان الصهيوني في إطلاق سراح أسرى فلسطينيين "على أيديهم دم" تتمثل في تنامي خطرهم بعد الإفراج عنهم؛ لأنهم سيعودون حتمًا إلى الطريق ذاته الذي دخلوا السجن من أجله، وهو المسّ بصهاينة ومحاولة قتلهم، وربما هذه أحد أهم الأسباب التي تدفع بجهاز "الشاباك" لمعارضة إطلاق سراحهم.

 

ويستشهد بروغمان على مزاعمه بالقول إنه من بين الـ364 أسيرًا فلسطينيًّا أُطلق سراحهم في صفقة "تننباوم"، أُعيد اعتقال 30% منهم من جديد؛ لتورطهم بأعمال عدائية ضدّ الصهاينة مرة ثانية، ومن بين 238 أسيرًا فلسطينيًّا أُطلق سراحهم في إحدى صفقات أحمد جبريل، اعتقل 48% منهم ثانيةً.

 

شهادات حية

لعل ما فاجأ الصهاينة في أمر الكتاب، أنه فور صدوره قررت إدارة (القناة الثانية) في التليفزيون الصهيوني فصله من عمله؛ لأنه لم يستأذن القناة في نشره، فيما تتهم أوساط أخرى أن قرار الفصل جاء بعد أن احتوى الكتاب معلومات تُنشر لأول مرة حول تفاصيل عملية أسر شاليط، وبعض الجوانب الشخصية والمعيشية، والظروف النفسية، والأوضاع الصحية، التي يتمتع بها شاليط في أسر حماس، وهو ما قد يضرّ بالإجراءات الأمنية التي تسعى أجهزة الأمن الصهيونية للتكتم عليها.

 

أكثر من ذلك، أن المؤلف يبقي على التكتم على مصادره التي زودته بهذه المعلومات، من بعض كوادر حماس في غزة ورفح والقاهرة وعدد من العواصم العربية.

 

والمطالع لصفحات الكتاب يشعر كما لو كان الشافعي داخل الغرفة التي يحتجز فيها شاليط، والتفاصيل الدقيقة الواردة فيه تُظهر أن آسري الجندي بأنفسهم هم من تحدَّثوا إليه، مع التأكيد على أن المؤلف ذاته يشير إلى أن حراس شاليط، والقائمين على إخفائه، يعيشون بمعزل عن العالم الخارجي، ومنقطعون عن كل ما يتصل بما هو خارج غرفة الاحتجاز.

 

ومما ورد في الكتاب في صفحة (45): "في أول لحظات احتجازه، كان شاليط مصابًا في يده، وهناك خدوش في جلده، علاوةً على أن وضعه النفسي حينها كان في غاية السوء، وكل عدة ساعات كان يُصاب بحالة هلع ورعب، واعتاد على الصراخ بأعلى صوته "أمي.. أمي.. دون إجابة".

 

وفي صفحة (77) يضيف المؤلف: "بعيدًا عن أي تهديدات شخصية مارسها الآسرون عليه، فقد تملَّك الخوف من الموت من سلوكيات وممارسات شاليط، وأخذ وضعه يزداد خطورة يومًا بعد يوم، وأخذت حالته الهستيرية تتطور رويدًا رويدًا، لدرجة جعلت آسريه يشعرون فعلاً بالخوف على حالته النفسية من الوصول إلى مرحلة لا يرتجى منها الشفاء".

 

ثم ينتقل الكاتب في صفحة (111) للقول: "في كل لحظة يفتح فيها باب غرفته الصغير، لإدخال الطعام والماء، كان ينفجر بالبكاء صارخًا بصورة هستيرية، ويرجو آسريه قائلاً: لا أريد الموت... لا أريد أن أموت".

 

يتلقى المؤلف شهادات صهيونية جادة بأن المعلومات التي أوردها في كتابه حول تفاصيل عملية الأسر كانت دقيقة وموثوقة، فيما يبدون بعض التشكك حول ما أورده من تفاصيل تنشر لأول مرة عن ظروف احتجاز الجندي، وكأنهم يغمزون بقناة أن تكون حركة حماس قد زوَّدته بهذه المعلومات، رغبةً منها في التأثير في عائلته؛ لممارسة مزيد من الضغوط على الحكومة الصهيونية لإبرام الصفقة معها.

 

يكشف الكتاب النقاب عن أن الكيان الصهيوني وضع أهدافًا غير معلنة لحربها الأخيرة على غزة؛ لعل من أهمها محاولة التخلص من شاليط عبر التعرف على مكان احتجازه، وتفجيره بمن فيه، مستندًا في ذلك إلى مصادر مطلعة لم يفصح عن هويتها، وهو ما أثار جدلاً صاخبًا في الكيان الصهيوني، واتهام الحكومة بالتفريط في حياة جنودها، بل وقتلهم، بدلاً من محاولة تخليصهم ودفع الثمن لذلك، حتى لو كان باهظًا ومؤلمًا.

 ----------

 * ينشر بالاتفاق مع مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.