على الرغم من أن زيارة القيادي الفتحاوي نبيل شعث إلى قطاع غزة، مثلت بارقة أمل في طريق المصالحة الفلسطينية الذي واجه خلال الشهور الماضية عراقيل وعقبات كثيرة، حالت بينه وبين إنهاء الخلافات المتصاعدة بين حركتي فتح وحماس، إلا أن تصريحات الرئيس المنتهية ولايته أبو مازن في القاهرة من شأنها أن تقضي على تلك الأجواء الإيجابية التي تشهدها الساحة الفلسطينية حاليًّا؛ حيث حمل الرئيس أبو مازن كثيرًا على حركة المقاومة الإسلامية حماس، محملاً إياها مسئولية الانتكاسة التي تشهدها عملية المصالحة الفلسطينية وعملية السلام في المنطقة، بدلاً من الإشادة بالتقدم الذي أحرزته زيارة شعث للقطاع، والترحيب الذي قُوبل به من قِبل قيادات حركة حماس وفصائل المقاومة هناك، وتأكيدهم أن زيارته تؤشر لإمكانية حدوث انفراجة تنهي القطيعة بين الحركتين.
ولكن يبدو أن الرئيس أبو مازن لا يريد أن يستثير الولايات المتحدة ولا الكيان الصهيوني اللتين لا تريدان توافقًا فلسطينيًّا ما لم تعترف حركة حماس بشروط الرباعية الدولية الخاصة بعملية السلام، والاعتراف بالكيان الصهيوني، وإنهاء المقاومة، وغيرها من الشروط التي يفرضها عليها المجتمع الدولي؛ وذلك في محاولة منهم لاستغلال الحصار المفروض على القطاع، والذي وصل لذروته إثر قيام مصر ببناء الجدار الفولاذي في المنطقة الفاصلة بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية؛ حيث يعتقدون بأن الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة، لن يمكنها الاستمرار في السيطرة على القطاع لفترة طويلة؛ ما سيحتم عليها الرضوخ في النهاية للإملاءات الأمريكية والصهيونية.
خطوة إيجابية
في الواقع تمثِّل زيارة شعث، وما ترتب عليها من مطالبات وتوافقات؛ خطوة إيجابية في طريق المصالحة الفلسطينية، تستدعي البناء عليها، من خلال تنفيذ بعض النقاط؛ للتعبير عن الجدية والرغبة في إنهاء الانقسام الفلسطيني، والعودة مرة ثانية إلى التوافق حول الثوابت الوطنية.
هنية يصافح شعث خلال زيارته لقطاع غزة

ويأتي على رأس تلك النقاط إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف الحملات الإعلامية المتبادلة، وتفعيل المجلس التشريعي، وتشكيل لجنة مشتركة لتشغيل معبر رفح؛ لضمان فتحه بشكل دائم، وهي كلها أمور في متناول الأطراف الفلسطينية، وتعكس مدى الحرص على تحقيق المصالحة، وإعلاء الاعتبارات الوطنية فوق الولاءات الحزبية الضيقة، وجعل مصلحة الشعب الفلسطيني وقضاياه العادلة في مقدمة أولويات الفصائل والحركات الفلسطينية.
إلا أنه ورغم إيجابية الخطوة التي قام بها شعث، وانعكاساتها الطيبة على مختلف الأطراف الفلسطينية؛ فإن تصريحات الرئيس أبو مازن في القاهرة، والتي اتهم فيها حركة حماس بتعطيل اتفاق المصالحة الوطنية والتراجع عن توقيع الوثيقة المصرية؛ لأسباب تتعلق برغبة حماس في تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسة الفلسطينية إلى أجل غير مسمى، تمثل عودة مرة ثانية للمربع رقم واحد، وإشعالاً للحرب الإعلامية التي تدعو حركة حماس لوقفها، من أجل استعادة الحوار والتفاوض من جديد؛ حيث تشير تصريحات أبو مازن التي ألقاها أثناء حديثه مع قادة الصحف القومية والحزبية والمستقلة في مصر، إلى أنه لا يرغب في إنهاء الانقسام الحالي، ولا يسعى بجدية لتحقيق المصالح الفلسطينية العليا الخاصة بالوحدة الوطنية، باعتبار أنها السبيل للتصدي للهجمة الصهيونية على المقدسات الإسلامية، والحيلولة بين اليهود وبين الاستيلاء على البقية الباقية من أراضي الضفة الغربية من خلال المستوطنات التي تزداد انتشارًا يومًا بعد آخر، دون أن يملك أحدًا بما في ذلك الولايات المتحدة راعية عملية السلام القدرة على وقفها.
توتير الأجواء
من الملاحظ من خلال أحاديث أبو مازن في القاهرة أنه بدلاً من أن يعمل على تهدئة الأجواء والدعوة للجلوس على طاولة المفاوضات مرة ثانية مع حركة حماس؛ يسعى لإشعال نار الفتنة الداخلية من جديد، عن طريق تعمده تشويه صورة المقاومة الفلسطينية من جهة، وحركة حماس وقياداتها من جهة ثانية، وذلك من خلال تأكيداته الخاصة بأن قيادات حماس قد طلبوا التمديد للرئيس الفلسطيني مقابل التمديد لرئيس الوزراء إسماعيل هنية عشر سنوات كاملة، واستطراده بأن ذلك يمثِّل مخالفة للدستور والقانون، ويتعارض مع مسيرة الديمقراطية التي يرجوها الشعب الفلسطيني، وذلك بالمخالفة للوقائع التي تشير إلى أن قرار الرئيس أبو مازن بحل الحكومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس غير شرعي، فضلاً عن أن أبو مازن لم يعد يمثِّل الشعب الفلسطيني، بعد أن انتهت ولايته في يناير قبل الماضي، وهو ما يعني أنه رئيس غير شرعي.
محاولات لإعادة إعمار القطاع بعد مرور عام على العدوان الصهيوني

يُضاف إلى ذلك أن حركة حماس لم تعارض الانتخابات، وإنما اشترطت لها بعض الشروط، منها أن تستند هذه الانتخابات إلى برنامج انتخابي واضح، يتوافق عليه جميع الفصائل والحركات الفلسطينية، وأن يضمن لهذه الانتخابات إجراءات الحيادية والنزاهة، وأن تتم عملية إعادة إعمار قطاع غزة، بعد أن دمَّرته آلة الحرب الصهيونية خلال العدوان الهمجي على قطاع غزة في نهاية العام قبل الماضي، وكذلك رفع الحصار عن قطاع غزة.
والإفراج عن جميع المعتقلين، لا سيما وأن حركة فتح ما زالت تمارس الاعتقال السياسي؛ حيث تواصل اعتقال ما يزيد عن 1000 مواطن من أنصار حركة حماس في الضفة الغربية.
وإمعانًا في التشويه أكد أبو مازن في القاهرة أن حكومة إسماعيل هنية انقلبت على السلطة، وتسببت في التدهور والانقسام الحاليين، ليس هذا فحسب، بل ورفضت وثيقة المصالحة التي ترعاها القاهرة، وراحت بدلاً من ذلك تطالب بتدويل القضية حتى تهمِّش الدور المصري في المصالحة، إلا أن الموقف الذي اتخذته السلطة الوطنية أكد أن المصالحة جرت في القاهرة، وأن التوقيع يجب أن يكون في القاهرة أيضًا وليس في أي مكان آخر أو تحت أي رعاية أخرى.
وفي مقابل عمليات التشويه التي يقودها أبو مازن ضد حماس، نجده يقوم بحملة مضادة لتحسين صورته أمام رؤساء الصحف المصرية وأمام الشعب المصري والشعوب العربية؛ حيث حرص خلال حديثه في القاهرة على التأكيد أنه ليس مسئولاً عن تأجيل القرار بشأن تقرير "جولدستون"، وأن الحملة الإعلامية التي تعرَّض لها والاتهامات التي وُجِّهت له من قِبل الكيان الصهيوني ومن قِبل بعض وسائل الإعلام العربية باطلة ولا أساس لها من الصحة، كما أشار إلى كذب الاتهامات التي تعرَّض لها، وزعمت ملكية أبنائه لشركة الاتصالات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأضاف فيما يتعلق بقراره الخاص بوقف المقاومة الفلسطينية، أنه هو الذي شارك في قرار قيام الفلسطينيين بالكفاح المسلح في عام 1964م، إلا أنه أكد أن هذا الكفاح يجب أن يقود في النهاية إلى حل سلمي، خاصة مع الفارق الهائل في القدرات بين الفلسطينيين والصهاينة، وأن أي قرار بالكفاح المسلح الشامل يجب أن يكون قرارًا عربيًّا، وإلى أن يحدث ذلك فإنه يرفض إطلاق الصواريخ على "إسرائيل"، لما له من عواقب لا يتحملها الشعب الفلسطيني.
والحقيقة أن أبو مازن في دفاعه المستميت عن نفسه قد خالف حقائق ثابتة، أكدها قادة من حركة فتح، فضلاً عن العديد من سفراء الدول العربية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بل وأكدها الرئيس أبو مازن نفسه قبل أن يعود ويتراجع عنها، ومن ذلك قراره الخاص بتأجيل عرض تقرير "جولدستون" أمام الأمم المتحدة، ثم عدوله عن ذلك القرار بعد الهجمة الشرسة التي تعرَّض لها من قِبل الأنظمة والحكومات والشعوب العربية التي اتهمته بخيانة الشعب الفلسطيني؛ استجابة للإملاءات الأمريكية والصهيونية.
كما أنه وفيما يتعلق بعدم ملكية أحد أبنائه لشركة اتصالات في الأراضي الفلسطينية، فقد أشارت القناة الأولى الصهيونية إلى أن طارق محمود عباس هو أحد المساهمين في الشركة، مضيفة أن اسمه ذُكر في وثيقة الاتفاق التي قُدِّمت للجانب الصهيوني، ليس هذا فحسب، بل وتدخل الرئيس عباس شخصيًّا لدى رئيس الوزراء الصهيوني السابق أولمرت؛ من أجل أن تحصل الشركة على الترددات المطلوبة.
مواقف بنَّاءة
في مقابل موقف الرئيس الفلسطيني الرافض لإجراء المصالحة، والساعي لتعميق الانقسام الفلسطيني من خلال تصريحاته المستفزة في مصر، أكدت الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة أنها تعمل من أجل تعزيز الثقة وتهيئة الأجواء أمام المصالحة الفلسطينية، وذلك من خلال اتخاذ خطوات من شأنها خلق مناخات إيجابية وأجواء تطمئن الشعب الفلسطيني.
![]() |
|
طاهر النونو |
وعلى عكس تصريحات الرئيس أبو مازن التي أكد فيها أن زيارة شعث لغزة من أجل إعادة الأفراد الذين خرجوا من القطاع إليه مرة ثانية، وليس من أجل فتح حوار حول المصالحة، رحَّبت حركة حماس وحركات المقاومة والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة بزيارة شعث، وأكدوا أنها بداية طيبة لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وتلبية طموحات الشعب الفلسطيني الخاصة بالوحدة.
كما حرصت الحركة على عدم الرد على تصريحات أبو مازن في القاهرة؛ وذلك حتى لا تقطع بريق الأمل الذي لاح بعد زيارة شعث لغزة، وحتى تؤكد للعالم أجمع أنها تسعى للمصالحة، وأن الرئيس أبو مازن هو من يسعى لتعميق الانقسام الفلسطيني، مستغلاً الظرف الدولي الضاغط على قطاع غزة وعلى حكومة حماس؛ من أجل أن يفرض عليها شروطه وقراراته الخاصة بإنهاء سيطرتها على قطاع غزة، وإعادة سيطرة الشرطة الفلسطينية التابعة للسلطة مرة ثانية لإدارة أمور القطاع.
إن ما يقوم به أبو مازن في القاهرة كي يثبت براءته من التهم الموجهة إليه، في مقابل تشويه مواقف الآخرين، لا يضر فقط بحركة حماس وغيرها من حركات المقاومة، وإنما يضر بالرئيس أبو مازن نفسه وبالقضية الفلسطينية وبمستقبل الشعب الفلسطيني؛ لأنه بذلك يسعى لتعميق الانقسام الفلسطيني لصالح أطراف خارجية، تسعى جاهدةً لإبقاء الانقسام الفلسطيني على ما هو عليه وتعميقه أكثر وأكثر، حتى تبقى لها السيطرة والهيمنة على القرار الفلسطيني، وحتى تظل سياسة بناء المستوطنات وإملاء الشروط والقرارات مستمرة وعلى مرأى ومسمع من الجميع، فهل يعي الرئيس أبو مازن خطورة الوضع، ويعدِّل من خطاباته حفاظًا على الصالح العام، أم سيظل يتخبط في قراراته وأحاديثه حتى تضيع القضية وتضيع معها الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني؟!!.
