نفضت الجامعة الإسلامية غبار دمارها قبل أن تتلاشى رائحة البارود من مبانيها المدمرة وتسابقت مع الزمن؛ لتحتضن طلابها بعد فترة وجيزة من الحرب غير مكترثة لدمار المختبرات العلمية والهندسية، وتعاقدت مع الجامعات الفلسطينية ووزارة الصحة لتبدد مشاعر القلق التي تجول في أذهان الطلبة من عدم قدرتهم على صقل التجربة العملية التي تواكب سوق العمل.

 

ورغم المشقة التي يتكبدها الطلاب في التنقل بين مختبرات الجامعات البديلة، إلا أن روح التحدي والعزيمة بدَّدت محنتهم، فتعالوا على جراحهم لإكمال مشوارهم التعليمي.

 

وكانت الطائرات الحربية الصهيونية أغارت على الجامعة الإسلامية في الثامن والعشرين من ديسمبر 2008م، مستهدفة صرحًا علميًّا هامًّا في فلسطين؛ ليتحول مبنى المختبرات أثرًا بعد عين تجاوزت فيه قيمة الخسائر قرابة الـ15 مليون دولار، ولم يسلم مبنى المختبرات الهندسية الذي يضم 74 مختبرًا علميًّا وهندسيًّا مجهزةً بآلاف الأجهزة العلمية، لتشكل فاجعةً جديدةً للجامعة.

 

عزم لا يُقهر

يجلس الطالب حاتم عوض على كرسي خشبي يتسع لثلاثة طلاب في حديقة الجامعة الإسلامية بمدينة غزة قبالة مبنى المختبرات العلمية، ينقل بصره بين سطور كتاب في يده قبل أن يدخل إلى قاعات الامتحان، ثم يشرد بصره إلى حطام مبنى المختبرات المدمر، وأمله الوحيد أن يفتح عينيه ويرى إعمار المبنى قبل أن يتخرج في جامعته.

 

وينتاب عوض- الطالب في كلية العلوم بالفرقة الثانية- القلق أن ينهي دراسته الجامعية دون أن يصقل خبرته بالجانب العملي الذي يؤهله للانخراط في سوق العمل، ويقول عوض: "هناك أجهزة لم نتدرب عليها، وبالتالي فقدنا جزءًا مهمًّا من الخبرة العملية، مثل أجهزة الفيزياء الحديثة غير الموجودة في مختبرات الجامعة البديلة".

 

 الصورة غير متاحة

 المكتبة المركزية بالجامعة

ويعاني عوض معاناةً كبيرةً في التنقل بين الجامعتين، فكثير من المحاضرات تذهب سدى، ولا يستطيع المواءمة بين مواعيد المحاضرات في جامعته والتدريب العملي في الجامعات البديلة التي لا يجد فيها حضنًا دافئًا- كما يقول.

 

ولا توجد ثمة مقارنة بين الأجهزة الموجودة في الجامعات الأخرى وجامعته؛ لأن الأجهزة التي دُمرت حديثة تنمِّي الجانب العملي للطلبة بكل سهولة، ويضيف عوض أن الحقد الصهيوني الأعمى كان دافعًا لهدم المختبرات العلمية، ما زاد عزيمة الطلبة على مواصلة التعليم، مشيرًا إلى أن الجامعة تمكنت من توفير نسبة كبيرة من الأجهزة رغم الحصار والضيق.

 

وبدأت الجامعة الإسلامية مشوارها التعليمي في خيام؛ لأن الاحتلال الصهيوني كان رافضًا إقامة مبانيها، ومع مرور السنين تقدمت الجامعة، وحصدت جوائز عالمية، وارتقت على سُلم الجامعات الفلسطينية.

 

وواجهت الجامعة أعتى المحن تحت حكم الاحتلال لكنها شقت طريقها بإرادة وعزيمة لا تلين، وأصبحت كبرى جامعات فلسطين تحتضن أكثر من (20) ألف طالب وطالبة، وخرَّجت أكثر من (29) ألف خريج وخريجة.

 

واستفاد طلبة كلية العلوم من المشاريع البسيطة التي صنعها المعيدون، ورغم بساطتها إلا أنها كانت قادرة على توصيل المعلومة بشكل جيد إلى جانب الدراسة النظرية- كما يشير عوض إلى أن جامعته تمكنت من بناء مختبرات "قسم الأرض والبيئة"، والفيزياء في أماكن شاغرة من مباني الجامعة.

 

ويقول عوض: "إن الاحتلال الصهيوني كرَّس جرائمه السوداء، وأعاد للأذهان جرائم التتار في إحراق الكتب والمختبرات العلمية التي حصدت المرتبة الأولى على الجامعات العربية، مضيفًا بعزم "المعاناة كبيرة لكن لا نملك خيارًا إلا الصبر والمثابرة؛ لمواصلة المشوار التعليمي والتخرج".

 

ولا تختلف معاناة الطالب أحمد العشي كثيرًا عن سابقه، لكن ما وفرته الجامعة من أجهزة وبدائل بعثت الأمل والعزيمة في نفوس الطلاب، وعادت المياه إلى مجاريها- كما يقول العشي الطالب في كلية الهندسة بالفرقة الثالثة: "إن الاحتلال الصهيوني سعى للقضاء على نهضة وحضارة التميز العلمي الذي حققته الجامعة على مرور السنين، من خدمات علمية وهندسية لمختلف شرائح المجتمع الفلسطيني ومؤسساته.

 

ويضيف العشي أن مباني المختبرات كانت تضج بحركة الطلاب والطالبات، مشيرًا إلى أن عشرات الإبداعات والمشاريع وبراءات الاختراع التي من الممكن أن يستفيد منها طلبة الجامعة تدمَّرت بفعل القصف الصهيوني، بعد أن كانت أدوات للبحث للعلمي.

 

 ويأمل الطالب العشي أن تتوقف النكسات التي تعرضت لها الجامعة، وحاولت أن تنزع عنها تاج الفخر والنجاح الذي توشحت به عبر ثلاثين عامًا من العطاء، وأن تفتح المعابر لإعادة إعمار مباني مختبراتها المدمرة.

 

حل قريب

وأعلنت دائرة اللوازم والمشتريات بالجامعة الإسلامية على موقعها الإلكتروني عن طرح عطاء، لتوريد أجهزة لمختبرات كلية العلوم.

 

وقدَّر نائب رئيس العلاقات العامة بالجامعة الإسلامية حسام عايش حجم الخسائر التي تكبدتها بحوالي 15 مليون دولار، موضحًا أن نحو 4000 طالبٍ وطالبة إجمالي عدد المرتبطين بشكل مباشر بخدمات المبنيين خاصة من طلاب كليات العلوم والطب والهندسة.

 

 الصورة غير متاحة

جمال الخضري

وأشار إلى أن الجامعة توجهت بعد القصف مباشرةً إلى العديد من المؤسسات والجامعة المحيطة لتوفير البديل, مؤكدًا أنها استطاعت أن تتغلب على ما نسبته 90% من ذلك, كما جهزت بعض المباني في الجامعة بعدد لا بأس به من تلك الأجهزة.

 

بدوره, أكَّد رئيس مجلس أمناء الجامعة الإسلامية م. جمال الخضري أن الجامعة استطاعت توفير بعض الأجهزة والمختبرات العملية, مشيرًا إلى أنها تغلبت على الأزمة بشكل كبير، وهي بصدد إنهائها مع بداية الفصل الدراسي القادم.

 

وقال: "إن الجامعة احتلت المرتبة الأولى في التصنيف العالمي للجامعات الفلسطينية والرابعة عشرة على مستوى الجامعات العربية رغم الدمار, وتقدمت بأكثر من ألفي نقطة على الصعيد العالمي, مضيفًا: "هذا أكبر دليل ورد على بطش الاحتلال الصهيوني، وهي رسالة تحدٍ وإصرار بأن تباشر الجامعة عملها رغم ما حل بها من دمار".

 

وأشار إلى أن الاحتلال الصهيوني حاول من وراء القصف منع الجامعة من نشر رسالتها العلمية والاستمرار في طريق التطور التكنولوجي, مستدركًا: "لكن نقول إن رسالتنا هي رسالة للاستمرار في العملية الأكاديمية والتعليمية في نشر مبادئ الإسلام العظيم، والاستمرار في حب الوطن وبناء الشخصية القيادية".

 

محن كثيرة تعرضت لها الجامعة الإسلامية خلال السنوات القليلة الماضية منها من كان على يد ذي القربي، وأخرى بصواريخ الاحتلال، إلا أن تلك المساعي فشلت في قتل الروح المعنوية لطلاب الجامعة والعاملين فيها، فكان التحدي والإصرار عنوانًا بارزًا لمواجهة تلك المؤامرة.