من بين غبار أربع سنوات قضاها المجلس التشريعي في الضفة الغربية معطلاً عن أي قرار يُذكر، نحاول أن نستجمع شيئًا من آمال محطمة كانت وبقيت كما كانت دون أن تثمر رغم المحاولات، فأبواب المجلس ما زالت موصدة بفعل فاعل أو لنقل فاعلين، يتناوبون على تجميد الدم في عروق ذلك المجلس الذي من المفترض أن ينبض بالحياة.

 

نواب وقانونيون يتعاقبون تباعًا في تقريرنا يحاولون تقديم تفسيرات منطقية لحالة الموت السريري الذي دخل بها المجلس التشريعي في الضفة الغربية منذ أربع أعوام مضت، يتحدثون بما نعلم وربما بما لا نعلم، ويحاولون إزالة شيء من الضباب الذي علا حتى حجب الرؤية، فبات العالم كمن يخلط الحابل بالنابل ويحاول قراءة ما وراء الحدث.

 

أسباب التعطيل

أسباب كثيرة حالت دون عمل المجلس التشريعي الفلسطيني تختلف باختلاف المتحدثين عنها، وحول هذه الأسباب أجاب د. حسن خريشة النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي بالقول: "أولاً لا بد من البحث الجدي حول أسباب تعطيل المجلس التشريعي، أنا برأيي أن المجلس غائب ومغيب، مغيب من خلال إجراءات الاحتلال التي مارسها عبر الاعتقال، وغائب فعل إرادي؛ بسبب إرادة النواب الذين أصبحوا ينظرون إلى قضية الولاء إلى الحزب والحركة أكثر من الولاء للوطن والشعب، إضافة إلى قلة التجربة لدى الكثير من أعضاء البرلمان الحالي، وعدم إدراكهم لعظم المهمة الملقاة على عاتقهم".

 

وأضاف: "إن المسئول الآن عن تعطيل المجلس هما القطبان الأكبر في الساحة الفلسطينية "فتح" و"حماس" ولكن بنسبة متفاوتة على اعتبار أنهم يشكلون 95% من المجلس التشريعي الحالي، وأيضًا القوى السياسية الممثلة في المجلس التشريعي، فهم قد فشلوا في تشكيل كتلة مانعة وجامعة، وانحازوا إلى طرف دون الآخر، وساهموا في إفشال التجربة الديمقراطية وتعطيل العمل البرلماني، في حين أنه كان من الممكن أن يكون لهم دور مهم في التوفيق بين الكتلتين الكبيرتين".

 

وحول ذات القضية تحدث د. محمود الرمحي أمين سر المجلس التشريعي قائلاً: "تعطيل عمل المجلس التشريعي الفلسطيني يشكل مصلحة للكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية؛ حيث قام الاحتلال في يونيو/ حزيران 2006م باختطاف عدد من النواب الإسلاميين وصل عددهم إلى (42) نائبًا وعطلت عمل المجلس.. قبل ذلك عطلت السلطة الفلسطينية عمل المجلس عن طريق امتناع كتلة فتح البرلمانية في المجلس التشريعي عن المشاركة في جلسات المجلس وتشكيل اللجان، وكان الهدف من وراء ذلك عدم إعطاء أيّ فرصة لكتلة التغيير والإصلاح لطرح برنامجها أو إصدار التشريعات والقوانين التي ستعمل على القضاء على الفساد الذي كان مستشريًا في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وكان الهدف من ذلك الوصول إلى أن سبب فشل المجلس التشريعي في الوصول إلى أيّ تشريع هو فشل كتلة التغيير والإصلاح".

 

وفي سياق متصل اعتبر د. نافذ المدهون المستشار القانوني للمجلس التشريعي الفلسطيني أن عوامل عدة تتابعت في هذا السياق قائلاً: "هناك أكثر من عامل في هذا الإطار، العامل الأول أنه منذ الانتخابات التي جرت مطلع عام 2006 وهناك تسييس واضح للبرلمان وهذا التسييس انعكس من خلال تعطيل العملية البرلمانية بأكثر من وسيلة، وهناك وسائل اتبعت من قبل حركة فتح في غزة الضفة، ومن ضمنها أولاً الاعتداء على مقار المجلس التشريعي ومنع أعضاء البرلمان من ممارسة أعمالهم، أما العامل الثاني فهو قيام إسرائيل باعتقال عدد كبير من النواب بتواطؤ مع حركة فتح".

 

واستطرد قائلاً: "العامل الثالث هو استمرار قيام بعض الموظفين الإداريين في المجلس وعلى رأسهم إبراهيم خريشة بالسيطرة على العملية البرلمانية من خلال التحكم في دخول النواب والسماح بدخول هذا ومنع ذاك لاعتبارات فئوية، أما العامل الرابع فهو استنكاف حركة فتح وبعض القوائم البرلمانية الأخرى عن المشاركة في جلسات المجلس خلافًا للقانون الأساسي".

 

وأكد د. المدهون أنه "رغم كل هذه العوائق فقد اجتهدت كتلة التغيير والإصلاح ذات الأغلبية واستمر العمل التشريعي والرقابي بصورة جيدة، ولو كان هناك تعاون لكان هذا المجلس من أكثر المجالس إنتاجية خلال الأربع سنوات السابقة".

 

محاولات متكررة

وعن المحاولات التي بذلها النواب في سبيل الدخول إلى مقر المجلس التشريعي في رام الله ومزاولة المهام البرلمانية عقب د. الرمحي قائلاً: "أنا شخصيًّا كأمين سر المجلس التشريعي الفلسطيني حاولت دخول مكتبي في بناية المجلس التشريعي فور خروجي من سجون الاحتلال في شهر أبريل/ نيسان 2009، ولكني وجدت المكتب محتلاً من قبل عدد من الموظفين الذين رفضوا إخلاءه، وكذلك الدكتور عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي توجه للمجلس يوم تحرره من السجون الصهيونية فأوصدت الأبواب في وجهه ومنع من دخول المجلس أمام عدسات الصحافة المحلية والعالمية".

 

فيما اعتبر د. خريشة أن المجلس لا يستطيع أن يقوم بمهامه إلا بعقد جلسات ولجان بقوله: "أنا أدخل بشكل دائم ولكننا لا نستطيع أن نزاول عملنا إلا إذا كانت هناك جلسات ولجان تنعقد، وبرأيي الشخصي أن اجتماعات لجان العمل البرلماني التي تتم في المجلس في مدينة رام الله بحضور نواب كتلة فتح هي جلسات غير قانونية وغير شرعية، ولكن هذا شكل من أشكال الاجتهاد عند بعض النواب، لكن أنا لم أشارك في هذه الاجتماعات على اعتبار أني لا أقبل إلا أن يعمل المجلس التشريعي كوحدة واحدة على اعتبار أنه يمثل كافة أبناء الشعب الفلسطيني".

 

تعطيل لا سقف له

ورغم علمنا أن دوام الحال من المحال إلا أننا توجهنا للدكتور حسن خريشة بالسؤال عن المدة التي سيستمر بها المجلس التشريعي معطلاً، فأجاب: "المجلس أدخل وأقحم في الصراع بين فتح وحماس، والمجلس أصبح جزءًا من المشكلة وليس جزءًا من الحل، وبالتالي أمامنا خطوتان أساسيتان، الأولى هو وجود إرادة سياسية وقرار سياسي لإعادة تفعيل عمل المجلس التشريعي، وهذا ما قلته وطالبت به في اجتماعات المجلس المركزي، وقلت إنه مطلوب من الرئيس عباس أن يقدم تعهدًا بتفعيل المجلس التشريعي باعتبار أنه لا بد أن يأتي الرئيس عباس للدعوة إلى فترة برلمانية جديدة، وذلك حسب القانون والعرف المتبع في السابق، ونحن من جانبنا قدمنا أنا وأربعين نائبًا طلبًا للرئيس لإعادة تفعيل عمل المجلس التشريعي، وبالتالي رئيس المجلس التشريعي د. عزيز دويك عليه أن يخاطب الرئيس عباس لكي يطالبه بافتتاح دورة جديدة للمجلس، ونأمل أن يتم ذلك، وهذا هو الشكل العملي الذي يتجاوز فوق جميع الخلافات، ولكن يبدو أن الإرادة السياسية ما زالت غير متوفرة".

 

 الصورة غير متاحة

 د. محمود الرمحي

فيما أجاب د. محمود الرمحي على ذات السؤال بالقول: "ستستمر السلطة الفلسطينية في تعطيل المجلس التشريعي لإفشال التجربة الديمقراطية التي شهد العالم كله بنزاهتها، وإظهار كتلة التغيير والإصلاح بأنها عاجزة عن إدارة الشأن التشريعي والرقابي، لذلك سوف تستمر السلطة الفلسطينية في تعطيل عمل المجلس التشريعي وتحول دون تفعيله، وتخشى السلطة من أن تفعيل المجلس قد يضع حكومة الضفة ومراسيم الرئيس في مهب الريح".

 

وكخبير بالحال علق د. نافذ المدهون على المدة التي سيقضيها المجلس التشريعي معطلاً بالقول: "أعتقد أنه لا يوجد هناك أي رؤية قريبة ومبشرة بخصوص عودة مقر المجلس في الضفة للعمل من جديد بدلالة أن هناك محاولات كثيرة من رئاسة المجلس لإعادة بناء العملية البرلمانية على أرضية المصالحة، ولكن مع الأسف تم رفض وإحباط وهذه المحاولات، ولم يأت الرفض من برلمانيين بل من موظفين إداريين يعطلون مسيرة عمل المجلس".

 

وأضاف: "للحقيقة هناك إمكانية لاستئناف العمل البرلماني في الضفة إذا أخذت القوائم البرلمانية الأخرى عدا كتلة فتح قرارًا بالعودة للعمل في المجلس وممارسة الضغط على كتلة فتح، وأعتقد أن أحد أهم عوامل إنهاء الانقسام هو عقد جلسة للمجلس التشريعي بكامل أعضائه، ولكن القرار مع الأسف ليس بيد حركة فتح بل هو قرار يمتلكه رئيس السلطة المنتهية ولايته، وهو لا يتمتع بالاستقلالية في القرار وإنما يتلقي الأوامر من الخارج، فضلاً عن أن فتح غير معنية بالمصالحة لأنها مستفيدة أكثر من الانقسام".

 

وأردف قائلاً: "أؤكد أن كتلة فتح لا تتصرف بإرادتها في هذا الموضوع، كتلة فتح تتصرف من خلال موظف إداري هو إبراهيم خريشة الذي لا يتمتع بأي صفة قانونية، فتح من خلال امتناعها عن عقد الجلسات تخالف القانون الأساسي والشعب الذي انتخبها على أرضية تمثيلها للشعب، وبالتي قيام حركة فتح بالاستنكاف يشكل مخالفة للقانون الأساسي، لذلك فالشعب الفلسطيني مطالب بإنهاء عضوية هؤلاء، لأنهم لم يمارسوا ما انتخبوا عليه، لأن الشعب ليس ملكًا لأحد، لا لحماس ولا لفتح ، وهو صاحب القرار".

 

جهود لتدارك المشكلة

ورغم تفاقم الأوضاع إلا أن جهودًا حثيثةً حاولت العديد من الأطراف بذلها في سبيل الخروج من هذه الحالة ومحاولة إنهائها وحول هذه الجهود قال د. الرمحي: "كانت هناك محاولات حثيثة من قبل القوائم البرلمانية المختلفة، فكان هناك اتفاق لتفعيل المجلس التشريعي وقعت عليه الكتل والقوائم البرلمانية بما فيها كتلة فتح ممثلة برئيسها النائب عزام الأحمد، والذي كان يقضي وقتها بعودة د. عزيز الدويك للمجلس وممارسة عمله كرئيس للمجلس من داخل مكتبه في بناية المجلس، بعد تغييبه قسرًا لاختطافه من قبل الاحتلال، واستبشرنا خيرًا وقتها بهذا الاتفاق إلا أن حركة فتح وكعادتها تراجعت عن الاتفاق وتملصت منه بعد ساعة واحدة فقط".

 

وأضاف: "أيضًا حاولت شخصيات مستقلة وأخرى من فلسطينيي الـ48 العمل على إعادة تفعيل دور المجلس التشريعي إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل أيضًا وذلك لتعنت كتلة فتح البرلمانية وإصرارها على إظهار كتلة التغيير والإصلاح بأنها فشلت في إدارة المجلس التشريعي وتنشيطه".

 

فيما عقب د. المدهون على هذه الجهود بالقول: "كانت هناك محاولات كثيرة سواء على مستوى رئاسة المجلس التشريعي أو على مستوى الإداريين، وأنا شخصيًّا اتصلت بمجموعة من نواب فتح للمشاركة في وفد برلماني لدى زيارة البرلمان الأوروبي في وقت سابق، ولكن حدثت تحركات من قبل رام الله ومن إبراهيم خريشة على وجه الخصوص لإفشال هذا الموضوع حيث طلب من البرلمان الأوروبي إلغاء هذه الزيارة ورفض حركة فتح من هذه الزيارة، مما يستدعي مما يسمى مجموعات العمل البرلمانية أن تناقش أهلية إبراهيم خريشة الذي يسيطر على مقر ومسار المجلس في الضفة الغربية بدلاً من بحث ومناقشة القضايا الصغيرة وإغفال القضايا الكبرى".