وصف المراقبون عملية "مشترك" التي تعني باللغة الفارسية "معًا" بأنها العملية الأكبر التي تشنها قوات الاحتلال الأمريكي الغربي على حركة طالبان في أفغانستان، وتعتبر أول اختبارٍ حقيقي لإستراتيجية الرئيس الأمريكي باراك أوباما هناك.. إنها العملية التي أُطلق عليها اسم "مشترك" باللغة الفارسية بمعنى "معًا" انعكاسًا لتعاون العنصر الأفغاني مع قوات الاحتلال، وهو أول بنود إستراتيجية أوباما التي أعلنها نهاية العام الماضي، وتشدد على ضرورة أفغنة الصراع، ولكن يبدو أن الواقع أثبت صعوبة تطبيق هذا البند حيث إن عدد القوات الأفغانية المشاركة في العملية يقدر بـ2500 جندي ضمن 15 ألفًا آخرين أغلبهم من القوات الأمريكية والبريطانية.
وترتكز إستراتيجية أوباما على زيادة عدد القوات المقاتلة حيث عزز قواته بثلاثين ألف جندي إضافي ليفوق عدد القوات الأجنبية في أفغانستان المائة ألف وهو إقرار منه بأن الحسم في هذه الحرب يعود إلى المعارك البرية التي يستخدم فيها أكبر كم ممكن من جنود المشاة وهو ما طبقه في عملية "مشترك" حيث هاجم "مرجة" والتي قدر عدد مقاتلي طالبان بها بحوالي 1000 مقاتل على الأكثر بـخمسة عشر ألفًا من الجنود ولكن الملاحظ أن الألف مقاتل انسحب أغلبهم من المدينة قبل بدء الهجوم وهو ما يثير تساؤلات حول تكتيكات طالبان في التعامل مع القوات المهاجمة.
انتصار إعلامي
وبالرجوع إلى عام 2001 حين بدأ الهجوم الأمريكي نجد أن طالبان انسحبت بين يوم وليلة لتدخل القوات الأمريكية بعد ذلك معلنة النصر ليفاجأ الأمريكيون بعد ثماني سنوات بأنهم لم ينتصروا وأن طالبان موجودة وما زالت تتمتع بالقدرة على المقاومة والهجوم والتحرك وتسديد ضربات قاصمة لواشنطن رغم ما روجه الإعلام الأمريكي وتصريحات الساسة الأمريكيين قبيل الغزو من انتصار كبير.
الأمر يتكرر مع إعلان قوات الاحتلال أن الاستيلاء على "مرجة" عملية كبيرة يتم خلالها السيطرة على أحد أكبر معاقل حركة طالبان في أفغانستان في حين أن مدينة "مرجة" ما هي إلا واحدة من المدن الأفغانية بولاية هلمند التي تشهد نفوذًا كبيرًا لطالبان حيث إنها ولاية محاذية للحدود الباكستانية التي تستمد منها طالبان الدعم وهذا بالطبع يجعلها مدينة إستراتيجية ولكنها منطقة ضمن الكثير من المناطق في أرجاء الجنوب الأفغاني الواسعة التي سبق وسيطرت عليها قوات الاحتلال أكثر من مرة ثم استعادتها طالبان.
كما أن سيطرة القوات الأجنبية على "مرجة" يجعل طالبان قادرةً أكثر على شن مزيد من الهجمات على جنود الاحتلال فيها وتعتبر نظرة العسكريين الأمريكيين للمقاتلين الألف من حركة طالبان على أنهم فقط الأعداء نظرة قاصرة حيث إن هؤلاء الألف إن كان هذا العدد صحيحًا هم من أهل المدينة ولهم أسرهم وعصبيتهم القبلية، هذه العصبية التي لا يمكن أن تأمنها قوات الاحتلال بعد أن دخلت المدينة على جثث 12 من المدنيين قتلوا بصاروخين لقوات "إيساف".
قيادة الثلوج
و"مرجة" هنا مثلها مثل مدينة "موسى قلعة" التي نجحت القوات الأمريكية في وضع يدها عليها في العام 2007 بعد أن خضعت لطالبان عشرة أشهر وتحدث حينها قادة التحالف الغربي عن مدى أهمية مدينة "موسى قلعة" ومدى ما تحقق لهم من انتصار بعد وضع يدهم عليها بينما لم يسع هؤلاء القادة إلى استعادة السيطرة على مدينة "باكوا" غربي البلاد والتي استعادتها طالبان في بداية العام نفسه، وهو ما يوضح أن الحرب سجال بين الطرفين حتى هذه اللحظة وأن دخول القوات الأمريكية مدينة "مرجة" ليس كما يصوره الإعلام الغربي انتصار كبير وإنما يبدو أنها بداية لهجوم كبير.
والحقيقة أن هذا "الهجوم الكبير" هو المعتاد كل عام ولكنه جاء مبكرًا قليلاً هذه المرة حيث تتبادل قوات الاحتلال وطالبان الهجمات والضربات والمعارك الشرسة مع نهاية فصل الشتاء وحتى نهاية فصل الصيف فالثلوج هي من تحرك القوات العسكرية في أفغانستان وليست إستراتيجيات القادة كما أن هذه الثلوج عندما تسمح للقادة بالتحرك فإنهم يتحركون وفقًا للتعرجات الجبلية في جبال "هندوكوش" بأفغانستان.
وهنا تبرز معضلة أخرى أمام إستراتيجية أوباما وهي معضلة الوقت فعلى الجيوش أن تنهي أعمالها نهاية العام 2011 ما يحتاج قتالاً لا ينقطع صيفًا وشتاءً وفي كل مناطق أفغانستان شرقًا وغربًا وهو ما لن تحبطه الطبيعة وحدها بل أيضًا الحسابات العسكرية والسياسية وأوضح ذلك جليًا الأميرال مايك مولن رئيس الأركان الأمريكية المشتركة في تصريحات خلال زيارته للكيان الصهيوني، فقال: "من الصعب جدًّا بالفعل التكهن بموعد نهائي، وتحدثنا عن ذلك من وجهة نظر تخطيطية منذ بضعة أسابيع.. ولكني لا أعرف"!!.
وإذا يصعب على مولن تحديد موعد نهائي ومن وجهة النظر التخطيطية الواقعية فلا يمكن تحديد موعد لنهاية العمليات- ليس في كل أفغانستان بل في ولاية هلمند تبعًا لما قصده مولن في تصريحه- وهكذا يقول مولن لأوباما بكلمات أخرى إستراتيجيتك خاطئة.
كما تعكس كلماته التي قال فيها إنه تحدث عن ذلك "من وجهة نظر تخطيطية منذ أسابيع" وجود خلاف بين القادة العسكريين والسياسيين في واشنطن حول مسألة "تحديد موعد لإنهاء العمليات العسكرية". وأشار مولن في تصريحاته إلى أن المسألة ليست مجرد الهجوم على طالبان وإنما العملية تقوم إضافة إلى تطهير المنطقة بالحفاظ عليها من الهجمات ثم البناء عليها حتى يكون هناك عنصر مدني أفغاني يعتمد عليه وإقامة حكم محلي في المنطقة؛ وهذا بالتأكيد لا بد له من توافر الكثير من العوامل الغائبة والتي تتمثل في أبسط صورها في عدم وجود عداء بين القوات الأجنبية والمدنيين "الذين سقط منهم في الساعات الأولى 12 شخصًا في قصف صاروخي لهذه القوات".
نظرة على الواقع العملياتي:
تتابعت الطائرات المروحية على "مرجة" لتتم واحدة من أكبر عمليات الإنزال العسكري منذ حرب الخليج الثانية "في الصحراء الغربية العراقية" ضمن عملية عاصفة الصحراء 1991 كما وصفها العسكريون بأنها أكبر عملية عسكرية منذ الهجوم الأول على أفغانستان 2001، ونزلت القوات المحمولة جوًّا إلى الأماكن المحددة لها لتبدأ عملية "مشترك".
وخلال يومين من المعارك الشرسة أعلنت قوات الاحتلال أنها قتلت 20 من مقاتلي طالبان وأسرت 11 آخرين بينما لم يقتل من بين صفوفها سوى جنديين أمريكي وبريطاني أثناء العمليات بينما قتل جندي أمريكي وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم منفصل في قندهار وهكذا ارتفع عدد القتلى من قوات الاحتلال منذ بداية العام الحالي إلى 69.
وقبيل العملية نزح ما بين 300 إلى 400 عائلة أي حوالي ثلاثة الآف شخص من سكان "مرجة" الثمانين ألفًا من المدينة إلى أماكن أخرى وتعطلت القوات الغربية أثناء تقدمها بسبب العبوات الناسفة المصنعة محليًّا والألغام التي زرعت في الطريق قبيل انسحاب عدد كبير من مقاتلي طالبان من المدينة، وتوعدت طالبان بالرد على العملية واستنزاف وإنهاك قوات الاحتلال.
انتقام
قوات أمريكية بأفغانستان في عملية عسكرية سابقة ضد طالبان
وقال المتحدث باسم طالبان يوسف أحمدي إن "العدو يروج لهذه العملية ويحاول تسويقها لوسائل الإعلام على أنها عملية عسكرية واسعة النطاق رغم أن مرجة منطقة صغيرة جدًّا"، وبُعيد دخول القوات الأجنبية المدينة تعرض موقع سرية لمشاة البحرية الأمريكية لإطلاق نيران كثيف من جميع الجهات في مبنى كان يشهد رفع العلم الأفغاني إيذانًا بسيطرة القوات الأمريكية على "مرجة".

وشهدت المدينة معارك غاية في الشراسة بين المقاومة وقوات الاحتلال وأقر بذلك الكابتن ريان سباركس حيث شبه القتال في "مرجة" بالقتال الذي جرى 2004 في مدينة "الفلوجة" العراقية، وقال سباركس: "في الفلوجة كان القتال بنفس الشدة وقد بدأنا من الشمال واتجهنا جنوبًا ولكن في مرجة نأتي من مواقع مختلفة ونعمل في اتجاه المركز ونتلقى النيران من جميع الزوايا"، وهو ما يثير تساؤلات حول حقيقة الأرقام المعلنة والخاصة بعدد القتلى في صفوف الناتو.
وبالنظر إلى الوضع الجيواستراتيجي نرى أن ولاية هلمند ممتدة من الحدود الباكستانية- الأفغانية نحو الشمال حتى "باجران" في أقصى شمال الولاية والتي تستولي عليها طالبان بالكامل وإلى الجنوب من "باجران" توجد مدينة "موسى قلعة"، التي سيطرت عليها القوات الأمريكية في العام 2007 وإلى الجنوب من موسى قلعة تسيطر طالبان على عدة مناطق جبلية متناثرة تنتشر من جنوبي موسى قلعة إلى جنوبها الغربي وصولا إلى "مرجة" موقع العمليات الحالي والتي تجاورها من الشرق مدينة "لشكرجاه" التي تسيطر عليها الحكومة الأفغانية.
وبالسير إلى الجنوب الغربي مع ضفاف نهر هلمند نجد أن طالبان تسيطر على كل هذه المنطقة وحتى حدود ولاية هلمند الغربية مع ولاية نيمروز الخاضعة للحكومة الأفغانية والمحاذية للحدود الإيرانية في الغرب ويقطع نفوذ طالبان الممتد من "مرجة" وحتى "دشو" قاعدة مارينز أمريكية في بلدة "خانشين" بينما ينتشر تواجد لعناصر طالبان إلى الجنوب من قاعدة "خانشين" ومدينة "دشو" وحتى الحدود الباكستانية عند مدينة بهرام شاه التي يتحصن فيها عدد كبير من طالبان.
كما تعتبر من أهم المواقع التي يعبر من خلالها كافة أشكال الدعم من باكستان إلى المقاومة الأفغانية وإلى الجنوب من هذه المنطقة الحدودية تقع داخل الأراضي الباكستانية قاعدة "دالباندين" الجوية الأمريكية والتي تتوجه منها العديد من الضربات الجوية للمنطقة الحدودية الباكستانية الأفغانية وتساعد قاعدة "خانشين" بالإضافة إلى انطلاق طائرات ريبر بدون طيار من القاعدة الجوية البريطانية شرقي هلمند في قندهار لتقديم الدعم لعملية "مشترك".
باكستان
الاعتداءات الأمريكية مستمرة على المدنيين الباكستانيين

فيما تتفكك الدولة الباكستانية جراء الاعتداءات الأمريكية المستمرة انطلاقًا من أراضيها وعلى أراضيها وشعبها ففي الوقت الذي تعلن فيه الإدارة العسكرية الأمريكية محاولتها كسب ود شعوب المنطقة كطريق لكسب الحرب في أفغانستان يتم قصف المدنيين في باكستان وأفغانستان، وقد امتدت الحرب فعلاً إلى الأراضي الباكستانية خاصة مع صعود طالبان باكستان التي يتزعمها حكيم الله محسود شقيق بيت الله محسود وخليفته والذي أشيعت أخبار الأسبوع الماضي عن مقتله في غارة أمريكية لكن طالبان نفت ذلك.
في حين تتصاعد الهجمات والغارات الأمريكية على منطقة وزيرستان شمالي باكستان للقضاء على طالبان الباكستانية والأفغانية ففي نفس اليوم الذي بدأت فيه عملية "مشترك" في هلمند الأفغانية قصفت طائرات أمريكية بدون طيار وزيرستان الباكستانية وشنت الولايات المتحدة 13 غارة بطائرات بدون طيار في باكستان منذ بداية العام الحالي تبعًا لإحصاء أجرته (رويترز) مقابل 51 غارة العام الماضي و32 عام 2008، ما يشير إلى تصاعد هذه الغارات بشكل لافت.
ولا شك تؤثر هذه العمليات العسكرية في باكستان على الوضع الأمني والسياسي حيث تغلي البلاد على صفيح ساخن فبعد الإطاحة بالديكتاتور العسكري برويز مشرف جاء آصف علي زرداري لكي يكمل نفس المشوار الذي بدأه سلفه مما يثير غضب الشعب الباكستاني الذي ما زال ينظر إلى القاضي افتخار علي تشودري كرمز للحقوق الباكستانية الضائعة كما ينظر له كذلك قضاة المحكمة العليا الباكستانية حيث لا يزال الصراع محتدمًا بين المؤسستين الرئاسية والقضائية في إسلام آباد وسط غضب شعبي ولا يمكن استنتاج ما سيسفر عنه هذا الوضع بشكل عام في باكستان إلا أن هناك نتيجة وحيدة أكيدة وهي مزيد من الكراهية لواشنطن وحلفائها ومزيد من الدعم لطالبان الباكستانية والأفغانية.