بعد حرب شرسة بين حكومة الخرطوم، ومتمردي دارفور حصدت خلالها أرواح ما يقرب من 300 ألف إنسان وفقًا لما تعلنه الأمم المتحدة، وعشرة آلاف وفقًا لتقديرات الخرطوم أعلن الرئيس السوداني وقف إطلاق النار، وطي صفحة الحرب في الإقليم بعد توقيع اتفاق إطاري بالدوحة مع حركة العدل والمساواة أكبر الحركات المتمردة في الإقليم لوقف إطلاق النار بحضور أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني، والرئيس السوداني عمر البشير ورئيس تشاد إدريس ديبي، ورئيس إريتريا أسياسي أفورقي، وأفرجت السلطات السودانية عن 57 من أعضاء حركة العدل والمساواة المحكوم عليهم بالإعدام لهجومهم على مدينة أم درمان في مايو 2008م، في الوقت الذي أكدت فيه الدوحة جدية الأطراف، والتزامهم بالاتفاق، ونال الاتفاق ترحيبًا واستحسانًا من العديد من العواصم العربية والأجنبية؛ حيث رحبت به القاهرة، ودمشق كما حثت باريس باقي الفصائل المتمردة إلى الانضمام إليه؛ وقد بذلت العديد من الأطراف جهودًا كبيرةً للوصول إلى هذه المرحلة التي اعتبرها البعض متقدمةً جدًّا، والتي ترجع في جزء كبير منها إلى التقارب السوداني التشادي بعد زيارة الرئيس ديبي الخرطوم وتجاوز الخلافات بين البلدين.

 

ولكن هل انتهت الحرب حقًّا؟.. الواقع يؤكد أن الحرب لم تنته بعد؛ حيث اشتعلت معارك طاحنة بين قوات الجيش السوداني ومتمردين من دارفور، في نفس اليوم الذي أعلن فيه البشير طي صفحة الحرب في الإقليم، وقال رئيس حركة جيش تحرير السودان جناح عبد الواحد نور أحد الفصائل المتمردة في الإقليم لـ(رويترز): إن القوات الحكومية هاجمت ثلاثة أماكن على الأقل في منطقة جبل مرة وبلدة ديربات بوسط دارفور، واستمرت المعارك حتى وقت متأخر من الليل.

 

وأضاف المتحدث باسم الحركة إبراهيم الحلو أن الحكومة السودانية هاجمت بأعداد كبيرة تدعمها طائرات أنتونوف وطائرات هليكوبتر، ومقاتلات من طراز ميج، كما تم استخدام المدفعية الثقيلة؛ في الوقت الذي أعلنت فيه منظمة المساعدات الفرنسية غير الحكومية "أطباء العالم" أنها اضطرت إلى إيقاف عملياتها بسبب القتال في المنطقة الجبلية التي يجري فيها القتال، وأصدرت المنظمة بيانًا أعلنت فيه أن القتال تسبب في ارتفاع عدد النازحين في المنطقة إلى أكثر من 100 ألف شخص.

 

وتعترض حركة جيش تحرير السودان على الاتفاق الموقع في الدوحة، ويبدو أن الحكومة السودانية تحاول من خلال شن بعض الهجمات العسكرية ضدها ثنيها عن هذ الاعتراض، والضغط عليها للانضمام إلى الاتفاق، أو أن تدخل معها في مفاوضات أخرى تحت الرعايا القطرية كذلك، وهو ما يرفضه بشدة خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة، الذي دعا جميع الحركات المسلحة الأخرى إلى التوحد مع حركته.

 

وأوضح خليل أن حركته ترفض قيام أي منبر تفاوضي آخر في نفس القضية مع أي حركة تحت أي مسمى، واعتبر أن حركة العدل والمساواة في دارفور وكردفان هي الحركة الوحيدة المسلحة المعادية للحكومة السودانية؛ ولذلك لا يمكن القبول بوجود مفاوضات موازية في قضية واحدة في وقتٍ واحد، وبلد واحد، وملف واحد على حد قوله.

 

ويبدو أن حركة العدل والمساواة تريد أن تكون ممثلةً لجميع حركات التمرد في دارفور أمام الحكومة السودانية، والمجتمع الدولي، وهذا ما يجعلها تجني أرباح الحرب، والسلام في دارفور بينما تترقب الحركات المسلحة الأخرى توجهات "العدل والمساواة"، وحكومة الخرطوم.

 

ومن ناحيته أكد محجوب حسين القيادي في حركة التحرير للعدالة التي رفضت التوقيع على اتفاق الدوحة الإطاري أنهم لم يوقعوا على الاتفاق لأنهم لم يكونوا جزءًا منه، ووصف الاتفاق في حديثه لـ(الجزيرة) بأنه قائم على مصالح ذاتية لحركة العدل، والمساواة وليس له أي علاقة بحل أزمة دارفور.

 

ونفى حسين أن حركته كانت تزمع الانضمام للاتفاق، وقال إن الوساطة قدمت لهم اتفاقًا إطاريًّا جديدًا درسته الحركة وقدمت مقترحات بشأنه، ونتوقع التوقيع عليه خلال الأيام القليلة المقبلة، وحركة التحرير للعدالة هي نتاج اندماج ثماني حركات؛ خمس منها هي الحركات المنضوية تحت لواء مجموعة طرابلس، إضافةً إلى ثلاث حركات من مجموعة أديس أبابا أعلنت عن نفسها يوم الإثنين الماضي.

 

مصير الانتخابات السودانية

ويبدو أن الانتخابات السودانية المزمع إجراؤها أبريل القادم، والتي تعتبر محورًا رئيسيًّا في تحديد مستقبل السودان خاصةً فيما يتعلق بمسألة مصير الجنوب بين الوحدة، والانفصال يبدو أن طريقها يمتلئ بالعثرات؛ حيث إنها أصبحت مهددةً بالتأجيل، وهو ما ستكون له انعكاساته على قضية الجنوب، حيث يرى خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة، وموقع اتفاق الدوحة بشأن دارفور ضرورة تأجيل الانتخابات في السودان، ويرجع السبب إلى أن هناك العديد من المواطنين في كردفان ودارفور لن يشاركوا فيها؛ لأنهم مهجرون بسبب الحرب.

 

ويطالب خليل بتأجيل العملية الانتخابية بشكلٍ كامل، وهو ما سوف يكون له رد فعل مؤثر في الجنوب في حالة موافقة الحكومة السودانية على نصيحة خليل؛ حيث تجري هذه الانتخابات تطبيقًا لاتفاق السلام الموقع 2005م بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان، ويترتب عليها إلى جانب عوامل أخرى نتيجة الاستفتاء المزمع إجراؤه 2011م في الجنوب لتقرير مصيره بين الوحدة أو الانفصال الذي تسعى إليه حركة التمرد في الجنوب.

 

من ناحيةٍ أخرى لم يكن خليل إبراهيم وحده هو المتبني فكرة تأجيل الانتخابات، وإنما كذلك ترى القاهرة التي تقوم بوساطة سرية بين شريكي الحكم في الخرطوم، كما ذكرت مصادر صحفية حيث تتصاعد الخلافات بين الجانبين؛ حيث أوضح وزير الخارجية السوداني القيادي في الحركة الشعبية دينق آلور أن الحوار بين شريكي الحكم بالقاهرة تم بناءً على دعوةٍ من الحكومة المصرية للجانبين، موضحًا أنها محاولة من جانب مصر لتأمين وحدة السودان قبل الاستفتاء على حقِّ تقرير المصير بالنسبة لجنوب السودان، والمتبقي عليه عشرة أشهر بعيد الانتهاء من إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والولائية في الشمال والجنوب في السودان، ويبدو أن المسألة شائكة خاصة فيما يتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد؛ حيث أعرب آلور عن القلق إزاء تمسك الحزب الحاكم بتطبيق الشريعة الإسلامية، مع العلم بأن غالبية الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في الانتخابات السودانية لا تسعى للتخلي عن تطبيق الشريعة الإسلامية كاتجاهٍ أساسي لحل قضايا البلاد، والارتقاء بها، وهنا يتضح أن المسألة ليست متعلقةً بالحزب الحاكم، ولكنها متعلقة بتطبيق الشريعة في حدِّ ذاته، وبمعنى آخر متعلقة بالشمال ذي الغالبية المسلمة.

 

وناقشت مصر فكرة تأجيل الانتخابات السودانية على المستوى البرلماني القومي والولائي، واستفتاء تقرير مصير الجنوب إلى حين حسم القضايا الخلافية، وحل الأزمة في إقليم دارفور والتي لا يبدو أنه قريب، خاصةً في ظل الخلافات الناشئة بين الحركات المتمردة في الإقليم ذاتها، وهو ما يفتح باب الاحتمالات على مصراعيه بشأن تجدد الحرب في دارفور سواء بين الفصائل بعضها البعض، أو بين بعضها، والحكومة السودانية، ومن ثَمَّ يفتح نفس الباب أمام احتمالات تجدد الحرب في الجنوب إن لم يكن بسبب نتيجة الانتخابات فبسبب تأجيلها، وإن لم يكن هذا، ولا ذاك فبسبب الاستفتاء سواء تأجيله أو نتيجته.

 

ويبدو أن الحرب تطارد مستقبل السودان أمام صناديق الاقتراع، بل إنَّ واقعَ المنطقة يؤكد أن الحرب تطارد المنطقة بأسرها أمام قبة الديمقراطية الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير.