يبدو أن حالة الغضب على رئيس السلطة المنتهية ولايته محمود عباس وعدم الرضا عن سياساته؛ قد انتقلت من الشارع الفلسطيني والعربي إلى حكومات العديد من الدول العربية، التي باتت مقتنعة بعدم وجود أي جدوى من المحافظة على خط اتصال مع سلطة عباس؛ لعدم امتلاكه استقلالية القرار السياسي، وبسبب مسلسل الفضائح التي انكشفت فصولها واحدة تلو الأخرى كأحجار الدومينو، فقبل أيام أبدى عباس رغبته بزيارة تونس؛ حيث تقدم السفير الفلسطيني هناك بطلب رسمي، إلا أن القيادة التونسية تجاهلت الدعوة، وامتنعت عن التجاوب مع نداءات السفير الفلسطيني؛ بالرغم من تكرار طلبه ثلاث مرات في أقل من أسبوع.

 

ويرى العديد من المراقبين أن العلاقة بين الحكومة التونسية والسلطة الفلسطينية آخذة بالتراجع شيئًا فشيئًا؛ بسبب العديد من القضايا الخلافية خاصة في ظل ما تسرب من أنباء تفيد بوضع الحكومة التونسية يدها على الأرشيف الخاص بمنظمة التحرير خوفًا من تسريبه على يد رجالات السلطة إلى جهات أجنبية، وتعتبر تونس الوجه الثالث للمنظمة بعد أن خرجت من لبنان عام 1982م، وبعد أن طُردت من الأردن عام 1971م عقب أحداث أيلول الأسود.

 

وقبل تونس حاول محمود عباس خلال زيارته إلى العاصمة الليبية طرابلس الالتقاء بالزعيم معمر القذافي، إلا أن محاولته هي الأخرى باءت بالفشل؛ بالرغم من إلحاح عباس المتكرر لكن دون أي فائدة!!.

 

وتعتبر الجماهيرية الليبية من الدول العربية التي تحافظ على خط متوازن في العلاقة بين حركتي حماس وفتح؛ حيث وصل خالد مشعل قبل عدة أسابيع إلى العاصمة الليبية، وعقد اجتماعات موسعة مع عدد من المسئولين الليبيين.

 

وبعد ليبيا وتونس، حاول محمود عباس طرق باب العاصمة السورية؛ حيث تقدمت سلطة رام الله بطلب رسمي من أجل زيارة عباس إلى دمشق يوم السبت الماضي، لكن الرد السوري جاء سلبيًّا؛ حيث ردت الخارجية السورية بصورة رسمية على طلب سلطة رام الله بطلب تأجيل الزيارة إلى إشعار آخر بسبب انشغال المسئولين السوريين.

 

ويعزو المراقبون سبب هذا الرفض هو ادعاء السلطة بأن حركة حماس أرادت سحب ملف المصالحة الداخلية من يد الحكومة المصرية ونقله للسوريين؛ وهو ما أثار حفيظة دمشق وسخط حماس والذي وُصف من كلا الطرفين بـ(الادعاء الكاذب).

 

ولا شك أن مواقف البلدان الثلاثة تأتي منسجمة مع مواقف دول عربية أخرى كقطر والسودان واليمن، وحتى الأردن التي بدت هي الأخرى تضيق ذرعًا بسياسة سلطة محمود عباس.

 

وتسود علاقة باردة وشبه منقطعة بين السلطة الفلسطينية والقصر الملكي الأردني؛ حيث أفادت مصادر صحفية قبل عدة أسابيع بعدم رغبة العاهل الأردني عبد الله الثاني لقاء محمود عباس؛ بسبب مواقفه من مشروع الوطن البديل، والخوف الأردني من تنازلات عباس المعهودة في ملف اللاجئين الفلسطينيين.

 

أسباب وجيهة

ولعل المتتبع لهذا الأمر، أصبح يدرك التحول الذي طرأ في مواقف البلدان العربية؛ حيث سقطت ورقة التوت عن سلطة محمود عباس، بعد أن انغمست بصورة مفضوحة وعلنية في أوحال الفساد والسقوط الوطني والأخلاقي.

 

فما تكاد هذه السلطة المهترئة تخرج من مأزق حتى تدخل في آخر، كانكشاف أمر تواطؤها مع الاحتلال الصهيوني في حربه على غزة قبل نحو عام، مرورًا بفضيحة تأجيل تقرير جولدستون، وما تبع ذلك من تداعيات، وصولاً إلى ملفات الفساد الأخلاقي التي كشفها الضابط السابق فهمي شبانة.

 

ويُضاف إلى كل ما سبق، حالة التبعية المفرطة والارتماء بأحضان الصهاينة والأمريكان والغرب؛ بالرغم من كل عمليات تهويد المقدسات والاستيطان في الضفة الغربية، وخاصة مدينتي القدس والخليل المحتلتين.

 

كل هذه الأمور وغيرها باتت مكشوفة وظاهرة للمواطن الفلسطيني والعربي، الذي فقد ثقته بسلطة عباس، وها هي اليوم الحكومات العربية تفقد واحدة تلو الأخرى ثقتها بسلطة رام الله وزعيمها الذي بات غير مرحب به في كثير من الدول العربية.

 

وكما يأتي هذا الصدود العربي الرسمي عن عباس وسلطته، في الوقت الذي استقبلت فيه عدد من الدول العربية خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس، ويبدو أن هذه الدول العربية قد باتت على قناعة أن حركة حماس هي المستأمن الوحيد على هذه القضية المقدسة.