تهديدات بفرض المزيد، والمزيد من العقوبات الاقتصادية، والتلويح باستخدام الخيار العسكري.. تقابلها تحذيرات بوقف النفط عن الغرب، والتمرد على المجتمع الدولي؛ هذا هو ملخص الشد، والجذب المتواصل بين أمريكا، وإيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي.
وكما اعتاد الغرب مماطلات إيران التي حققت من خلالها النجاح، والتقدم في برنامجها النووي؛ اعتادت إيران التهديدات الغربية بفرض المزيد من العقوبات، أو باللجوء إلى الخيار العسكري أيًّا كانت شاكلته، ولكن هل يبقى الحال على ما هو عليه كثيرًا؟ أم أن الشعرة التي يتجاذبها الطرفان ستنقطع؟.
المخاوف الغربية لخصها رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية مايك مولن- اليوم الخميس- في قوله "إن حيازة إيران للسلاح النووي ستفرز قدرًا هائلاً من عدم الاستقرار بجزء من العالم غير مستقر أصلاً، وأن قيام طرف ما بتوجيه ضربة عسكرية لذلك السلاح سيؤدي للنتيجة نفسها.
فشل أمريكي
وجاءت كلمات مولن بعد فشل وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في إقناع الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بفرض المزيد من العقوبات على إيران، فيما شدد على ضرورة استمرار المفاوضات، وعدم دفع إيران إلى الزاوية.
وزيارة كلينتون للبرازيل ضمن محاولة واشنطن حشد دعم أكبر عدد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي لاتخاذ إجراء ضد إيران، ورغم أن أكثر التركيز منصب على روسيا، والصين اللتين تملكان حق النقض الفيتو إلا أن الولايات المتحدة تسعى لكسب تأييد الدول الرئيسية غير الدائمة العضوية في المجلس مثل البرازيل، وتركيا لبناء جبهة أمام النووي الإيراني.
وفي هذا الاتجاه أعدت الدول الغربية اقتراحًا معدلاً لجولة رابعة من العقوبات على إيران، وقالت مصادر لـ"رويترز" إن هذا الاقتراح المعدل، وزعته الولايات المتحدة على بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، وأن القوى الغربية تأمل بعقد مؤتمر بالهاتف قريبًا بين الدول الست لمعرفة آراء روسيا، والصين النهائية في هذا الصدد حيث إن البلدان هما حليفتان لإيران كما أنها تعتمد عليهما كثيرًا في بناء برنامجها النووي بالإضافة إلى المصالح الاقتصادية، والعسكرية معهما.
الموقف الروسي
ساركوزي وميدفيدف

جاءت القمة الفرنسية- الروسية في العاصمة باريس جزءًا من المساعي الغربية لحث روسيا على الموافقة على تمرير المزيد من العقوبات على إيران، وكانت المفاجأة موافقة باريس السريعة على طلب موسكو بشراء أربع سفن حربية متطورة من طراز ميسترال حيث إن موافقة فرنسا على هذه الصفقة يفترض أن تغضب واشنطن كما أنها سيثير حفيظة أطراف أوروبية مثل دول البلطيق، وجورجيا، وبولندا.
والواقع أن نيكولا ساركوزي يريد أن يكون بحسب محللين رأس الحربة في منع إيران من استكمال ما يعتبره برنامجًا نوويًّا عسكريًّا لذلك سعى لاسترضاء روسيا بشتى الطرق.
ويبدو الدب الروسي واثقًا، وهو يلعب مع الغرب فهو لن يخسر الكثير في كل الأحوال هذا إن لم يكن مكسبه محفوظًا مقدمًا، وعلى كافة الأصعدة حيث إن روسيا تستخدم طهران كورقة ضغط على الغرب، وتعرف تمامًا كيف تستفيد منها خاصة في ظل الوضع الأمريكي المأزوم اقتصاديًّا، وعسكريًّا، وما ترتب عليه من تبعات سياسية أضرت كثيرًا بوزن واشنطن على الساحة الدولية مما أكسب موسكو مزيدًا من الثقة والقوة.
وفي حال لجوء الغرب إلى الخيار العسكري سواء عن طريق الكيان الصهيوني، أو بالتعاون معه فإن الدب الروسي سيجلس لمشاهدة الخسائر الأمريكية بل إن ما سيترتب على الحرب من نتائج لن تصب في صالح أمريكا بقدر ما ستصب في صالح روسيا.
وفي هذا الإطار جاءت الورقة البحثية لجيمس فيليبس الخبير في شئون الشرق الأوسط بمؤسسة هيريتج الأمريكية، والتي تحمل عنوان "ضربة إسرائيلية وقائية ضد المواقع النووية الإيرانية"، ويؤكد فيها أن روسيا ستكون الفائز الأكبر في حالة وقوع الحرب لاسيما وأنها استثمرت تحالفها الإستراتيجي مع طهران لكي تصبح الأخيرة سوقًا لاستيراد التكنولوجيا الروسية العسكرية، والنووية ولمواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة.
ومن ناحية أخرى ستحقق روسيا مكاسب اقتصادية كبيرة من الارتفاع الذي سيصاحب الحرب في أسعار البترول العالمية، والتهديد الوحيد لروسيا في حين تم اللجوء إلى الخيار العسكري هو تهديد المئات من العلماء، والتقنين الروس في إيران.
الموقف الصيني
رغم اعتياد تقارب الموقفين الصيني، والروسي في العديد من القضايا خاصة ملف إيران النووي إلا أن مصالح التنين الصيني تتصاعد باستمرار في إيران التي تحولت إلى سوق كبير للبضائع، والاستثمارات الصينية بالإضافة إلى كونها مصدرًا هامًّا للطاقة التي تلهث بكين وراءها في الخليج، ومجاهل أفريقيا، وهذه المصالح تغير نظرة الصين تجاه الملف الإيراني.
ولهذا اشترط الرئيس الروسي في باريس أن تكون العقوبات ذكية، وألا تتسبب في مآسٍ إنسانية للمدنيين، قبل أن ضغطه على الصين المرتبطة مع بلاده بمصالح تتعاظم أمام مصالح الصين مع إيران.
ويرى مراقبون أنه يمكن استرضاء الصين على غرار ما حدث مع روسيا، وفي ذلك الوقت سيكون من الصعب على بكين استخدام الفيتو ضد العقوبات الإضافية بل يمكن عندها الامتناع عن التصويت، ويذكر في هذا الصدد أن الصين سبق لها، وصوتت لصالح خمسة قرارات منها ثلاثة تم بموجبها فرض عقوبات مخففة على إيران؛ لكن الشيء الهام هنا هو مدى جدوى فرض هذه العقوبات على جوهر السياسة الإيرانية.
جدوى العقوبات
يشكك كثير من المحللين الغربيين في فاعلية العقوبات، ومقدرتها على إثناء طهران عن طموحاتها النووية، وتؤكد ذلك الباحثة الأمريكية المتخصصة في الشئون الإيرانية سوزانا مالوني في دراستها بعنوان "فرض عقوبات على إيران".
وتثبت الباحثة فشل العقوبات في تحقيق أهدافها، وذلك يرجع أولاً لعدم تعاون المجتمع الدولي بما في ذلك حلفاء واشنطن الرئيسيين في تطبيق هذه العقوبات طوال 30 عامًا مضت، كما أن طهران نجحت في الفكاك من العقوبات بمساعيها للاكتفاء الذاتي، والتصنيع المحلي، وهو ما يخفف من وطأة العقوبات عليها بشكل جيد.
والبحث يترك الباب مفتوحًا أمام اللجوء إلى الخيار العسكري طالما أن العقوبات الاقتصادية غير مجدية، ولكن ما هي إمكانيات شن ضربة عسكرية ضد إيران؟ ومن الذي سيقوم بهذه الضربة وكيف؟ وما هي تكلفتها؟ وما هو رد الفعل الإيراني والدولي؟
الخيار العسكري
وإذا كان الموقف كما سبق فيما يتعلق بفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران فما الذي سيكون عليه موقف هذه الدول المعترضة على العقوبات في حال سعي واشنطن لحشد الدعم لشن ضربة عسكرية، أو إعطائها الضوء الأخضر للكيان الصهيوني للقيام بهذه الضربة والتكفل بحمايته، والدفاع عنه من أي رد فعل إيراني.
![]() |
|
أحمدي نجاد |
لا شك أنه ليس ثمة إجماع حتى بين الدول الغربية على توجيه ضربة عسكرية لإيران رغم سعي الكيان الصهيوني للزج بالغرب في هذه الحرب التي لن تكون في صالح الولايات المتحدة خاصة في الوقت الحالي.
ويرى الكيان الصهيوني في إيران خطرًا على وجوده مع تصريحات أحمدي نجاد بضرورة إزالة الكيان الصهيوني، وإنكاره للمحرقة النازية كذلك فإن صعود القوة الإيرانية بهذه السرعة، والطريقة يخصم من قوته، بالإضافة لدعمها لحزب الله في الجنوب اللبناني، وحركة المقاومة الإسلامية حماس في غزة، ما يمثل خطرًا داهمًا اتضح جليًا أثناء حربي يوليو 2006 "الوعد الصادق"، ويناير 2009 "الرصاص المصبوب".
والكيان يسعى إلى دفع واشنطن لخوض هذه المعركة مع طهران، وضرب منشآتها النووية، ليجنب نفسه مغامرة غير محسوبة العواقب، وحتى هذا السعي تصاحبه حربًا حقيقيةً مستعرةً حاليًا داخل الكيان الصهيوني حول اللجوء إلى ضربة عسكرية الآن، أو تأجيلها.
ففي حالة شن ضربة عسكرية لإيران من غير المضمون إطلاق طهران لصواريخها المتوسطة المدى شهاب 3 وغيرها لتضرب كل أراضي 48 كما أنه من غير المضمون إطلاق صواريخ من الجنوب اللبناني، وقطاع غزة، واتساع بقعة الحرب، ودخول دمشق في المشهد، وعندها لن يتحمل الكيان الصهيوني.
وفي حالة تمهل القادة الصهاينة، وتأجيل الضربة العسكرية فإن إيران ستحقق مزيدًا من التقدم في برنامجها النووي، ومزيدًا من القوة مما يخصم المزيد، والمزيد من القوة الصهيونية في المنطقة، ويهدد وجود الكيان الصهيوني إن لم يكن عاجلاً فآجلاً لذلك فإن مسألة المواجهة العسكرية مع إيران تظل حتمية، وإن كانت مؤجلة لأسباب إستراتيجية.
تدريبات صهيونية
وفي هذا الإطار يشير جيمس فيليبس إلى قيام القوات الجوية الصهيونية بتنظيم تدريبات هائلة على نطاق واسع في سماء البحر المتوسط في يونيو 2008 وخلالها قامت الطائرات الصهيونية بهجمات على أهداف تقع على مسافة تزيد على 870 ميلاً، وهي تقريبًا المسافة ذاتها التي تفصل الكيان الصهيوني عن منشأة تخصيب اليورانيوم في ناتانز بإيران.
![]() |
|
جيمس فيليبس |
وفي أواخر يونيو 2009 عبرت غواصة صهيونية نووية من طراز دولفين الألمانية قناة السويس للمرة الأولى لتقوم بالانتشار في البحر الأحمر، وتلتها سفينتان حربيتان من طراز سار في يوليو من نفس العام مما يعكس التوافق المصري مع الكيان الصهيوني بشأن إيران.
ويؤكد فيليبس ما يتردد حول أن رئيس جهاز الموساد اجتمع بمسئولين سعوديين ليطمئن بعدها رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو بأن السعودية ستتغاضى عن الطائرات الحربية الصهيونية في حال عبورها المجال الجوي السعودي لضرب أهداف إيرانية، وهكذا يضمن الكيان الصهيوني السكوت العربي على الأقل، بل والمساعدة الخفية إن لزم الأمر.
كما أنه يضمن تأييد واشنطن التي تعزز قوتها العسكرية في الخليج، وترتفع بها الأصوات المنادية بتوجيه الضربة العسكرية لإيران خاصة من الحزب الجمهوري، ولا يلتفت الأمريكيون إلى جنودهم الذين يواجهون حربًا في منتهى الشراسة وسط جبال أفغانستان لم تفلح تجهيزات أضخم جيوش العالم، وأكبر التحالفات في التاريخ في إنقاذهم من براثنها.
كما يتناسى الأمريكيون أن طهران بيدها زلزلة الأرض في العراق من جديد من تحت أقدامهم، فمعارك النجف التي خاضها جيش المهدي ما زالت آثارها النفسية، والسياسية واضحةً في أذهان الجنود الأمريكيين، والمواطنين العراقيين، لكن الكيان الصهيوني عزم، وواشنطن ملتزمة تاريخيًّا بحمايته.
ويبدو أن المسألة لها بعد سيكولوجي خاص بالكيان الصهيوني حيث يرتعد المهاجرون اليهود في بحر يموج بكراهيتهم، وما الحروب التي تشن بين الحين، والآخر إلا تعبير عن هذا الخوف الجنوني، والذي يمكن أن يدفعهم إلى حافة الانهيار حيث يبدو الكيان الصهيوني متجهًا بخطى متسارعة تجاه حرب جديدة يسرعها حالة القلق الوجودي المتزايدة، وبهذه الطريقة، فالحرب حتمية لكن الواقع الإستراتيجي يؤكد ضرورة تأجيلها.
التحصينات الإيرانية
ما يحتاجه الكيان الصهيوني تمامًا هو توجيه ضربة عسكرية واحدة قوية فعالة كما حدث مع العراق يونيو 1981 وسوريا سبتمبر 2007 لكن المشكلة بالنسبة له أن البرنامج الإيراني اجتاز بمراحل ما كان قد وصل إليه البرنامجان النوويان العراقي، والسوري حيث إن الضربة الجوية في الحالة الإيرانية تحتاج إلى عدد كبير من الطائرات لضرب أكثر من موقع تتوزع هذه المنشآت النووية عليه.
ويقع مفاعل بوشهر إلى الجنوب الغربي بالقرب من الخليج بينما يقع موقع أراك إلى الشمال الغربي في حين تقع منشأة أصفهان بالقرب من وسط البلاد، ويقع مفاعل ناتانز الأبعد إلى شمال شرقي أصفهان بالقرب من طهران لذلك أشارت تصريحات ديفيد بترايوس قائد القيادة الأمريكية الوسطى إلى وجود خطة أمريكية جاهزة لضرب المنشآت النووية الإيرانية بقوة تستطيع اختراق التحصينات الإيرانية حيث إن بعض المواقع توجد تحت الأرض، أو الجبال الإيرانية لذلك فإن قوة الضربة تتوقف على الجهة التي ستنطلق منها.
وهكذا يصعب توجيه ضربة مماثلة للضربة التي تعرض لها المفاعل العراقي 1981، وفي النهاية مهما تأجلت الضربة العسكرية الغربية الصهيونية لإيران فإن الدوافع الأمريكية، والصهيونية تؤكد أنها حتمية تنتظر يومها.

