جرت رياح يوم الثلاثين من مارس عام 1976م بما لا تشتهي سفن الاحتلال الصهيوني، الذي ظن أنه قد نجح في ترويض الشعب الفلسطيني وكسر إرادته، فقد شكَّل هذا اليوم نقطة تحول، وانتفاضة جديدة في وجه دولة الاحتلال؛ حيث يعدُّ يوم الأرض في ذاكرة تاريخ الشعب الفلسطيني يومًا بارزًا، تتجسَّد فيه معاني الانتماء للوطن، والتمسك بالأرض، والحقوق التي لا تسقط بالتقادم، وقوة السلاح.
فلم تكتفِ سلطات الاحتلال الصهيوني بمصادرة أراضي الفلسطينيين الذين أُبعدوا وهجِّروا عن أرضهم بعد نكبة 1948م ونكسة 1967م، بل عملت تباعًا على مصادرة ما تبقَّى من الأرض التي بقيت بحوزة من ظلوا على أرضهم.
قوانين جائرة
ومنذ الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية عام 1948م شرعت دولة الاحتلال في "تقنين" عمليات المصادرة، والاستيلاء على الآلاف الدونمات التي تعود ملكيتها للمواطنين الفلسطينيين، وذلك عبر سن القوانين المختلفة التي تهدف بالمحصلة إلى سحب الأرض من أصحابها الحقيقيين؛ فمن قانون الأراضي البور إلى المناطق المغلقة إلى الأراضي المتروكة، أو الأراضي الشائعة، إلى قانون أملاك الغائبين، إلى امتلاك الأراضي الفلسطينية ووضع اليد عليها، وغيرها من القوانين الصهيونية.
وغالبًا ما تتذرَّع دولة الاحتلال بالعديد من الحجج من أجل تبرير عمليات المصادرة تلك، كالحجة الأمنية، ومن أجل إقامة جدار الفصل العنصري إلى عمليات أخرى من المصادرة؛ بهدف إقامة، وتوسيع "المستوطنات" الصهيونية، وشق الطرق الخاصة بها، وغيرها من الذرائع التي أفقدت الفلسطينيين ملايين الدونمات من أراضيهم.
حجج واهية
جيش الاحتلال يساهم في بناء المغتصبات
غير أن دولة الاحتلال، وفي حقيقة الأمر تهدف من عمليات المصادرة تلك إلى خلق وترسيخ وقائع جديدة على الأرض؛ من أجل استخدمها لأهداف سياسية في أية مفاوضات سلام، كما تجعل من إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967م أمرًا شبه مستحيل، كما تهدف دولة الاحتلال من تلك الإجراءات إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها بحيث تبدو مدن الضفة أشبه بالجزر المعزولة عن بعضها، كما لا ننسى أن لـ"المستوطنات" الصهيونية أهدافًا عسكريةً؛ فهي تعدُّ "مخازنَ" تابعةً للجيش تحتوي على الأسلحة الثقيلة، ومطارات للطائرات الحربية، وبالتالي يمكن جعلها نقطة انطلاق لأي عدوان صهيوني في المستقبل يستهدف الدول المجاورة.

وقد قدمت دولة الاحتلال وخلال جولات مفاوضات السلام الفلسطينية الصهيونية السابقة العديد من الخرائط والحلول السياسية التي تقوم بالأساس على فكرة تبادل الأراضي مع الاحتفاظ الصهيوني بالكتل "الاستيطانية" الكبرى في الضفة الغربية، وهو ما يحُول دون إمكانية خلق دولة متواصلة جغرافيًّا وتتمتع بسيادة حقيقية على الأرض.
منطقة الأغوار مستهدفة
كما عبر السياسيون الصهاينة، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الصهيوني "نتنياهو"، وفي مناسبات عديدة عن رفضه المطلق تسليم منطقة الأغوار والبحر الميت إلى السيادة الفلسطينية؛ على اعتبار أنها تشكِّل خاصرة المنظومة الأمنية الاحتلالية؛ لأنها تعتبر أطول مسافة حدودية بين دولة الاحتلال والأردن (تصل إلى 360 كم)، وهذا ما يفسِّر سرَّ الاستهداف المتواصل لتلك المنطقة بالمصادرة والاستيلاء.
وقد أشارت مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان- وفي إحصائية صادرها عنها- إلى مصادرة أكثر من (160) ألف دونم من أراضي الضفة الغربية خلال العام الفائت 2009م، وقد كان لمنطقة الأغوار والبحر الميت نصيب الأسد من تل المصادرة؛ حيث استولت دولة الاحتلال في يونيو من العام الماضي على نحو (139) ألف دونم لتوسيع "مستوطنة" "معاليه أدوميم"، وهي أكبر مساحة تتم مصادرتها خلال العام 2009م.
وفي مدينة القدس وضمن الخطة الصهيونية المسمَّاة "مشروع القدس الكبرى"، صادرت قوات الاحتلال في أبريل من العام الماضي على (12) ألف دونم من أراضي المدينة المحتلة، وضمتها لصالح "مستوطنتي" "معاليه أدوميم" و"كيدار" إلى الشرق من المدينة، كما استولت على (3) آلاف دونم من أراضي بلدة "بيت اكسا" لتوسعة "مستوطنتي" "راموت" و"هارشموئيل"، هذا بالإضافة إلى مئات الدونمات (غير معلومة المساحة) التي صادرتها قوات الاحتلال من أرضي بلدتي "عناتا"، و"الخان الأحمر".
مدن الضفة
استمرار التوسع في بناء المغتصبات الصهيونية بالضفة الغربية
أما في مدينة الخليل فقد استولت سلطات الاحتلال (3000) دونم من أراضي بلدة يطا؛ بهدف ضم هذه الأراضي إلى "مستوطنتي" "متسيدوت يهودا" و"كرمئيل"، هذا بالإضافة إلى مصادرة (25) دونمًا من أراضي بلدة "بيت أمر" بهدف توسعة "مستوطنة" "كرمي تسور"، كما صادرت (4) دونمات أخرى من أرض المواطن "محمد جديع علامي" لصالح إقامة شبكات كهربائية "استيطانية" في المنطقة.

كما صادرت دولة الاحتلال (1770) دونمًا من أراضي قريتي "أرطاس" و"الخضر"؛ بغرض ضمها لـ"مستوطنة" "أفرات" قضاء بيت لحم، كما استولت على (940) دونمًا من أراضي قرية "الجبعة"؛ بحجة أن هذه الأراضي تقع ضمن المناطق العسكرية المغلقة لدولة الاحتلال، كما صادرت (24) دونمًا من قريتي "حوسان"، و"نحالين"؛ من أجل ضمها إلى مجمع "غوش عتصيون" الاستيطاني.
وفي نابلس وضعت دولة الاحتلال يدها على (50) دونمًا من أراضي قرية "عصيرة القبلية"؛ بهدف إقامة بؤرة "استيطانية" جديدة، وضم مساحات أخرى لـ"مستوطنة" "يتسهار" جنوب المدينة، كما صادرت عشرات الدونمات الأخرى من أراضي "كفر قليل"، و"بورين" في شهر تموز من العام الماضي تمهيدًا لتوسعات "استيطانية" جدية حول المدينة، كما أشارت لجان العمل الزراعي إلى أن 90% من أراضي بلدة عقربا تمت مصادرتها بالكامل بهدف القيام بنشاطات "استيطانية" وتوسيعها.
وفي مدينة جنين تمت مصادرة نحو (300) دونم من أراضي قرية "يعبد" لإقامة "مستوطنة" جديدة على أراضي القرية، كما صادرت (115) دونمًا من نفس القرية من أجل توسيع "مستوطنة" "شكيد" المقامة على أراضي القرية، إضافةً إلى مصادرة (42) دونمًا من أراضي تعود ملكيتها لعائلة العبادي في قرية "طورة الغربية" من أجل استكمال بناء جدار الفصل العنصري.
إن مصادرة الأراضي ومواصلة "الاستيطان" ما كان له أن يستمر، ويزدهر لولا مفاوضات السلام الفلسطينية- الصهيونية التي شكلت مظلةً وغطاءً لتلك الإجراءات، واليوم تعلن السلطة الفلسطينية من جديد عن موافقتها على إجراء مفاوضات سلام غير مباشرة مع دولة الاحتلال؛ بعد أن كانت قد أعلنت في وقت سابق عن عدم دخولها في تلك المفاوضات إلا بعد الوقف الكامل لـ"الاستيطان"، وهو ما يشجِّع الاحتلال على التمادي في غطرسته؛ لأنه يقابل مفاوضًا فلسطينيًّا ضعيفًا، مجردًا من كل أوراق الضغط.