خلال ثماني سنوات من القتال في أفغانستان استخدمت قوات الاحتلال الغربية كافة السبل والوسائل الممكنة؛ للقضاء على المقاومة دون جدوى، كانت تصريحات جورج بوش أكتوبر 2001م تؤكد أنه سيقضي على ما يسميه "الإرهاب" في كل أنحاء الأرض خلال عشر سنوات؛ لكنه على ما يبدو ورَّط الإمبراطورية الأمريكية في حرب أمدها أطول بكثير عن المدة التي حددها سلفًا، فرغم هروبه إلى الأمام بخوض حرب أخرى على العراق، إلا أنه لم يكن قد انتهى بعد من تفتيت الجبل الأفغاني بقنابله الذكية وأسلحته الفتاكة المدمرة.
وبعد بعض التقدم- أو ما يبدو تقدمًا- على ساحة العراق نظر خلفه باراك أوباما إلى أفغانستان، باعتبارها أولى أولويات السياسة الخارجية الأمريكية والإستراتيجية العسكرية الأمريكية عبر العالم؛ حيث فوجئ بالخدعة الكبرى فطالبان لم تسقط بعد، فهي لا تزال قائمة تحكم الكثير من مناطق أفغانستان بالليل، والتي تسيطر عليها قوات الاحتلال بالنهار، وتحكم مناطق أخرى بالشتاء تحكمها القوات الحكومية في الصيف؛ لكنها كما هي طالبان الحركة والحكومة بأعضائها ووزرائها بكبارها وصغارها وبأسلحتها؛ هكذا أيقن أوباما أنه في ورطة وعليه حلها، وكان الخيار أمامه إما الانسحاب، والذي يعني هزيمة أكبر تحالف عسكري غربي في التاريخ، وإما الاستمرار بقوة والانتصار؛ فكان القرار بدعم القتال واستمراره والسير على خطى بوش وحساباته المختلة حتى النهاية؛ لكن أوباما لم يستوعب بعد أنها نهاية الإمبراطورية الأمريكية وليست نهاية المقاومة، سواء كان ذلك في أفغانستان أو حتى في العراق.
رسائل أوباما
بعد أن شعر بتحقيق تقدم على الساحة الداخلية فيما يتعلق بمشروع قانون الرعاية الصحية، توجهت أنظار الرئيس الأمريكي إلى جبهة القتال الخارجية التي أرهقته كما أرهقت سلفه بوش، استقل باراك أوباما طائرته إلى بلاد الأفغان، وهبط في مطار باجرام لينزل منها إلى مروحية تقله إلى القصر الرئاسي الأفغاني، أراد أوباما أن يوجه عدة رسائل للداخل الأمريكي والداخل الأفغاني فكانت رسالته الأولى إلى الرئيس الأفغاني حامد قرضاي؛ حيث أراد أوباما التأكيد على أن النجاح في معركة محاربة الفساد لا يقل أهمية عن النجاح في المعارك العسكرية الصعبة ضد المسلحين المنتمين لحركة طالبان، والتي تكبد فيها الجيش الأمريكي خسائر مثيرة للقلق، كما أراد أوباما أن يوجه رسالة للمتربصين به في الداخل الأمريكي، خاصة بعد نجاح مشروعه للرعاية الصحية، والذي خاض من أجله معركة حامية أمام الجمهوريين والأغنياء من دافعي الضرائب، ويؤكد لهم أنه يولي أهمية رئيسية للأمن القومي الأمريكي تمامًا كما يدَّعي الجمهوريون.
ولكن ثمة حقيقة وراء الزيارة السرية للرئيس، هل هذه السرية التي أحاطت بزيارة أوباما إلى أفغانستان دليل على قدر تبعية البلاد لواشنطن أو تبعية الحكومة الأفغانية والرئيس الأفغاني؟! والذي لم يعلم بموعد الزيارة إلا قبل ساعة من وصول طائرة الرئيس الأمريكي أراضي أفغانستان، بقدر ما كانت هذه السرية دليلاً على الخوف من تعرُّض الرئيس إلى أي محاولة اعتداء من قِبل المقاومة، وهو الدليل الأقوى على حقيقة الموقف الأمني والعسكري.
فالرئيس الذي يزور جبهة أفغانستان للمرة الأولى منذ توليه الرئاسة لكي يطمئن جنوده على الجبهة، ويرفع من معنوياتهم، ويقنعهم بأنهم يدافعون عن تراب الولايات المتحدة، هو نفسه لم يكن مطمئنًا على حياته في السويعات التي قضاها في بلاد الأفغان.. فالمقاومة على أشدها والضغط العسكري لم يضعف طالبان بعد، ولا يزال وقت المصالحة معها أو إلقائها السلاح بعيدًا، كما أكد روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكي.
رسائل طالبان إلى أوباما
بُعيد مغادرة أوباما للبلاد، قصفت طالبان قاعدة باجرام العسكرية الأمريكية بعدة صواريخ، تلك القاعدة التي ألقى فيها أوباما كلمة أمام 2000 من جنوده، ورغم تأكيد الجيش الأمريكي عدم وقوع أي خسائر مادية أو بشرية بسبب القصف الصاروخي الطالباني، إلا أن طالبان أكدت في بيان لها أن ثلاثة صواريخ أطلقت على القاعدة العسكرية مع إنهاء أوباما لزيارته، وأن الصواريخ ضربت ثكنات للجنود ما أسفر عن وقوع عدد كبير من الضحايا، بالتأكيد كان للهجوم الصاروخي الطالباني وقع خطير على معنويات الجنود الذين كان بينهم رئيسهم منذ قليل، وبالتأكيد فإن أي تسريب لحقيقة الخسائر إثر القصف الصاروخي سيكون له نفس الوقع على الرأي العام الأمريكي.
إن طالبان لم تستهدف شخص الرئيس ولم تستهدف حتى الثكنات التي أسقطت عليها صواريخها، وإنما استهدفت معنويات الجبهة الداخلية والخارجية للإمبراطورية الأمريكية، فالسر في قوة الهجوم ليس ما وقع من خسائر في صفوف الجيش الأمريكي وإنما في الظرف المكاني والظرف الزماني له، فهنا منذ قليل كان الرئيس الأمريكي يلقي كلمة وسط حشد من قواته، يحثهم فيها على المثابرة وعلى القتال، يلقي الكلمات كالرصاص وهو في منتهى الثقة بنفسه وبجيشه، وهنا أيضًا في نفس المكان سقطت صواريخ طالبان التي تسببت على أقل تقدير في ذعر هؤلاء العسكريين والقادة الأشاوس.
حملت كلمات أوباما بعضًا من ذعر عساكره أمام مرمى نيران المقاومة الأفغانية عندما قال "إن قوات التحالف ستواجه بعض الأيام العصيبة في الفترة المقبلة"، وستكون هناك انتكاسات رغم وعوده بالنصر، وكم من أيام عصيبة مرت على هؤلاء الجنود، وكم من وعود بالنصر قيلت من على منابر واشنطن أو إسلام أباد أو كابول لم تتحقق أي منها.
في تلك الأثناء أعلنت طالبان عن مسئوليتها عن تحطم طائرة مروحية في ولاية زابول، وأعلن حلف الناتو مقتل أحد جنوده ما يرفع عدد الجنود الأجانب الذين قتلوا في أفغانستان منذ بداية العام تبعًا لرواية قيادات الاحتلال إلى 137 خلال ثلاثة أشهر، وهي أكبر حصيلة خلال فترة قصيرة في ثماني سنوات من الحرب.. وهي رسالة طالبان إلى أوباما، الحرب لم تنته بعد ولم تقترب على النهاية، وسيظل جنودك ينزفون دماءهم ما داموا بقوا على هذه الأرض.
وطبقًا لإحصاءات البنتاجون قُتل 77 جنديًّا أمريكيًّا منذ مطلع العام الجاري، مقابل 41 قتيلاً العام الماضي، أما الجانب البريطاني فقد تكبد 33 قتيلاً مقابل 15 في الفترة ذاتها من العام الماضي، كما ارتفع عدد جرحى الجيش الأمريكي بشكل ملحوظ من 85 مصابًا في أول شهرين من العام الماضي إلى 381 جريحًا هذا العام بزيادة نسبتها 350%.
هذه الخسائر الجسيمة في صفوف الأمريكيين، بالإضافة إلى التكلفة الباهظة للحرب والعمليات العسكرية في ظل الأزمة المالية العالمية تعرُّض واشنطن إلى ضغط هائل، وتدفعها ربما إلى ارتكاب أخطاء إستراتيجية جسيمة، فالوضع على الجبهة الأفغانية يدفع الجميع في واشنطن إلى عبارة واحدة وهي "سرعة الانتصار"، هذه السرعة المطلوبة لتقليل الخسائر والهروب من هذه البلاد بأكبر قدر من المكاسب في أقل وقت ممكن تؤدي إلى انقسام الآراء داخل الجيش الأمريكي وبين القادة حول الطريقة المثلى لإنهاء الحرب بأي ثمن، بداية من استخدام أسلحة محرمة دوليًّا، وليس انتهاءً بشراء الذمم والضمائر، واتباع سياسة "فرِّق تَسُدْ" التي برعت بريطانيا استخدامها وورثتها إلى وريثتها أمريكا من بعد.. لكن بريطانيا نفسها فشلت في استخدام هذه الوسيلة في أفغانستان من قبل؛ فهل تنجح وريثتها فيما فشلت هي في تحقيقه؟.. هذا السؤال على ما يبدو لن يجيب عنه إلا شخص واحد هو قلب الدين حكمتيار.
حكمتيار والحوار
يقود قلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي المعارك إلى جانب طالبان منذ بدء الغزو الأمريكي لأفغانستان، رغم أنه كان يخوض حربًا ضروس ضدهم قبيل الغزو، وفي العام 2006م أعلن حكمتيار أنه ساعد في هروب كل من أسامة بن لادن والملا محمد عمر من جبال تورا بورا في العام 2001م، ومع اشتداد المعارك بعيد إعلان إستراتيجية أوباما، وظهور قوة المقاومة الأفغانية في مواجهة قوات الاحتلال لجأت قوات التحالف الغربي إلى لغة المهادنة، وسعت إلى الحوار مع المقاومة في إعلان منها عن فشلها في تحقيق الانتصار العسكري الحاسم وهنا طرح سؤال رئيسي.. مَنْ يمثل المقاومة؟
الواقع أن أغلب المقاومة ضد الاحتلال في أفغانستان في يد حركة طالبان التي كانت تحكم 90% من البلاد قبل الغزو، وتمتلك الكثير من إمكانيات المقاومة والشرعية للمقاومة، وإلى جانب طالبان يقف الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، وكذلك أتباع القائد جلال الدين حقاني، ويمكن تقسيم قوة المقاومة فيما بين هذه القوى الثلاث على النحو التالي: 80% حركة طالبان ، 15% الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار، 5% أتباع جلال الدين حقاني، بالإضافة إلى قوة تنظيم القاعدة وهي خارج النطاق الأفغاني.
كل التفكير الأمريكي انصبَّ على الحوار مع طالبان، فهي التي تشكل الخطر الأكبر على القوات الأجنبية في أفغانستان، وهي التي أسقطت في العام 2001م، وهي التي أصرت على حماية أسامة بن لادن، وهي التي كبدت القوات الأجنبية أكبر قدر من الخسائر.
وهذا ما جعل فصائل المقاومة الأخرى تفكر في مصيرها في حالة نجاح الحوار بين قوات الاحتلال وطالبان؛ ما دفع بعجلة الخلافات القديمة بين طالبان وحكمتيار إلى الأمام؛ حيث اندلعت اشتباكات بين قوات تابعة لحركة طلبان ومسلحين تابعين للحزب الإسلامي بداية الشهر الماضي؛ أسفرت عن مقتل 60 شخصًا على الأقل، وتضاربت الأنباء حينها حول سبب نشوب الخلافات فيما يبدو أنه كان محاولة من قبل طالبان للسيطرة على عدة قرى تابعة لمنطقة بغلان المركزية الخاضعة لسيطرة الحزب الإسلامي
فيما ذكرت الـ(بي بي سي) أن الطرفين اللذين ارتبطا بتحالف في فترة سابقة دخلا في صراع على النفوذ على عدة قرى، والحصول على الضرائب من سكانها، في ظل غياب تام سواء لسيطرة قوات الاحتلال.
وفي هذا الإطار جاء عرض حكمتيار بالقبول بالحوار؛ فإن كان هناك حوار ينتهي بخروج القوات الأجنبية من البلاد، فهو أولى من طالبان بحكم البلاد وتطبيق أجندته بعد كفاح قارب الثلاثين عامًا، فبعث قلب الدين ممثلين عنه إلى كابول لعرض خطة سلام تتكون من 15 نقطة تشمل المطالبة بانسحاب القوات الأجنبية من البلاد، وإن كان هذا التحرك مكسبًا أمريكيًّا بكل المقاييس، فهو لا يعد انتصارًا أو كلمة نهائية، أولاً يعرف حكمتيار خلال ثلاثين عامًا من الصراع والعمل السياسي في أفغانستان بتعدد تحالفاته، واختلافها من وقت لآخر، وتغيرها بشكل مفاجئ تبعًا لما يراه مصلحة لحزبه، وليس بعيدًا أن يكون عرضه للسلام لغرض سياسي بحت أو أن يكون رسالة إلى حركة طالبان عدوه الحليف، كما أن الأمريكيين لا ينظرون إليه باعتباره الممثل الأقوى أو الأوحد للمقاومة.
وحكمتيار في هذا الإطار يمثل قوته فقط، وعلى كل فصيل أن يتحدث باسمه وعن نفسه، وألا يتعهد بأشياء يفترض أن يقوم بها غيره، وعلى الجانب الآخر بالتأكيد خسرت المقاومة الكثير رغم ما تعلنه طالبان من أن مساعي حكمتيار لا تؤثر على المقاومة؛ فإن الحقيقة أن مجرد انسحاب حكمتيار بهذه الطريقة يؤثر تأثيرًا سلبيًّا كبيرًا على أداء المقاومة، بل ويستنزف قوتها في صراع لن يستفيد منه سوى الاحتلال.
الجبهة الباكستانية
لم يخطر ببال واشنطن أن تمتد المعارك من كابول إلى إسلام أباد، ونيودلهي عندما أقدمت على غزو أفغانستان في العام 2001م لطالما أخذت باكستان منذ نشأتها دعمًا من الغرب؛ سنوات الغزو السوفيتي لأفغانستان كان العالم الإسلامي بالكامل معسكر لصالح واشنطن في مواجهة موسكو "العدو الكافر" من وجهة نظر المسلمين، وكانت الأسلحة تنقل من ميناء بورسعيد عبر البحر الأحمر وبحر العرب إلى المحيط الهندي، وفي كراتشي الباكستانية يتم توزيعه على المجاهدين الذين يدخلون الأراضي الأفغانية الدفاع عن الأمة من غزو السوفيت.
لم تكن الحاجة الأمريكية لباكستان ماسة فقط من أجل الجغرافيا، والوصول إلى الأراضي الأفغانية البعيدة؛ لكنها أيضًا كانت مرتبطة بطبيعة العلاقة بين البلدين المسلمتين الجارتين والمشتركتين في الكثير والكثير على الصعيد الأنثروبيولوجي الدين والقومية والقبلية واللغة والتاريخ في العاشر من سبتمبر 2001م، كانت حكومة طالبان في كابول حليفًا إستراتيجيًّا لإسلام أباد وظهيرًا لها في مواجهتها مع الهند الجار اللدود، وفي اليوم التالي تحولت نفس الحكومة في نفس البلد إلى عدو يجب القضاء عليه.. رضخت إسلام أباد لكلمات جورج بوش "من لم يكن معنا فهو ضدنا".
وبغض النظر عن تفاصيل التحول الباكستاني؛ فإن خضوعها في البداية أخضعها حتى النهاية التي لم تأت بعد، وتحولت إلى جزء من أرض المعارك الدائرة، وتحولت إلى جبهة قتال، ونجحت واشنطن في تجميد الجبهة الشرقية مع الهند مع اشتعال الجبهة الشمالية والشمالية الغربية، ومع تفاقم حدة المعارك سواء على الجبهة الأفغانية أو الجبهة الباكستانية كان الحوار الإستراتيجي الإمريكي الباكستاني ضرورة لكبح جماح الحركات الإسلامية المتعاطفة مع طالبان والقاعدة.
نجحت باكستان في اعتقال الكثير من الإسلاميين المتحالفين مع طالبان أفغانستان والقاعدة، وفي توجيه ضربات قوية لطالبان باكستان؛ لكنها بالتأكيد لم تنجح بشكل نهائي رغم أنها نالت الإعجاب والإشادة الأمريكية؛ حيث تسعى إسلام أباد لتغيير عقيدة سلاح الجو الباكستاني، فبدلاً من أن تكون عقيدته القتالية موجهة ضد الهند العدو التاريخي حولت الدفة ليس إلى الشمال في أفغانستان، ولكن إلى الداخل الباكستاني؛ حيث يتم قصف القرى الباكستانية الحدودية في وزيرستان وغيرها، وهكذا تحولت العقيدة القتالية إلى سلاح الجو الباكستاني إلى ضرب الشعب الباكستاني بدلاً من ضرب أعدائه.. لكن ثمة تساؤل هام يطرح نفسه وهو؛ هل يمكن تغيير العقيدة القتالية بقرار أو أمر عسكري؟ هذا تمام هو المأزق الأمريكي فلم يعِ الأمريكيون بعد أنهم يحاربون في جبهة تعداد سكانها حوالي 205 ملايين نسمة، جلهم مسلمون متشددون لإسلامهم ولقبائلهم، وهؤلاء هم من يتشكل منهم الجيش الباكستاني الذي كانت عقيدة القتالية منذ تأسيس الدولة 1947م هي الجهاد في سبيل الإسلام لا في سبيل واشنطن.