في الفترة من 1-3 مارس الجاري (2010م) انعقدت فعاليات المؤتمر العام التأسيسي لمسلمي جنوب السودان بحضور ممثلين عن ولايات الجنوب العشر، ووسط مشاركة من علماء ومسئولين في الدول العربية والإسلامية ومنظمات المجتمع الدولي والإسلامي، وذلك في توقيت حساس يتزامن مع قُرب تصويت الجنوبيين على استفتاء تقرير المصير في يناير المقبل 2011م، وما قد ينجم من انفصال الجنوب عن الشمال!

 

إحصاءات سابقة ترجح أنهم أغلبية بين أصحاب الديانات يليهم النصارى.. وعدد مؤسساتهم يتجاوز 60 منظمةً ينقسمون إلى حركات صوفية وسلفية وأخرى حركية ذات صلة بإسلاميي السودان عمومًا.

 

أهمية هذا المؤتمر التأسيسي لمسلمي الجنوب- الذي سبق عقده في شمال وجنوب السودان عدة مرات- أنه ينعقد هذه المرة على أرض الجنوب، وأنه شهد الإعلان عن قيام المجلس الإسلامي لجنوب السودان رسميًّا؛ ليكون الممثل الرسمي الوحيد المعترف به لدى حكومة الجنوب، ليتحدث باسم المسلمين وأوقافهم وشئونهم.. والمفترض أنه سوف يرعى رسميًّا شئون كل مسلمي الجنوب الذين لا يوجد إحصاء دقيق بأعدادهم، وإن كانت إحصاءات سابقة ترجح أنهم أغلبية، ويليهم المسيحيون من حيث تعداد أصحاب الديانات، في حين أن غالبية سكان الجنوب (حوالي 60%) هم من الوثنيين.

 

وينقسم مسلمو جنوب السودان إلى حركات صوفية وسلفية وأخرى حركية ذات صلة بإسلاميي السودان عمومًا (الشمال)، ولكن التيارات الأكثر نشاطًا بينهم هي التيارات الحركية الإسلامية التي لها صلات فكرية وتنظيمية مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم في كل السودان.

 

وقبل توقيع اتفاقية سلام الجنوب عام 2005م كان غالبية إسلاميي الجنوب تابعين روحيًا للحركة الإسلامية السودانية، وبعضهم كانوا أعضاء في حركة التمرد الجنوبية السابقة (الحركة الشعبية) التي أسست بدورها مجلسًا لمسلمي الجنوب تابعًا لها؛ للإيحاء برعايتها لمسلمي الجنوب وحيادها الديني، ولكن بعد توقيع اتفاقية السلام وعدم تضمين مسلمي الجنوب فيها، بات هؤلاء المسلمون تابعين رسميًّا لحكومة (الحركة الشعبية)، والآن مع قُرب الاستفتاء واحتمالات انفصال الجنوب قرَّروا عقد مؤتمرهم التأسيسي في الجنوب، وتدشين "المجلس الإسلامي العام لجنوب السودان" ليُشرف رسميًّا على شئونهم، ويوحدهم في حال أصبحت هناك دولة جنوبية مستقلة عن الشمال.

 

مؤتمر جامع

أبرمت الخرطوم اتفاق السلام مع الحركة الشعبية الجنوبية، وقرَّرت مسودة اتفاقية نيفاشا للسلام أن تئول مؤسسات المسلمين إليهم لتدار عبر منظمات المجتمع المدني بعيدًا عن دواوين الحكومة والسياسة، على اعتبار أن اتفاق السلام نصَّ على علمانية الحكم والمؤسسات التنفيذية بالجنوب، وتم الاتفاق على عقد مؤتمر جامع للمسلمين لاختيار رئيس للمجلس الإسلامي لوحدة المسلمين في الجنوب.

 

وفي أوائل سبتمبر 2008م تم بالفعل اختيار هذا الممثل من قبل عشرات المسلمين في القاعة الكبرى بفندق هيرون بمدينة جوبا عاصمة الجنوب؛ حيث اختاروا الفريق الطاهر بيور رئيسًا لما سمي المجلس الإسلامي للسودان الجديد كجهة مجهولة من جانب الحركة الشعبية وحكومة الجنوب؛ لتنفيذ بنود الاتفاق فيما يختص بإدارة مؤسسات المسلمين التي كانت تتبع الوزارات الرسمية في الدولة، مثل الأوقاف الإسلامية، والزكاة، والحج، والعمرة، والجامعات، ودور العبادة.

 

وقد أجمعت المؤسسات الدعوية المسلمة في الجنوب في المؤتمر على اختيار بيور ليدير شئون المسلمين في هذه المرحلة لحين عقد مؤتمر جامع خلال شهر نوفمبر 2008م؛ حيث اتفق على خارطة طريق للترتيبات المتعلقة بأوضاع مؤسسات المسلمين بالجنوب، وتحويلها لمؤسسات مجتمع مدني بعيدًا عن تدخل حكومة الجنوب؛ خاصة فيما يتعلق بعمل ديوان الزكاة والأوقاف والمساجد وقضايا الأحوال الشخصية.

 

واتفق أيضًا على آلية وجسم تنفيذي لإدارة العمل والوقوف على واقع المؤسسات الدينية بالجنوب، ووضع رؤية لإدارتها، إضافة لتقديم أوراق عمل في الميراث والزواج والمحاكم الشرعية وعلاقتها بالدولة؛ خصوصًا أن عدد المؤسسات الإسلامية العاملة في الجنوب يتجاوز 60 منظمةً.

 

لجنة تسيير

 الصورة غير متاحة

 استعدادات لإجراء الانتخابات الرئاسية السودانية

ومع هذا، فقد ظلَّت صعوبات كثيرة تواجه تنفيذ تلك القرارات المتعلقة بإعادة ممتلكات مسلمي الجنوب، وحرص أفرادٌ في الجهاز التنفيذي الجنوبي الذي تهيمن عليه الحركة الشعبية على بقاء هذه المؤسسات الإسلامية في قبضتهم لمنفعتهم الخاصة؛ ما يعني بقاء المؤسسات الإسلامية تحت قبضة حكومة الجنوب، برغم أن اجتماع شريكي الحكم (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) طالب وزير الشئون القانونية بالجنوب إصدار قرار يتم بموجبه تسليم لجنة التسيير إلى مسلمي الجنوب برئاسة بيور وعضوية منقو أجاك وشيخ بيش لإدارة أوقاف المسلمين.

 

ومع قرب استفتاء تقرير المصير، برزت الحاجة لتشكيل كيان موسع موحد لمسلمي الجنوب يعبِّر عن مصالحهم، ويدير شئونهم، ويطالب بمؤسساتهم، وحضره النائب الأول لرئيس السودان رئيس حكومة الجنوب سلفاكير ميرديت كدليل على اعترافه بالمجلس ورعايته له، خصوصًا أنه مرشحٌ لرئاسة حكومة الجنوب في الانتخابات التي ستجرى في أبريل المقبل.

 

وقد حرص سلفاكير في كلمته في افتتاح المؤتمر على توجيه ما يشبه الإنذار لمسلمي جنوب السودان بأنه: يجب عدم استغلال الدين للأغراض السياسية، ولكنه أكد حرية المعتقدات بالجنوب، والتعايش الديني السائد بين مختلف الأديان بالإقليم، ووعد بدعم الكيان الجديد الذي تم إنشاؤه خلال المؤتمر، والذي يُعنى بشئون المسلمين بالولايات الجنوبية.

 

إقصاء سياسي!

المؤتمر هدف في المقام الأول لتوحيد المسلمين الجنوبيين الذين يشعرون- منذ توقيع اتفاقية سلام نيفاشا عام 2005م- بالتهميش من قبل حكومة الخرطوم في الشمال، والحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب؛ حيث أغفلت الحكومة السودانية حقوقهم في اتفاقية السلام، ما أدى لاضطهادهم وإقصائهم من الحياة السياسية، وعدم مشاركتهم في حكومة الجنوب.

 

ومع ذلك فقد جاء انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت ليشكل دعمًا جيدًا لحزب المؤتمر الوطني بزعامة الرئيس عمر البشير قبل الانتخابات العامة، وحرص بعض منتسبي الحزب على التواصل مع الإسلاميين في الجنوب- الذين كانوا يدعمون "د. حسن الترابي" بنسبة كبيرة عقب انقسام الحركة الإسلامية عام 1999م، ثم باتوا يدعمون "علي عثمان طه" نائب الرئيس البشير حاليًّا- وذلك لضمان السيطرة على المؤتمر، وتوظيفه في الانتخابات لصالح حزب المؤتمر الوطني، خصوصًا أن مصادر سودانية أفادت بأن حزب المؤتمر الوطني لعب دورًا كبيرًا في تعظيم فكرة الوحدة لدى أنصاره في الجنوب ما قد يدفع نسبةً كبيرة من الجنوبيين- وبالتبعية للمسلمين- للتصويت للوحدة لا الانفصال في الجنوب.

 

وأكد نائب رئيس اللجنة العليا المنظمة للمؤتمر العام التأسيسي لجنوب السودان المهندس الشيخ بيش أن المؤتمر يهدف إلى إنشاء مجلس يدير شئون المسلمين في الإقليم وتدريب قياداته، موضحًا أن المؤسسات الدينية في الجنوب كانت تتبع في إدارتها الدولة السودانية، إلا أن اتفاقية السلام (نيفاشا 2005م) نصَّت على ترك أمر المؤسسات الدينية للمجتمع المدني.

 

وقال خلال كلمته في افتتاح المؤتمر: إن إنشاء المجلس ضرورةٌ اقتضاها جمع الصف المسلم بعد توقيع اتفاقية السلام، علاوة على أمر إدارة الشئون الدينية في جنوب السودان، غير أنه استدرك- متأسفًا- مما أسماه البطء في تكليف من يتولى أمر الإسلام من قبل المسئولين هناك بعد ثلاث سنوات من التوقيع على الاتفاق.

 

أوراق عمل

وأوضح رئيس لجنة إعلام المؤتمر "قمر الدولة محمد سليمان"، أن هذا المؤتمر جاء لاستكمال مسيرة بدأت في عام 2006م، ولمعالجة إفرازات ما نجم عن اتفاقية السلام من فصل لمكاتب الزكاة بجنوب البلاد عن تبعيتها للدولة، مشيرًا إلى أنه بعد مداولات ونقاشات عديدة استقر رأي الشريكين في حكومة الوحدة الوطنية عام 2007م على أن تترك مؤسسات المسلمين لهم، وأن يعاد ترتيب أوضاعهم، وأن تخرج هذه المؤسسات عن إدارة الدولة، ومن ثم أنشئت لجان تسيير لتقويم المسار.

 

وأوضح الشيخ بيش أن المؤتمر ناقش أوراق عمل عن: "الإسلام في الجنوب" و"التعايش الديني مع الغير" إضافة إلى أوراق عن: الزكاة، والتعليم الديني، والحج والعمرة، والأوقاف، منهما ورقتان تفصيليتان تبحثان أحوال مسلمي جنوب السودان ومؤسساتهم الدينية.

 

قدَّم "أبو بكر دينق" الورقة الأولى بعنوان: "الدعوة الإسلامية بجنوب السودان" تناولت الفتوى المفهوم الإسلامي والأحوال الشخصية والتعايش الديني، وقدَّم المهندس "قمر الدولة محمد سليمان" الورقة الثانية بعنوان: "أثر فريضة الزكاة في الدولة" تناولت أهمية نشر ثقافة الزكاة؛ لتأكيد مبدأ التكافل الاجتماعي، والتعاضد الأخوي بين الشرائح المختلفة في أوساط المجتمعات المسلمة.

 

وجاءت الورقة الرئيسة بعنوان: "الجنوبيون المسلمون بولاية الخرطوم... اتفاق السلام وفرص الأسلمة"، وقدَّمها "عبد الله راشد"؛ حيث تناولت التعايش السلمي بولاية الخرطوم وتاريخ الإسلام في جنوب السودان في فترة ما قبل الحرب.

 

خطوة مهمة

حرصت التوصيات الختامية للمؤتمر على تأكيد ما يتطلع إليه مسلمو الجنوب من حرِّيات وحقوق مقرَّرة في الدستور القومي ودستور جنوب السودان الذي نصَّت عليه "اتفاقية نيفاشا" ورغبتهم بالمشاركة في فعاليات الأجهزة الجنوبية المختلفة المهمشين فيها، وإعادة حكومة الجنوب لمؤسساتهم الإسلامية، وتعيين الكوادر الجنوبية المسلمة كمندوبين للجنوب في العديد من المشاريع، ويبدو أن هذه ستكون خطوة مهمة على طريق الاعتراف الرسمي بحقوق مسلمي الجنوب، وفتح الطريق أمامهم للعمل بحرية ودون عوائق بعدما كانت مؤسساتهم تتعرض للنهب والاعتداء من قبل متطرفي الحركة الشعبية أو جماعات جنوبية أخرى مسيحية متطرفة.

 

فقد عانى مسلمو الجنوب كثيرًا لأكثر من سبب؛ خصوصًا في ظل انقطاع أي عون إسلامي حقيقي لهم، سواء من الحكومة السودانية؛ لعدم سيطرتها على الأرض أو المنظَّمات الإسلامية التي لا تنشط كثيرًا هناك، وبالمقابل يواجهون حملات تنصير شرسة ودورات من الاضطهاد الديني والسياسي لهم، ورغم ذلك استطاعوا الحفاظ على كيانهم وشخصيَّتهم المسلمة.

 

ويرجع جزءٌ كبيرٌ من معاناتهم للحرب المخططة والمنظمة لتكاسل مسلمي الشمال والمنظمات الإسلامية عن مشكلاتهم.. فقد كان التعليم محصورًا في الجنوب في الإرساليات التبشيرية أثناء الاستعمار، ولذلك انتشرت المسيحية بين المثقفين، كما أن تطبيق الاستعمار لسياسة المناطق المغلقة أدَّت إلى طرد أعداد كبيرة من مسلمي الجنوب، وتم تحويل العاصمة من مدينة منقلا الاستوائية إلى جوبا عام 1928م، وأنشئت العاصمة الجديدة على نمط أوروبي كنسي.. وتعرض المسلمون أيضًا للاضطهاد من جانب المتمردين الذين أحرقوا المساجد، كما حدث في قريتي أريات ومضول عام 1981م، فضلاً عن حوادث النهب والسلب والقتل.

 

وقد أدَّى ذلك لهجرة عشرات الألوف منهم نحو الشمال، خاصة نحو جنوب كردفان ودارفور، كذلك تعرض المسلمون الجنوبيون للحرمان من حقوقهم السياسية وإدارة شئون الجنوب، رغم أنهم يفوقون المسيحيين عددًا.

 

التحدي الأكبر

وبالرغم من هذا الحصار حول مسلمي جنوب السودان، فقد برز بينهم قيادات ورجال صالحون يعلِّمون القرآن وينشرون الدعوة، وقد زادتهم الصحوة الإسلامية التي عمَّت كل أنحاء العالم قوة، فبدءوا ينشطون أكثر نحو الدعوة الإسلامية، ويوحدون جهودهم حتى أنشئوا الجمعيات والهيئات العديدة؛ مثل "الهيئة الإسلامية العليا لجنوب السودان" عام 1983م، وتعاونوا مع "منظمة الدعوة الإسلامية" التي افتتحت فروعًا لها هناك، وتزايد نشاطها بقوة خلال عامي 1992، 1993م؛ حيث يوجد نحو 40 فرعًا للهيئة العليا لمسلمي الجنوب في الولايات الجنوبية.

 

ورغم تأكيد الحركة الحاكمة حاليًّا في الجنوب أن الحكم علماني لا ديني، وأن الجنوب مستثنى من القوانين الدينية، إلا أن الجنوبيين يسعون دومًا لرفع راية المسيحية هناك، ما يزيد التعصب الديني ويدفع لاضطهاد المسلمين.

 

لا شك أن مستقبل مسلمي الجنوب يواجه تحديات كبرى، لكن التحدي الأكبر لهم سيكون عند تقرير المصير، واختيار الجنوبيين للانفصال، ولهذا جاء تشكيل مجلس موحد لمسلمي الجنوب، واعتراف حكومة الجنوب به ليضمن وجود ممثل ومتحدث رسمي باسم المسلمين يدافع عنهم وعن حقوقهم.