توالت أحداث العنف في نيجيريا، ووقعت المذابح بين صفوف المسلمين والمسيحيين على أساس ديني، فبعد نحو شهرين من أعمال عنف أودت بحياة أكثر من 200 شخص أغلبهم مسلمون، تجدّدت ليلة الأحد السابع من مارس الماضي أعمال العنف في مدينة "جوس" عاصمة ولاية "بلاتو" النيجيرية التي تقع في مفترق الطرق بين الشمال المسلم والجنوب الذي تقطنه أغلبية مسيحية؛ ما أسفر عن مقتل 500 شخص معظمهم من المسيحيين.

 

وهو ما أرجعه الداعية النيجيري عبد الفتاح شيت إلى "صمت الحكومة إزاء أحداث العنف الأولى التي جرت ضد المسلمين؛ ما أدَّى لتكرار تلك الحوادث في شهر مارس المنصرم".

 

وانطلق الإمام والخطيب النيجيري من الأحداث الراهنة؛ ليستعرض واقعَ المسلمين وأحوالهم في تلك الدولة الإفريقية، التي تعد الأكبر بين دول غرب القارة من حيث تعداد السكان الذين يشكل المسلمون 50% منهم (حسب الإحصاءات الرسمية)، يليهم المسيحيون بنسبة 40%، وأخيرًا أصحاب بعض المعتقدات المحلية بنسبة 10%.

 

كما تضم نيجيريا أكثر من 250 مجموعة عرقية، وتتصدر قائمة الدول الإفريقية المصدّرة للنفط؛ ما يجعلها أرضًا خصبة لأطماع الدول الكبرى وأصحاب المصالح.. فإلى تفاصيل الحوار الذي أُجري خلال زيارة شيت للعاصمة المصرية القاهرة:

حاوره في القاهرة- صابر عيد:

* برأيك، لماذا تكررت أحداث "جوس"، وماذا عن الوضع هناك الآن؟

** الوضع الآن غاية في السوء، كما ذكرت العديد من وسائل الإعلام، فهناك مئات القتلى من الجانبين، وذلك رغم أن المدينة تخضع لحظر التجول، وحراسة من قوات الجيش منذ أحداث العنف التي وقعت في شهر يناير الماضي، وراح ضحيتها نحو 200 من المسلمين.

 

وفي رأيي أن السبب الرئيسي لتجدّد العنف ووقوع المذبحة الأخيرة هو صمت حكومة "جوس" التي لم تجرِ تحقيقًا شافيًا في أحداث الواقعة الأولى، ولم تحاسب مرتكبيها من المسيحيين؛ لأنها منحازة لجانبهم، وتدعم زيادة انتشارهم على حساب المسلمين الذين انتشروا وتزايدوا بشكل كبير في الآونة الأخيرة في المدينة.

 

* وما حقيقة ما جرى في المرة الأولى بحسب معلوماتك؟

** الحقيقة أن النصارى الذين يعيشون في هذه المدينة، ويمثلون نصف سكانها تقريبًا، هم السبب الرئيسي في تلك الأحداث التي تعود إلى محاولة مسلمي المدينة بناء مسجد في إحدى المناطق، ولكن النصارى رفضوا بناء هذا المسجد في تلك المنطقة، ولم يكتفوا بالمنع، ولكنهم قاموا بالاعتداء على المسلمين بالضرب؛ ما جعل المسلمين يدافعون عن أنفسهم، ولكن النصارى لديهم السلاح والمال؛ ما جعلهم يتفوقون على المسلمين ويقتلون منهم الكثير والكثير.

 

كما أن مدينة "جوس" تعد من المناطق الباردة في نيجيريا، ومناخها يتشابه مع المناخ الأوروبي، ما جعل عددًا من الأوروبيين يتمركزون فيها وينشئون المؤسسات التعليمية الكبرى الراقية التي يتعلم فيها النصارى فقط دون المسلمين، كأسلوب يهدف إلى تمكين النصارى في البلاد، مع دعم الأوروبيين موقف النصارى دائمًا ضد المسلمين.

 

وسبق الخلافَ حول بناء المسجد حدثٌ آخر مهّد له؛ حيث قتل أشخاص مسيحيون عمالاً مسلمين يرممون منزل أحد السكان المسلمين، فوقعت معركة بين الطرفين انتهت سريعًا، ولكنها تركت احتقانًا في الصدور ظل متأجّجًا حتى وقوع مذبحة يناير.

 

* ولماذا تتخذ حكومة "جوس" هذا الموقف؟

** للأسف الشديد، حكومة "جوس" كغيرها من الحكومات العلمانية التي تحكم المدن النيجيرية والمنحازة للمسيحيين في العديد من القضايا ضد المسلمين، فقد أمدّت هذه الحكومة المسيحيين بالسلاح والأموال بشكل سري؛ للتخلص من أكبر عدد من المسلمين وكسر شوكتهم وإذلالهم، وهو هدف دائم للحكومات العلمانية التي تتظاهر بأنها تطبّق العدل وتنصر الحق، في حين أنها لا تنصر سوى المسيحيين فقط، وهو ما أدَّى إلى سقوط أعداد لا حصر لها من المسلمين في أحداث "جوس" الأولى، في الوقت الذي لم يُقتل فيه سوى عدد قليل من المسيحيين.

 

انحياز إعلامي

* ولكن الإعلام النيجيري والعالمي تحدّث عن أن القتلى كانوا من الطرفين، وأن المسلمين كانوا سببًا رئيسيًّا في تلك الأحداث، وقتلوا عددًا كبيرًا من المسيحيين أيضًا.. فما حقيقة الأمر؟

** للأسف الشديد، ما يُقال في الإعلام عن نيجيريا بشكل عام، وما قيل عن أحداث "جوس" بشكل خاص غير صحيح بالمرة؛ لأن الإعلام النيجيري نفسه الذي ينقل عنه الإعلام العالمي غير محايد، وينصر المسيحيين على المسلمين، ويهتم بالأخبار والمعلومات التي تدعمهم، وهو ما رأيناه في أحداث "جوس" التي حاول الإعلام خلالها أن يظهر النصارى بأنهم أُضيروا مثل المسلمين.

 

وحاول الإعلام إظهار المسلمين بأنهم كانوا يمتلكون السلاح أيضًا، في حين أنهم كانوا عزلاً، وكانت الميليشيات المسيحية فقط هي التي تحمل السلاح، وأخذت تقتل المسلمين، وتمثل بهم في مختلف أرجاء المدينة.. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحكومة النيجيرية هي التي تقوم بمد الإعلام الدولي بالأخبار، وبالتالي تنتقي له الأخبار التي تخدم المسيحيين فقط.

 

* ولماذا ينحاز الإعلام النيجيري ضد المسلمين؟

** السبب الرئيسي هو أن الحكومة التي تحكم البلاد علمانية، ومعظم حكومات الولايات النيجيرية علمانية أيضًا، وإن كان بعضها يظهر في شكلها الخارجي أنها حكومات إسلامية، إلا أنها في الحقيقة بعيدة تمامًا عن الإسلام، ويتم السيطرة عليها من قِبَل الدول الأوروبية التي تنفق على الإعلام النيجيري الذي هو إعلام علماني كذلك.

 

* ولماذا هذا التمييز ضد المسلمين من قِبَل الحكومات العلمانية في نيجيريا؟

** هذا التمييز يرجع لسببين؛ أولهما: أن هذه الحكومات ليست مسلمة، وبالتالي من الطبيعي أن تتحيز ضد المسلمين، وتحاول القضاء عليهم حتى تمهد الأمور للدين المسيحي كي ينتشر؛ لأنه الدين الذي يدينون به.. والسبب الثاني: أن هذه الحكومات تأخذ معونات وأموالاً من الغرب؛ سواء كدول أوروبية أو كمؤسسات غربية تسعى إلى نُصرة النصارى على المسلمين وتمكينهم من البلاد.. وللأسف الشديد، هناك بعض الحكام المسلمين الذين تبرق أعينهم بهذه الأموال وينفذون المخططات الغربية؛ لأنهم مسلمون بلا إسلام أو مسلمون اسمًا فقط، أو تستطيع القول: إنهم "حبر على ورق"!

 

* كم عدد المسيحيين في نيجيريا حتى تكون لهم كل هذه السيطرة على البلاد؟

 الصورة غير متاحة

 ضحايا عزل قتلوا بدم بارد في مذابح نيجيريا

**
عددهم لا يتجاوز ربع عدد المسلمين في البلاد، فإذا كان إجمالي سكان نيجيريا 150 مليونًا فإن عدد المسيحيين لا يتجاوز 40 مليونًا فقط، والبقية من المسلمين- بحسب تقديره- ولكن المشكلة تكمن في أن المسيحيين يمتلكون المال الذي عن طريقه يستطيعون توسيع أنشطتهم المختلفة في البلاد، من حيث بناء الكنائس، وتعليم أبنائهم وتوظيفهم في الوظائف الكبرى.

 

كما يسيطرون على مختلف ثروات البلاد، إضافة إلى إقبالهم على التعليم منذ الاحتلال الفرنسي؛ ما جعلهم مؤهلين لتقلد المناصب العليا في الحكومات التي تحكم الولايات النيجيرية.

 

وعلى الجانب الآخر، نجد المسلمين يقفون موقف المتفرج، ويعملون في الوظائف الدنيا والخدمية، وليس لديهم المال الذي يعلّمون به أولادهم وينشرون به الإسلام.

 

* هل يتضمّن حديثك الإشارة إلى وجود أنشطة تنصيرية في نيجيريا؟

** نعم.. وأقولها بكل صراحة: إن التنصير في نيجيريا يسابق الريح، ويتم بشكل كبير جدًّا في مختلف المدن النيجيرية، وعلى رأسها مدينة "جوس" التي يوجد فيها أكبر نشاط تنصيري مقارنة بالمدن النيجيرية الأخرى، وهذا النشاط لا يقتصر على المدن التي يشكّل المسلمون أقلية فيها، وإنما ينتشر أيضًا في المدن التي يحكمها مسلمون ويشكلون غالبية سكانها.

 

والزائر لنيجيريا يلحظ هذا الأمر بشكل كبير جدًّا، من خلال العدد الهائل للكنائس التي يتم بناؤها سنويًّا، وهو ما يعكس حجم التنصير الموجود في البلاد، علاوة على المؤسسات الغربية التي تعمل في التنصير بشكل صريح، ولا يستطيع أحد التصدي لها؛ لأن الحكومات تبارك هذا الأمر من ناحية، ولا تستطيع منعها من القيام بأنشطتها حتى لا ينقطع الدعم الأوروبي عن تلك الحكومات التي تعيش على هذا الدعم.

 

ومن جهة أخرى؛ فإن تلك المؤسسات تستغل الفقر المدقع الذي يعيش فيه النيجيريون، وتقوم بسد احتياجاتهم مقابل تقديمهم بعض التنازلات، وبالتالي تظهر على أنها المخلِّص للنيجيريين من الفقر ولا يصح التصدي لها.. ورغم ذلك فإن الإسلام ما زال بخير في نيجيريا، وعدد الذين يتنصرون قليلون جدًّا رغم النشاط التنصيري الهائل؛ لأن هذا الدين له حماية من قبل المولى تبارك وتعالى.

 

ولايات المسلمين

* وماذا عن الولايات التي يحكمها مسلمون؟

** هناك ولايات يحكمها مسلمون، ولكن المشكلة تكمن في أنه مسلم اسمًا أو جسدًا وشكلاً فقط، ولا يقيم الإسلام في قلبه، وهو ما يجعله لا يخدم الإسلام بالطريقة نفسها التي يخدم بها المسيحي المسيحية.

 

والسبب في ذلك أن الحاكم المسيحي يخرج من الكنيسة، ويتم اختياره بناءً عن فهم ورغبة ودراية بما سيفعله بعد ذلك، ويشترط أن تكون لديه عصبية وحمية للمسيحية، ويسعى لخدمة أهدافها.

 

بينما الحاكم المسلم لا يخرج من المسجد، ويتم اختياره بشكل عشوائي دون معرفة حقيقة إسلامه وإيمانه واستعداده لخدمه الإسلام، وهو ما يجعله في النهاية قد يكون حاكمًا مسلمًا ولكن لديه ميولاً علمانية، ويمكن السيطرة والتأثير عليه بحفنة أموال أو بضغط من جهة خارجية، وقد يصل الأمر إلى أن يكون ولاؤه للغرب لا لبلاده ودينه.

----------

* بالاتفاق مع (المجتمع).