مع تسارع أزمة الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل، وظهور كارثة مائية في الأفق تقبل عليها مصر؛ بسبب تعنت دول المنبع ضد دولتي المصب (مصر والسودان)، برزت في الآونة الأخيرة أزمة هي الأخرى أشد من خطورة تآمر دول القرن الإفريقي المسيطرة على مياه أعالي النيل، عنوانها "هدر المياه" في مصر.

 

وتشير الإحصاءات إلى أن عدد سكان مصر عام 1910م كان يبلغ تقريبًا 11 مليون نسمة، وكان متوسط نصيب الفرد وقتها من الماء يصل إلى أكثر من 4400 متر مكعب، أما الآن في عام 2010م وبعد وصول عدد السكان إلى أكثر من 80 مليونًا انخفض متوسط نصيب الفرد إلى أقل من 700 متر مكعب!.

 

وفي ظل اتساع مساحة الفجوة بين تعداد السكان ونصيب الفرد الواحد فيها من الماء بشكل كبير، أصبحت مصر بالفعل ضمن نادي ضحايا الفقر المائي تقدره الدراسات بـ1000 متر مكعب سنويًّا؛ متزامنًا مع استمرار نسبة حصة مصر من المياه 55.5 مليار متر مكعب سنويًّا كما هي من قبل، رغم زيادة عدد السكان، وهو الأمر الذي زاد من مخاطر إهدار المياه مع عدم وجود مصادر أخرى، مع تزايد أشكال الهدر.

 

إهدار 40%

وتقدر الإحصاءات والتقارير الصادرة حجم الفاقد من المياه من مصر بنحو 40% من المياه بسبب سوء الاستهلاك، وهو ما يعادل 2.3 مليار متر مكعب سنويًّا من المياه بعد تكلفة نفقات تنقيتها ونقلها، بالإضافة إلى أن 2.5 مليار متر مكعب من المياه مهدرة سنويًّا من السد على الملاحة وتوليد الكهرباء، وبذلك يكون جملة الفاقد من مياه النيل تصل إلى حوالى 29 مليار متر مكعب، بنسبة تزيد عن 52%، ولا يتبقى للمواطنين سوى 26.5 مليار متر مكعب سنويًّا، بمعدل 350 مترًا مكعبًا فقط سنويًا للفرد!.

 

وتضيف الإحصاءات أن غسيل السيارات بـ"الخرطوم" يستهلك حوالي 300 لتر في كل غسلة، بالإضافة إلى أن غسيل أرضيات المنازل بنفس الطريقة تستهلك أكثر من 90 لترًا، بينما إذا ما تم الاستخدام بالمسح العادي فإنه يستهلك 18 لترًا، بالإضافة أن استخدام "السيفون" الحديث في المنزل يستهلك 15 لترًا، واستخدام "الدش" عند الاستحمام يستهلك 20 لترًا، بينما "البانيو" أكثر من 140 لترًا.

 

وتوضح أيضًا أن حجم إهدار الماء كبير عند تنظيف الأسنان، أو حلاقة الذقن بشكل خاطئ  يزيد من الهدر، بالإضافة إلى أن استعمال الخلاطات والحنفيات بطيئة الغلق تؤدي إلى هدر حوالي 30% من المياه المستهلكة، بالإضافة أن استخدام الغسالات القديمة يستهلك على الأقل 100 لتر من المياه، بينما الحديثة تستهلك 25 لترًا فقط.

 

الزراعة

أما الزراعة والتي تستهلك 80% من حصة مصر من المياه، فتشير الإحصاءات إلى أن الري بالغمر يهدر 6 أضعاف الري بالتنقيط، بالإضافة إلى إهدار جزء كبير آخر عن طريق التسرب والبخر، ورغم ذلك يتم إهمال النباتات التي تتحمل الجفاف كالصبار والنباتات الطبية كالزعتر، والشيح، والميرمية، وغيرها من الأصناف التي تتحمل الجفاف، والتي تستطيع أن تخفف من هدر كميات كبيرة من المياه بشكل كبير.

 

وتبين الإحصاءات أن محطات المعالجة، والتي يوجد بها طحالب في مروقات الماء من العوادم؛ يتم غسلها بكميات كبيرة من المياه تمثل فاقدًا يقدر بحوالي 10%، بالإضافة إلى أن الأجهزة المنزلية الموجودة داخل الحمامات والمطابخ تهدر حوالي 3 أمتار مكعبة داخل كل منزل؛ ما يصل إلى 500 مليون متر مكعب سنويًّا.

 

وأثبتت التقارير أن المياه التي تخرج من المحطات لشبكة النقل والتوزيع الممثلة في مواسير المياه من أكبر الموارد التي تعمل على هدر المياه؛ حيث يتسبب الضغط على الشبكات انفجارًا في تلك المواسير بمعدلات متقاربة كل عدة أشهر تضيع معها عشرات آلاف الأمتار المكعبة من المياه، وأن كل 12 ملعب جولف في مصر تكفي احتياجات 180 ألف نسمة من المياه.

 

وأكد خبراء أن الحكومة المصرية تتعمد إهمال الكثير من الوسائل التي من الممكن أن تساعد على الاقتصاد في المياه وتقليل الفاقد منها، وذلك من خلال الترشيد في استخدام مياه (السيول، والأمطار، والخزانات)، بالإضافة إلى إزالة ملوحة مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف، وتطهير المجاري المائية، وتقليل البخر، والتخزين في البحيرات، واستخدام الطاقة الشمسية والنووية.

 

رفاهية!

 الصورة غير متاحة

زكريا الجنايني

   من جانبه، يقول النائب زكريا الجنايني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الزراعة والري بمجلس الشعب: إن ترشيد استهلاك المواطنين للمياه من الممكن أن ينتشل مصر من "وحل" الأزمة المائية بقدر كبير، مؤكدًا أن المساعي الخارجية لمصر لحل الأزمة مع دول حوض النيل لا بد أن يلازمها ترشيد استهلاك داخلي، حتى لا يتم التوريد من جهة والهدر من الناحية الأخرى.

 

وقال لـ(إخوان أون لاين): إن الحكومة استطاعت أن تهدر كل ثروات مصر بما فيها أخطر مورد وهي المياه، وتقوم بتصديرها وبيعها بأبخس الأسعار من خلال تصدير القمح والأرز وغيرها من المحاصيل التي تستهلك كميات ضخمة من المياه.

 

ويوضح أن الحكومة أضاعت مياهًا منذ ما أن أهملت علاقتها مع دول المنبع في حوض النيل، في ظل توغل صهيوني مستفحل، محذرًا من نشوب حرب مياه خطيرة في المستقبل، ليست بين دول النيل فحسب، بل على النطاق الداخلي بين مواطني الدولة الواحدة نتيجة ندرة المياه.