كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن تحركات وجهود عربية ومصرية جديدة تجاه ملف المصالحة الفلسطينية على أمل إنهاء الانقسام وتوحيد شطري فلسطين، في حين يرى مراقبون ومختصون أن تلك الجهود لن تُكلَّل بالنجاح في ظلِّ تمسك حركة فتح بشروط الرباعية، وتعنُّت الموقف المصري تجاه توقيع حماس على الورقة أولاً.
يأتي ذلك فيما جدَّدت حركة حماس تأكيد جاهزيتها للمصالحة الفلسطينية، مشددةً على أنها لم تلمس أية جدية في خطاب رئيس السلطة محمود عباس.
وكان محمود عباس قد دعا- خلال كلمةٍ له في افتتاح الدورة الثالثة للمجلس الثوري لحركة فتح حماس- إلى إعادة التفكير من جديدٍ حول بعض بنود مبادرة مصر, مشيرًا إلى أنه وفي حالة التوقيع سيقوم برعاية الحوار بشكلٍ شخصي.
وأكدت حماس أن ملف المصالحة ما زال يراوح مكانه، نافيةً ما تتحدث به وسائل الإعلام العربية والمحلية عن حدوث أي جهودٍ جديدة في هذا الشأن، ووافق مراقبون ومحللون على ما ذهبت إليه حماس، مؤكدين أن الحالة السياسية لَمْ ولَنْ تتغير.
وتتبادل كلٌّ من حماس وفتح الاتهامات والمسئولية عن جمود المصالحة في وقتٍ يرزح فيه الفلسطينيون تحت الحصار وضربات الاحتلال، وتطالب فتح حركة حماس بالتوقيع على المصالحة ببنودها الحالية ودون أي تعديلٍ في حين ترفض حماس، مؤكدةً أن بنود ورقة المصالحة الحالية التي تتمسك بها القاهرة تخالف ما تمَّ الاتفاق عليه.
وقال الناطق باسم حماس سامي أبو زهري: "إن المصالحة ليست شعارات وليست توقيعًا على ورق، وإنما هي إجراءات وممارسات".
وأضاف أبو زهري في تصريح لـ(إخوان أون لاين): "إن ممارسات عباس على الأرض تؤكد عدم جديته، وهذا واضح من خلال استمرار حالة الاعتقالات والمحاكمات لأبناء الحركة على خلفية قضايا اعتقلوا عليها في سجون الاحتلال".
وأكد أبو زهري أن خطاب عباس يعكس أنه يتعامل مع الورقة المصرية بانتقائية؛ فهو يريد انتخابات رئاسية وتشريعية، بينما يتجاهل انتخابات المجلس الوطني "منظمة التحرير"، وهو ما أقرته الورقة المصرية.
وأكد حرص حركته على تحقيق المصالحة، لافتًا إلى أن ذلك بحاجةٍ إلى تهيئة الأجواء والمناخات اللازمة له، والبحث عن آلية لأخذ ملاحظات "حماس" بعين الاعتبار.
سامي أبو زهري

واعتبر المتحدث أن إثارة عباس لقضية المصالحة بهذه الطريقة؛ يهدف إلى التغطية على تحضيرات جاهزة لاستئناف المفاوضات بين "فتح" والاحتلال، وأضاف: "كان عباس واضحًا في تصريحاته وتأكيده الحرص على الحوار مع كلِّ القوى السياسية الصهيونية واليهودية في العالم، ونحن نفهم هذه التصريحات بأنه إعلان منه بالقبول بالعودة للتفاوض مع الاحتلال".
من جهةٍ أخرى كشفت مصادر فلسطينية عن فشل الجهود القطرية في تحقيق إنجاز إيجابي على صعيد المصالحة الفلسطينية الداخلية؛ وذلك بسبب تشدُّد حركتي "فتح وحماس" المتنازعتين على موقفيهما من ملف المصالحة.
وقالت المصادر المطلعة: "إن قطر أبلغت الجانب المصري برسالةٍ رسمية، بعثتها مؤخرًا لمصر، تحدثت فيها عن عقبات كبيرة واجهتها خلال رعايتها للمصالحة، وصعوبة تقريب وجهات النظر بين الحركتين المتنازعتين.
وأوضحت المصادر أن الرسالة القطرية تطرقت إلى الضغوط الخارجية التي تتعرض لها كلٌّ من حركتي "فتح وحماس"، وتمسكهما بأفكارهما "المتباعدة" لإنجاز المصالحة، وعدم حصولها على أي تنازلٍ من الطرفين.
ورجحت المصادر انسحاب قطر من خط المصالحة الفلسطينية الداخلية، مشيرةً إلى أن قطر طالبت بتدخلٍ عربي قوي ومؤثر لتحقيق اختراقٍ إيجابي على ملف المصالحة الفلسطينية، فيما أكدت ذات المصادر "وجود ضغط عربي لتحويل ملف المصالحة الفلسطينية إلى جامعة الدول العربية لرعايته بشكلٍ جدي وقوي، وفضح الطرف المعيق لإنجازها.
الكاتب والمحلل السياسي عبد الستار قاسم استبعد لـ(إخوان أون لاين) حدوث أي انفراجٍ على صعيد المصالحة قائلاً: "لم يطرأ شيءٌ جديدٌ حتى نتوقَّع تغييرًا، ربما تكون الأمور في الأسبوعين الماضيين نشطت؛ ما سيخفف التوتر بين فتح وحماس، ولكن لا أظن أننا على أبواب اتفاق".
مصطفى الصواف

في حين أكد المحلل السياسي مصطفى الصوّاف أن الحالة السياسية لن تتغير، مضيفًا: "إن بقي موقف مصر ثابت ولم تأخذ بملاحظات حماس على الورقة المصرية أو إلحاقها بورقة ملاحظات سيستمر الوضع كما هو".
في حين رأى المحلل السياسي حسن عبدو أن ما يجري من جهود عملية لإتمام المصالحة هو مجرد حديث إعلامي وليس له أساس في الواقع, قائلاً: "لا يوجد تطور إيجابي، ولا جديد من شأنه أن يُشكِّل منعطفًا حقيقيًّا في المصالحة".
وطالب محمود عباس أمس حركة حماس بالتوقيع على ورقة المصالحة ببنودها الحالية ودون أي تغيير، مشيرًا إلى استعداده لرعاية الحوار.
وقال مراقبون: إن خطاب عباس ودعوته لم يأت بجديد وتكرار لمواقف سابقة، وقال الصواف: "خطابه تكرار للمواقف السابقة, إلا أنني أجد فيه اعترافًا من قبله بأن هناك ملاحظات إلا أنها أمور جانبية وصغائر لكنها تعطي مؤشرًا جيدًا".
ويضيف الصواف: "خطاب عباس عن المصالحة يحمل إصرارًا واضحًا على شرط التوقيع على الورقة كما هي دون وجود ملاحظات, فطلب التوقيع كان النقطة الأساسية التي انطلق منها رغم الادعاءات التي تحدث عنها عن موقف حماس بأنها لا ترد المصالحة وغيرها".
في حين اعتبر المحلل السياسي خليل شاهين خطاب عباس عن المصالحة ناقصًا, قائلاً: "فهو لم يتطرق لقضية إعادة بناء منظمة التحرير على قاعدة الانتخابات، ولم يتحدث عن الإجراءات المطلوبة لاستعادة الوحدة، فالانتخابات ليست مجرد انتخاب شخص ما بل يجب أن تأتي كمحطة تتوج الإجراءات والجهود لإعادة الوحدة".
ويوضح الصواف أن الغريب في خطاب عباس إقراره بأنه لا مصالحة فلسطينية إلا بالاعتراف بإسرائيل, قائلاً: "عباس يكرر السيناريو التي تطالب به الرباعية الدولية والإدارة الأمريكية وبعض رؤساء العرب في الفترة الأخيرة عند حديثهم مع حماس للضغط عليها لإقناعها بالتوقيع".
![]() |
|
د. صلاح البردويل |
واعتبر البردويل خطاب عباس عن المصالحة نوعًا من تقزيم الآخر, قائلاً: "عباس طرف يقود الأقلية الفلسطينية (وهي فتح) مقابل الأكثرية (حماس) مظهرًا نفسه كأنه الراعي لحوار وطني يجمع الفصائل, ونحن نرفض تلك الرعاية".
وتابع: "مستعدون للدخول في حوار وطني كشركاء على قاعدة الثوابت، وليس حل الدولتين والاعتراف بإسرائيل فهذه اللغة أجدر من لغة التهكم والتخوين.
وختم المحللون بتأكيدهم أن الوضع الجديد في غزة لن يعود لسابق عهده.
