يحيي العمال في جميع أنحاء العالم عيدهم في الأول من مايو سنويًّا، بينما يحيي العمال الفلسطينيون هذا اليوم بأسلوبهم الخاص، خاصةً عمال غزة في ظلِّ ما يعانونه من ظروف معيشية قاسية.

 

ويعتبر عمال غزة اليوم ذكرى مؤلمة تمرُّ عليهم بعد أن فقدوا مصدر دخلهم منذ ما يزيد عن تسع سنوات منذ انطلاق شرارة انتفاضة الأقصى، دون أن يلتفت إليهم أحد في انتظار مساعدة أو العمل ضمن صفوف دورات البطالة هنا أو هناك، ومع مضي الأيام يبقى الفقر والقهر السمة الغالبة على ما يزيد عن 227 ألف شخص في ظل مستقبل مجهول.

 

وتمنى العامل زكي محمود من سكان شرق غزة عودة الأيام الخوالي للعمل في أرضه التي تبلغ مساحتها ثلاث دونمات تقريبًا، بدلاً من الجلوس 10 أعوام داخل منزله عاطلاً عن العمل، يرمقه أبناؤه بعين الحسرة، فجيوبه تشكو القلة منذ منع العمال من العمل من جرَّاء الإغلاقات الصهيونية.

 

وكان محمود يعمل في أرضه بالزراعة، ويعيش هو وأسرته من إنتاجها لسنوات طويلة توقف بعدها عن الزراعة لحاجة الأرض إلى عناية ومتابعة، وأضاف لـ(إخوان أون لاين) أن الحصار وإغلاق المعابر أدَّى إلى خلو الأسواق من المواد المستخدمة في الزراعة من سماد وأدوية.

 

وما يزيد من معاناة محمود وسواه من عمال غزة استغناء سلطات الاحتلال عنهم كليًّا، بعد أن استعاضت عنهم بالعمالة الخارجية كالهنود والتايلنديين والصينيين والروس، للعمل في قطاعات البناء والزراعة والصناعات غير التقنية.

 

ولم يكن العامل محمد سكر أحسن حالاً؛ حيث يعيش أوضاعًا اقتصادية في غاية الصعوبة ويعيل أسرة مكونة من 12 فردًا جُلَّهم يتعلمون في المدارس والجامعات وتعيش معه والدته المريضة، والذي كان قبل اندلاع انتفاضة الأقصى يعمل ميكانيكي سيارات داخل الخط الأخضر، ويتقاضي أجرًا مرتفعًا، ولكن نتيجة أحداث الانتفاضة ومنع الجانب الصهيوني للعمال من العمل داخل الخط الأخضر أصبح دون عمل منذ 9 سنوات.

 

ويشعر العامل سكر بالأسى والحزن والألم لما آلت إليه ظروف العمال، وهو واحد منهم، ويتابع وعلامات وجهه تدلل على هذه المأساة، موضحًا أنه نتيجة وضعه الأقتصادي ونظرًا لعدم استطاعته توفير مصاريف التعليم الجامعي لأولاده أجلس بعضًا منهم بالرغم من تفوقهم.

 

ويشرح سكر لـ(إخوان أون لاين) والذي يعتبر مثالاً حيًّا لآلاف العمال المتعطلين عن العمل في قطاع غزة، ويعيشون أوضاعًا في غاية الصعوبة والقسوة، ولا أحد ينظر إليهم، مؤكدًا أنه يتمتع بصحة جيدة، وهو يقدر على العمل، ولكن لا يوجد عمل في غزة.

 

 الصورة غير متاحة

مطالبات محلية وعالمية تطالب بفك الحصار عن قطاع غزة

وتلقى العمال ضربةً قاسمةً نتيجة الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أربع سنوات؛ حيث توقفت جميع الأنشطة الاقتصادية عن الإنتاج نتيجة إغلاق جميع المعابر المؤدية لقطاع غزة وعدم سماح قوات الاحتلال بدخول المواد الخام اللازمة لتشغيل المصانع.

 

وأتت الحرب الأخيرة على قطاع غزة لتدمر ما تبقَّى من القطاع الصناعي والتجاري والزراعي؛ مما أدَّى إلى زيادة عدد العمال العاطلين عن العمل نتيجة تدمير المصانع والشركات التجارية وتجريف الأراضي الزراعية وهدم المئات من مزارع تربية الدواجن وضرب سوق الثروه الحيوانية والسمكية.

 

وبلغ عدد العاملين في القطاع الصناعي قبل الحصار 35,000 عامل، وانخفض بعد الحصار عدد العاملين في القطاع الصناعي ليصل إلى أقل 1400 عامل في مختلف القطاعات الصناعية؛ حيث أغلقت 96% من المنشآت الصناعية والبالغ عددها 3900 منشأة قبل الحصار نتيجة عدم توفر المواد الخام وباقي المنشآت التي استمرت في العمل تعمل فقط بطاقة إنتاجية لا تتجاوز 15% في مجال الصناعات الغذائية.

 

وتأثَّرت القطاعات الصناعية الأساسية؛ حيث تم إغلاق  ما يزيد عن 500 مصنع ومنجرة للاثاث، وفقدان أكثر من 5000 عامل عملهم, وإغلاق نحو 600 مصنع وورشة خياطة، وتعطُّل نحو 15 ألف عامل, وتعطل عن العمل نحو 5000 عامل يعملون في قطاع الصناعات المعدنية والهندسية.

 

كما تم إغلاق جميع المصانع بمنطقة غزة الصناعية وتعطل نحو 2500 عامل عن العمل كانوا يعملون لدى تلك المصانع، والتي كانت تعتمد على تصدير منتجاتها للخارج، ونتيجة لعدم دخول مواد البناء وتوقف الصناعات الإنشائية فقد نحو 3500 عامل وموظف عملهم بقطاع الصناعات الإنشائية، كما تعطَّل عن العمل جميع مَن يعملون في قطاع البناء والقطاعات المساندة له، وشركات المقاولات في قطاع غزة.

 

وتوقفت جميع مشاريع البناء والتطوير التي تنفذها الأونروا والمؤسسات الدولية، والتي تشكل مصدر دخل لما يزيد عن 121 ألف شخص، وتعتبر مصدرًا حيويًّا للوظائف في سوق غزة الذي يعاني من البطالة والفقر.

 

من جانبه كشف وزير العمل في الحكومة الفلسطينية  أن نسبة الأُسر تحت خط الفقر بلغت 80% من عدد سكان القطاع، ومقياس خط الفقر هو ألا يقل متوسط دخل الأسرة الشهري عن 400 دولار؛ لذلك يصبح كل المجتمع الفلسطيني تحت خط الفقر بسبب الغلاء المرتفع وارتباط الاقتصاد الفلسطيني باقتصاد الاحتلال.

 

واعتبر أن أكثر الفئات تضررًا هي شريحة العمال، وبلغ عدد المتعطلين من العمل ما يقرب من 150 ألف عامل؛ أي ما نسبته 80%، وهو عدد كبير يضم مَن عمل في الأراضي المحتلة عام 48 وخريجي الجامعات غير الحاصلين على عمل، ويرجع ذلك إلى سياسة العدوان والحصار.

 

وأكد الكرد في تصريحٍ لـ(إخوان أون لاين) أن الحصار الصهيوني الجائر ضد قطاع غزة أدَّى إلى حرمان 150 ألف عامل من أبسط حقوقهم، مشيرًا إلى أنه في اليوم الأول الذي يرفع فيه الحصار ويسمح بدخول المواد الخام، ومواد البناء، والإسمنت، والحديد، ومواد البنية التحتية النجارة والحدادة سيعود 50 ألف عامل لأعمالهم".

 

وأوضح الوزير الكرد وبمناسبة اليوم العالمي للعمال، أنهم يتواصلون مع الدول العربية ومع مؤسسات غير حكومية في هذه الدول، موضحًا أن هناك استجابةً من قِبل هذه المؤسسات  في دعم العمال.

 

 الصورة غير متاحة

إسماعيل هنية

وأكد أن الحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية لن تبخل بالجهد على الطبقة العاملة التي تتعرض لمحنة شديدة، وأنها تحاول جاهدةً تخفيف الأعباء الاقتصادية والمعيشية الجمة التي يرزحون في ظلها، بفعل إجراءات الاحتلال القمعية وأشكال الحصار السياسي والاقتصادي الذي فُرض على الشعب الفلسطيني.

 

وأشار الكرد إلى أن الحكومة تعمل على إنقاذ الطبقة العاملة من خلال برنامج التشغيل المؤقت للآلاف منهم، وعبر المساعدات المادية التي طالت عشرات الآلاف منهم في الآونة الأخيرة، وقال إن ذلك "يأتي في إطار سلسلةٍ من الإجراءات والخطوات التي تتخذها الحكومة لإسناد ومساعدة الطبقة العمالية بكل السبل والإمكانات المتاحة".

 

واستنكر الحرب الشرسة الموجهة ضد العمال الفلسطينيين ومحاربتهم في لقمة عيشهم، مستنكرًا كذلك السلوك المصري بشأن ضخ الغاز السام داخل نفق على الحدود، والذي أودى بحياة أربعة مواطنين وإصابة عدد آخرين.

 

ودعا مصر إلى اتخاذ قرار جرئ بكسر الحصار الجائر عن الشعب الفلسطيني بدلاً من التضييق عليه، والمبادرة إلى فتح معبر رفح لإدخال المواد الخام وكافة المواد الأساسية اللازمة لتشغيل القطاع الاقتصادي والصناعي؛ لإنقاذ الشعب الفلسطيني المحاصر وشرائحه من الكارثة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها.

 

كما دعا الكرد الأمم المتحدة إلى تحمل مسئولياتها الطبيعية تجاه الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والدفع باتجاه رفع الحصار الظالم عنه، وممارسة الضغوط الحقيقية التي تكفل قيام الاحتلال بفتح معابر قطاع غزة كافةً أمام حركة البضائع الفلسطينية دون أي اشتراطات أو قيود، ليعود العمال إلى أعمالهم ويعملوا بشكل مشروع.

 

وناشد الوزير الفلسطيني كافة المؤسسات الحقوقية والمجتمعية، العربية والإسلامية والدولية، القيام بأوسع حملة إغاثة للقطاع العمالي الفلسطيني الذي يعاني الأمرين، وتقديم الدعم والمساندة للتخفيف من المعاناة التي يعانون منها بفعل الحصار والحرب.

 

كما ناشد الشعب الفلسطيني "الصابر" إبداء أقصى درجات التكافل والمؤازرة والمواساة، لإفشال أهداف الحصار الجائر، والتخفيف من حدة وآثار المعاناة والحصار الظالم.

 

من جهتها قالت "جبهة العمل النقابي التقدمية" في بيانٍ لها بمناسبة الأول من (مايو) "عيد العمال العالمي": إن استمرار اتساع ظاهرة البطالة والفقر في أوساط عمالنا وفقراء شعبنا يدفع بهم إلى العمل في ظروف وأوضاع غير إنسانية تعرضهم لكل أشكال القهر والاضطهاد والعنصرية.

 

 الصورة غير متاحة

 قوات الاحتلال الصهيوني تعيث في الأرض فسادًا

وأشارت الجبهة في بيانٍ وصل لـ(إخوان أون لاين) إلى أن 33 عاملاً قد تعرضوا للقتل عام 2009م من قِبل قوات الاحتلال، كما اعتقل أكثر من 6000 عاملاً تهمتهم الوحيدة البحث عن عمل، إضافةً إلى كل أشكال التنكيل والإهانة التي يتعرض لها أكثر من 70 ألف عامل فلسطيني من الضفة يعملون داخل الخط الأخضر والمستوطنات يوميًّا على المعابر والحواجز.

 

وأضافت الجبهة في بيانها أنه في الوقت الذي يتعرض فيه العمال الفلسطينيون داخل المنشآت والمؤسسات المحلية إلى الاستغلال في ظل ضعف تطبيق الأنظمة والقوانين والرقابة عليها وعدم وجود حد أدنى للأجور والحماية من البطالة والفقر فقد انتشرت ظواهر العقود الموقتة، والعمل بالمياومة وتدني الأجور وحرمان العمال والعاملات من العطل الأسبوعية والإجازات والتمييز في العمل بين المرأة والرجل من حيث الأجور وطبيعة العمل واتساع حوادث وإصابات العمل، إضافةً إلى ما يعانيه عمال قطاع غزة بشكلٍ خاص من ارتفاع نسب البطالة؛ الأمر الذي دفع بعضهم للعمل في أنفاق الموت والذل أو في أعمال الحجارة القاسية لتوفير لقمة العيش لهم ولأطفالهم.

 

وشددت "الجبهة" على ضرورة إنهاء حالة الانقسام والعودة إلى الاحتكام لجماهير شعبنا في اختيار ممثليهم عبر صناديق الانتخاب، بدءًا بالهيئات المحلية وانتهاءً بالتشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل.

 

وأكدت ضرورة استمرار كافة أشكال النضال الوطني ضد الاحتلال واستنهاض المقاومة الجماهيرية الشعبية الشاملة، في الدفاع عن الأرض والهوية الوطنية.

 

وأشارت الجبهة إلى "أهمية النضال الدءوب لربط دعم الاستثمار والقطاع الخاص بدعم العمل والعمال وحماية حقوقهم، من خلال وضع سياسات وآليات حقيقية لمعالجة البطالة والفقر وانتهاج سياسات متوازنة في توزيع مصادر الدخل وتأمين فرص عمل للعاطلين عن العمل وتأسيس صندوق للحماية والتكافل الاجتماعي، ووضع حد أدنى للأجور وإنصاف العاملين عبر تطبيق الأنظمة والقوانين بشكل متساوٍ وعادل".

 

وطالبت "الجبهة" بالعمل على "إعادة صياغة وبناء الحركة النقابية وفق أسس وثوابت وطنية وديمقراطية تبدأ بتأكيد الهوية الوطنية للحركة النقابية وتمسكها بأهداف وثوابت شعبنا الوطنية ودورها المتقدم في مناهضة كل أشكال التطبيع، والمساهمة الفعالة في حملات مقاطعة دولة الاحتلال العنصرية وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، مرورًا بالتأكيد على إعادة بناء الاتحادات والنقابات العمالية على أسس الديمقراطية والمساءلة والمحاسبة وضمان مشاركة القواعد العمالية في إدارة وقيادة العمل النقابي، بعيدًا عن عقلية الاستئثار والتفرد والفئوية التي تحكم الاتحادات والأجسام النقابية".

 

وطالبت "الجبهة" بوقف انتهاك حقوق المواطنين بسياسة فرض الضرائب والجباية المتلاحقة بحقهم بدلاً من التخفيف عن كاهلهم في ظل الارتفاع المتواصل لمعدلات الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار.