في مشهد أعاد إلى الأذهان الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م؛ حيث كانت التحركات الجماهيرية الواسعة على أشدها وما صاحبتها من مواجهات بالحجارة وإضرابات تجارية متواصلة، ورفض دفع الضرائب ومقاطعة للمنتجات الصهيونية.
واليوم يتكرر المشهد ذاته؛ حيث استجمع الفلسطينيون قواهم، وأعلنوا عن حملة متواصلة لمقاطعة المنتجات الصهيونية، ترافقت مع مشاركة مئات المتطوعين من الشبان والفتيان الذين أخذوا على عاتقهم مهمة طرق كل باب من منازل المواطنين لحثهم على المشاركة في المقاطعة.
عشرات الشبان المتحمسين للفكرة ارتدوا قبعات وقمصان خاصة بالحملة، وحملوا الملصقات التي تدعو إلى مقاطعة البضائع الصهيونية، بالإضافة إلى منشورات أخرى تبيَّن المنتجات الصهيونية والبديل المحلي عنها، كما تزامنت المقاطعة مع حملة ترويجية وإعلانية عبر لوحات جدارية ضخمة، وضعت على مختلف شوارع الضفة الغربية، هذا بالإضافة إلى الندوات والمحاضرات التثقيفية في المدارس والجامعات وعبر وسائل الإعلام المحلية والمسيرات والمظاهرات.
وبالرغم من العمر الزمني القصير للحملة، إلا أنها بدأت تؤتي أكلها وتلقي بظلالها على الاقتصاد الصهيوني، فقد تسببت المقاطعة في إغلاق ما لا يقل عن 17 مصنعًا، هذا بالإضافة إلى خسائر تقدر بملايين الدولارات شهريًّا، كما تواجه مصانع أخرى خطر الانهيار بسبب الأضرار الاقتصادية الكبيرة، ويطمح القائمون على الحملة أن تستمر المقاطعة وتشتد خلال الأشهر المقبلة؛ لتشمل عزوف أكثر من 10.000 آلاف عامل فلسطيني عن التوجه إلى المستوطنات الصهيونية للعمل فيها.
ويرى العديد من المراقبين أن هذه الخطوة تأتي في محاولة لانعتاق الاقتصاد الفلسطيني عن نظيره الصهيونية الذي يعتبر الأراضي الفلسطينية ثاني أكبر سوق لتصريف منتجاته بعد السوق الأمريكي؛ حيث يستهلك المواطن الفلسطيني سلعًا صهيونية تبلغ قيمتها 500 مليون دولار سنويًّا.
وتفيض الأسواق الفلسطينية بمئات الأصناف الصهيونية؛ ابتداءً بالبسكويت والمثلجات والمواد الغذائية والألبان والمنتجات الزراعية والتمور، مرورًا بمواد التنظيف والدهانات والأصباغ، وانتهاءً بالأدوات الكهربائية والأبواب ونوافذ الألومنيوم وخدمة الهاتف الخلوي.
كما تهدف حملة المقاطعة أيضًا إلى تشجيع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف التجارة مع الشركات العاملة في المستوطنات التي يعتبرها القانون الدولي غير مشروعة، كما تحرص الحملة على تسويق المنتج الفلسطيني المحلي.
منسق حملة مكافحة المنتجات الصهيونية "محمد أرشيد" أكد أن هذه الحملة هي شعبية بالأساس، وهي تهدف لمقاطعة البضائع الصهيونية، مشيرًا إلى أن الحملة ستتصاعد خلال الفترة المقبلة، وستشمل فعاليات أخرى كحملةٍ من "تاجر إلى تاجر"؛ وهي حملة تهدف إلى دعم وتطوير المنتج الوطني، كما ستسعى الحملة إلى تسهيل استيراد البضائع العربية من الدول المجاورة.
فتوى وحرمة
![]() |
|
الشيخ تيسير التميمي |
ويتفاعل الشارع الفلسطيني مع تلك الحملة بشكل إيجابي؛ حيث أشار "حسان النمر" صاحب متجر في مدينة نابلس إلى أن المواطنين بدءوا يقاطعون المنتجات الصهيونية، ويستبدلونها بأخرى محلية، وخاصةً الألبان والأجبان التي مصدرها شركة "تنوفا" الصهيونية.
وقال "النمر" لمراسل (إخوان أون لاين): يوجد العديد من شركات الألبان الفلسطينية في الضفة الغربية كشركة "الصفا" و"الجنيدي" و"بينار"، ومنتجات هذه الشركات تضاهي بل تتفوق على جودة منتجات شركة "تنوفا"، وعبّر "النمر" عن ارتياحه ودعمه لتلك الحملة؛ كما طالب بضرورة مواصلتها عبر سياسية تتسم بالنفس الطويل، وألا تقتصر على فترة معينة ومن ثم تنتهي.
المنتج التركي بدل الصهيوني
المواطن "أحمد عيسى" استوقفناه على مدخل أحد متاجر الألبسة، وسألناه عن رأيه في حملة المقاطعة؛ فقال: إنه مع هذه الحملة شريطة أن يكون للمنتج الصهيوني بديل محلي أو عربي، وامتدح "عيسى" المنتج التركي، خاصةً الملابس والفرش المنزلي والستائر والأدوات الصحية كونها تشكل بديلاً مقنعًا، وذو جودة عالية وسعر معقول، كما أبدى "عيسى" ارتياحه عند شرائه المنتج التركي؛ نظرًا للمواقف التركية الداعمة للقضية الفلسطينية.
الصهاينة غاضبون
حملة المقاطعة تلك أثارت حفيظة وحنق الصهاينة الذين عبروا عن غضبهم، فمنهم من وصفها بالأعمال (العدائية) التي تستوجب الرد، وآخرون دعوا إلى مصادرة أموال الفلسطينيين، كما وصفها آخرون بـ"بحملة الكراهية".
وقال موقع (يديعوت أحرونوت) الصهيوني على شبكة الإنترنت إن المستوطنين في الضفة الغربية شرعوا بتنظيم أنفسهم لمواجهة حملة المقاطعة، وصرَّح بعضهم بأن (قرار المقاطعة سينفجر في وجه الفلسطينيين)، وتُجند عشرات المستوطنين؛ لمواجهة قرار المقاطعة الفلسطيني، وذلك عبر موقع "صهيوني" مختص بنشر الصهيونية؛ حيث قام الموقع بترجمة الكتيب الذي وزَّعته الحملة، والمتضمن أسماء البضائع الصهيونية، ووزعوا الكتيب على آلاف الأشخاص عبر البريد الإلكتروني والـ(فيس بوك) ضمن حملة مضادة شعارها "لن نستسلم لهم".
كما أطلق المواطنون الفلسطينيون داخل الـ(48) حملة لمقاطعة البضائع الصهيونية في خطوة لإظهار التضامن مع الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، واتخذ منظمو الحملة من مدينة "أم الفحم" كبرى البلدات العربية في الداخل الفلسطيني مقرًّا لها، وأوضح "سليمان إغبارية" رئيس حملة المقاطعة في البلدات العربية بالكيان الصهيوني أن أكثر من 30 منظمةً وعشرات المتاجر في الداخل تبنت المقاطعة ورفعت شعار: "أنا مقاطع والرزق على الله...".
