كشفت الأيام القليلة الماضية عن كذب الكيان الصهيوني في ادعائه تخفيف الحصار المفروض على قطاع غزة المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات والذي تسبب في تفاقم معاناة سكان قطاع غزة خاصة بعد عملية الرصاص المصبوب الصهيونية على القطاع خلال عامي 2008م و2009م.

 

التصريحات المتتالية للحكومة الصهيونية أكدت وجود تضارب في وجهات النظر بين وزرائها حول كيفية تطبيق الحصار الذي كشف عن وجود تواطؤ عربي وفلسطيني وغربي لاستمرار فرضه على سكان غزة.

 

وكان آخر ما وصلت إليه الحكومة الصهيونية أو بالأخص المجلس الوزاري الأمني الصهيوني المصغر هو رفع ما يسمى بالحصار المفروض على المدنيين في غزة وتحويله فقط إلى حصار أمني على حكومة حركة المقاومة الإسلامية حماس وفصائل المقاومة الأخرى.

 

واعتبر المجلس الوزاري الصهيوني المصغر أن السماح بدخول الأطعمة والمأكولات يعد تخفيفًا للحصار في حين تجاهل هذا المجلس أن قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة جزءان لا يتجزآن من أرض فلسطين الذي حال الحصار بين تواصل سكانهما، كما تجاهل المجلس معاناة عمال غزة وأزمة المياه والصرف الصحي والكهرباء والوقود والصحة وغيرها الذي قضى عليهم الكيان بفعل حصاره الذي ساعده في تنفيذه أطراف عربية وفلسطينية لها دوافع سياسية بهدف إسقاط حركة المقاومة الإسلامية حماس التي فازت بتشكيل الحكومة الفلسطينية بعد فوزها في انتخابات تشريعية شهد العالم بنزاهتها عام 2006م وهو بالطبع ما أغضب الأنظمة الاستبدادية في المنطقة والتي لا تحظى بأي شعبية بين شعوبها.

 

وعادة ما تفضح الصحف الغربية والصهيونية اليسارية حجم التواطؤ العربي والغربي والفلسطيني مع الكيان للاستمرار في حصاره للقطاع الذي تديره حركة حماس، وأشارت بعض التقارير الصحفية التي نشرت في صحيفة (هاآرتس) الصهيونية إلى وجود تنسيق مستمر بين الكيان والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والرباعية الدولية ومصر والسلطة الفلسطينية في رام الله للاتفاق على شكل الحصار وكيفية تخفيف الانتقادات الموجهة للكيان من قبل أحرار العالم لاستمراره في حصاره للقطاع.

 

وأكدت تلك التقارير وجود دعم قوي من الأطراف الدولية السابق ذكرها لاستمرار الحصار المفروض على غزة مع تغيير في مسماه فقط من "حصار شامل" إلى "حصار أمني" بزعم منع حركة حماس وفصائل المقاومة من امتلاك السلاح.

 

ويتضح من تضارب المعلومات حول زعم الكيان الصهيوني تخفيف حصاره على غزة وجود مؤامرة دولية تهدف إلى سد الطريق أمام سفن وقوافل الإغاثة التي تحاول كسر الحصار البري والبحري المفروض على القطاع من خلال الترويج للكذبة الصهيونية بأن الكيان فك حصاره المفروض على المأكولات والمشروبات والأدوية وبالتالي لم يعد هناك حاجة لإرسال سفن أو قوافل لفك الحصار بزعم أن الحصار المدني أصبح لا وجود له.

 

ومن خلال متابعة ما يصدر من بيانات عن الحكومة الصهيونية وما يحدث فعلاً على أرض الواقع يتضح أن قرار تخفيف الحصار أو ما يسمى برفع الحصار المدني والتركيز على الحصار الأمني ما هو إلا كذبة جديدة ومبرر صهيوني للاستمرار في فرض الحصار بعد حصول الكيان على دعم من مصر والسلطة الفلسطينية في رام الله والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للاستمرار في حصار حركة المقاومة الإسلامية حماس بحسب ما ذكرته صحيفة (هاآرتس) الصهيونية.

 

 الصورة غير متاحة

محطة كهرباء بغزة ما إن تعمل حتى تتوقف بسبب الحصار المفروض على القطاع

وكانت مجلة (فورين بوليسي) الأمريكية أشارت إلى ما يعانيه قطاع غزة من نقص في إمدادات الكهرباء منذ العدوان الصهيوني على محطة توليد كهرباء غزة عام 2006م؛ ما أدى إلى انخفاض قدرة المحطة على توليد الكهرباء إلى 80 ميجا وات بعد أن كانت تنتج 140 ميجا وات قبل الهجوم.

 

وذكر مكتب تنسيق الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن محطة توليد كهرباء غزة أصبحت منذ يناير 2010م غير قادرة على توليد سوى 30 ميجا وات بسبب انخفاض إمدادات الوقود التي تشغل المحطة ولم تعد تلك المحطة الوحيدة بالقطاع قادرة سوى على تشغيل توربيد واحد فقط بالمقارنة بمتوسط توليد كهرباء بلغ عام 2009م من 60-65 ميجا وات.

 

وقال التقرير إن غالبية منازل غزة تنقطع بها الكهرباء لمدة 8 ساعات يوميًّا وبعض المنازل لا تصل إليها لمدة 12 ساعة في اليوم الواحد، وهو ما دفع سكان غزة إلى الاعتماد على مولدات الكهرباء الصغيرة التي انفجر عدد منها بسبب طول فترة التشغيل.

 

وذكرت منظمة أوكسفام الدولية في تقرير نشرته عام 2009م أن نحو 75% من سكان غزة قضوا نحبهم بسبب استنشاقهم غاز أول أكسيد الكربون السام الصادر عن تلك المولدات فضلاً عن وفاة 15 وإصابة 27 من السكان خلال يناير وفبراير الماضيين نتيجة استنشاق الغاز.

 

وفيما يتعلق بقضية المياه والصرف الصحي أشارت المجلة إلى استمرار رفض الكيان إدخال أية معدات لإعادة بناء شبكة الصرف الصحي بالقطاع.

 

وأشارت إلى تقرير منظمة العفو الدولية الذي تحدث عن تلوث 90% إلى 95% من مياه الشرب بالقطاع وعدم صلاحيتها للاستهلاك كما تحدثت الأمم المتحدة عن تلوث المياه المعدنية المعبأة بزجاجات والتي تباع بالقطاع نظرًا لعدم صلاحية الزجاجات التي يتم تدويرها بالقطاع.

 

وقالت إن انهيار الصرف الصحي بالقطاع تسبب في تسرب مياه الصرف إلى المياه الجوفية التي تعتبر مصدرًا رئيسيًّا لمياه الشرب بالقطاع.

 

وفي مجال الصناعة تتحدث المجلة عن عمل 20% من القوة العاملة بالقطاع بالمجال الصناعي قبل الحصار ولكن بعد عام واحد فقط من الحصار ذكر اتحاد الصناعات الفلسطينية أن 61% من المصانع أغلقت بشكل كامل واضطر 1% من المصانع لتغيير مجال عمله لتلبية حاجات المجتمع في ظل الحصار في حين أصبح 38% من المصانع مغلقًا بشكل جزئي أي يعمل في بعض الأوقات بـ15% فقط من قدرته الإنتاجية.

 

 الصورة غير متاحة

 مظاهرة لفلسطينيات هدمت منازلهن خلال حرب غزة

وأشارت منظمة الصحة العالمية في تقرير نشرته هذا العام إلى توقف 98% من العمليات الصناعية خاصة مجال البناء الذي أصبح أكثر المجالات تأثرًا بالحصار بعدما كان يشغل قبل سبتمبر 2000م نحو 15% من القوة العاملة بالقطاع.

 

وأضافت أن 258 منشأة صناعية كانت تعمل بالقطاع عام 2009م بالمقارنة 2400 منشأة كانت تعمل عام 2006م؛ ما تسبَّب في ارتفاع نسبة البطالة من 32% قبل الحصار إلى 42% بعد الحصار.

 

أما في المجال الصحي فأكدت المجلة أن هذا المجال يعمل بشكل يفوق قدراته الحقيقية خاصة بعدما فقد الكثير أثناء العدوان الصهيوني على القطاع أواخر 2008م وأوائل 2009م.

 

وأشار مكتب تنسيق الشئون الإنسانية بالأمم المتحدة أن نحو 15 من بين 27 مستشفى و43 من بين 110 منشآت طبية أولية و29 من بين 148 سيارة إسعاف إما أن تضررت أو دمرت خلال الحرب.

 

واعتبرت أن السبب في تفاقم الأزمة الصحية بالقطاع هو رفض الكيان السماح بدخول الإسمنت والزجاج لإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب الصهيونية مما تسبب في عدم بناء غالبية ما دمر خلال الحرب في حين أن المجال الطبي بالقطاع يقف عاجزًا عن علاج الحالات الخطيرة لعدم وجود الإمكانيات اللازمة.

 

وذكرت أن سكان غزة طلبوا في عام 2009م الحصول على تصريح صهيوني للمرور من معبر إيريز الذي يسيطر عليه الكيان إلا أن 21% من هذه التصاريح تم إلغاؤها أو تأجيلها مما تسبب في وفاة عدد من المرضى نتيجة انتظارهم لفترات طويلة في انتظار فتح المعبر.

 

وفي المجال الغذائي تحدثت منظمة الصحة العالمية في تقريرها الذي نشرته هذا العام عن ارتفاع حالات سوء التغذية المزمنة بالقطاع والتي أصابت خلال سنوات الحصار 10.2% من السكان فضلاً عن وجود نقص حاد يبعث على القلق فيما يتعلق بالمغذيات الضرورية التي يحتاجها الأطفال والنساء على حد سواء بالقطاع.

 

ويشير مكتب تنسيق الشئون الإنسانية إلى معاناة أكثر من 60% من أسر القطاع من نقص الغذاء والعناصر الغذائية اللازمة للنمو السليم في الوقت الذي يفرض فيه الكيان قيودًا مشددةً لخنق المجال الزراعي والإنتاج السمكي والذي تعرَّض لانهيار كبير بين عامي 2008م، و2009م؛ حيث انخفض إنتاج الأسماك إلى 47% بسبب منع الصيادين من الصيد في مياه غزة.

 

من خلال ما ذكرناه آنفًا يتضح أن السماح بمرور بعض الأطعمة والمأكولات للقطاع ليس معناه تخفيف الحصار ولا يمكن وضعه إلا في خانة الدعاية الصهيونية الكاذبة التي تم ترويجها في وسائل الإعلام الدولية التي زعمت تخفيفه على الرغم من أن معاناة سكان قطاع غزة أكبر بكثير من مجرد انتظارهم دخول بعض المأكولات والمشروبات.