جاءت تصريحات الجنرال ستانلي ماكريستال قائد القوات الأمريكية وقوات حلف الأطلسي الذي أقاله باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أمس الأربعاء، والذي أدلى بها إلى مجلة أمريكية بتعليقات سخر فيها من كبار المسئولين الأمريكيين "الضعفاء غير المبالين"؛ ليضرب مسمارًا جديدًا في نعش الاحتلال الأنجلوأمريكي المترنِّح فعلاً على يد حركة طالبان بأفغانستان، وهي الحركة التي باتت أقوى مما كانت، وقدرتها على التنظيم واختيار توقيتات عملياتها والعناصر المحتلة المستهدفة.
هذه التحركات الطالبانية أكدها بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة في تقرير صدر حول الوضع في أفغانستان، وقال إن عدد العبوات الناسفة يدوية الصنع التي يزرعها المجاهدون في ذلك البلد تضاعف منذ مطلع العام الجاري، بنسبة 94% خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة الجارية مقارنةً بسنة 2009م، وإن أعداد قتلى الجنود الأمريكيين في أفغانستان في تزايد، لا سيما في ظل سياسة التكتُّم التي تتبعها الولايات المتحدة عن حصيلة قتلاها الحقيقية.
ويرى البعض أن الولايات المتحدة والدول التي شاركت في احتلال أفغانستان لم تتعلم من الدرس السوفييتي، في ظل تصاعد هجمات طالبان المركّزة، والأزمات السياسية المتتالية لتلك الدول، خاصةً الولايات المتحدة، والتي أطاحت بإدارة الجمهوريين في الانتخابات الأخيرة، وإسقاط حكومة حزب العمال بقيادة توني بلير وخليفته جون براون، ومجيء حكومة ائتلافية بقيادة السياسي الشاب ديفيد كاميرون زعيم حزب المحافظين.
ولقد أثبتت الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وغطاؤها العسكري حلف الناتو على الشعب الأفغاني منذ 9 سنوات أنها فاشلة بلغة الأرقام التي كشفت عنها وسائل إعلام مستقلة، باعتراف المسئولين الغربيين، الذين أكدوا صعوبة الأوضاع هناك في ظل عدم قدرة قوات الاحتلال على إقناع الشعب الأفغاني، وخاصةً عرقية البشتون صاحبة الأغلبية، بالتعاون معهم ضد حركة طالبان والمقاومة، في حين تزداد رقعة المناطق التي تفرض طالبان سيطرتها عليها.
بل وزاد الأمر بلَّة ما كشفه محقِّقو الكونجرس الأمريكي في تقرير لهم أن الولايات المتحدة تدفع ملايين الدولارات لقادة الميليشيا الأفغانية، وربما لطالبان أيضًا؛ لتأمين مرور قوافل الإمدادات للقوات الأمريكية في أفغانستان، وهو ما يفسره المراقبون بتزايد تسليح طالبان وزيادة قدرتها علي معرفة مَواطن ضعف القوات المحتلة، وخاصةً الأمريكية.
ويمكن من خلال متابعة تصريحات الدبلوماسيين والعسكريين الأمريكيين- وعلى رأسهم وزير الحرب روبرت جيتس وقائد القوات الأمريكية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال- ملاحظة وجود مشكلة كبيرة تواجه الإدارة الأمريكية التي لا تستطيع التعامل مع الأوضاع في أفغانستان، في الوقت الذي تزداد فيه يوميًّا خسائر الاحتلال هناك، ففي حين يؤكد جيتس تحسُّن الأوضاع هناك ولكن بوتيرة بطيئة يتحدَّث ماكريستال عن فشل الإدارة الأمريكية في التعامل مع الأوضاع هناك.
وأشار تقرير للجيش الأمريكي إلى أن تزايد العمليات العسكرية في أفغانستان تسبَّب في تدني معنويات قواته, وتزايد معدلات الانتحار، وجاءت النتائج خلاصة استطلاعين منفصلين نفِّذا في مطلع هذا العام، في حين أظهرت إحصائية جديدة تزايدًا في معدلات الانتحار بين صفوف الجيش الأمريكي.
وقال كبير أطباء الجيش الأمريكي، الجنرال أريك شوميكر: "تتواصل معاناة الجنود في أفغانستان مع الإرهاق والإجهاد من جرَّاء تكرار النشر في ساحات القتال"، وأظهر التقرير الذي نشرته وكالة (CNN) الإخبارية أن الجنود الذين تكرر نشرهم 3 أو 4 مرات لأداء الخدمة في أيٍّ من العراق أو أفغانستان، تدنَّت معنوياتهم بشكل ملحوظ، كما ارتفعت نسبة معاناتهم من الأمراض النفسية عن سواهم ممن تمَّ نشرهم هناك مرة واحدة أو اثنين.
وأظهر المسح أن معدلات الاكتئاب والإجهاد ما بعد الصدمة، ظلت كما هي عند معدلات قريبة من نسبة 2007م، عند 21.4% هذا العام، مقارنةً بـ23.4% عام 2007م، و10.4% في 2005م.
ويقول مسئولون في الجيش الأمريكي إن إرسال أكثر من 20 ألف جندي إضافي إلى مسرح العمليات القتالية خلال الأشهر القليلة الماضية لم يقابله في الجانب الآخر زيادة في عدد المختصين بالصحة النفسية، وتصل النسبة إلى مختص واحد لكل 1120 جنديًّا، وتدنَّت الروح المعنوية بين وحدات الجيش الأمريكي في أفغانستان لقرابة النصف عن معدلات عامي 2007م و 2005م من نحو 10% حينئذ إلى 5.7% هذا العام.
ويمتدُّ تأثير ذلك عند عودة الجنود إلى الوطن وصعوبة التأقلم في الحياة العائلية؛ ما رفع حالات الطلاق بين الجنود المتزوجين إلى معدلات غير مسبوقة.
وعلى صعيد متصل، أظهرت إحصائية تزايد معدلات الانتحار بين أفراد الجيش الأمريكي إلى 133 حالة انتحار مشتبه هذا العام مقارنةً بـ115 في أكتوبر 2008م، تمَّ تأكيد 90 منها، و43 حالة ما زالت بانتظار البتِّ فيها.
وشهد العام الماضي ككل 140 حالة انتحار؛ أعلى نسبة مسجَّلة حتى اللحظة في تاريخ الجيش الأمريكي، الذي بدأ العام الماضي في تطبيق عدد من البرامج الوقائية للتصدِّي للظاهرة.
وتزامن إصدار "فريق استشارة الصحة العقلية" الذي يصدره الجيش الأمريكي كل عامين، بعد أسبوع من "مذبحة" فورت هود بتكساس؛ التي قضى فيها 13 شخصًا عندما فتح ضابط نيرانه بالقاعدة العسكرية، وعقب إعلان الإدارة الأمريكية الزجَّ بمزيد من القوات الإضافية إلى أفغانستان؛ حيث تصاعدت حدَّة القتال مع تزايد هجمات طالبان خلال الأشهر القليلة الماضية.
ومع تسارع وتزايد عمليات طالبان ضد الاحتلال، أكد رام إيمانويل رئيس موظفي البيت الأبيض التزام الإدارة الأمريكية بتعهداتها الخاصة بالبدء في سحب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول صيف عام 2011م، وهو ما أكده الجنرال ديفيد بيتريوس قائد القيادة المركزية الأمريكية في جلسته أمام جلسة لمجلس الشيوخ الأمريكي الأسبوع الماضي؛ بأن الانسحاب من الحرب الدائرة في أفغانستان سوف يتمُّ بشكل منظَّم ودون أي تسرُّع، وأن تحديد شهر يوليو من العام المقبل لهذا الانسحاب يهدف جزئيًّا إلى الضغط على حكومة كابول من أجل العمل بشكل جاد ودءوب للحد من الفساد في أفغانستان، بحسب تصريحاته.
وتزايدت خسائر قوات الاحتلال؛ حيث قتلت طالبان 1083 جنديًّا أمريكيًّا خلال العدوان على أفغانستان من ضمن 1783 جنديًّا قُتلوا هناك ضمن القوات الدولية، فيما فقدت بريطانيا 286 جنديًّا وكندا 146 جنديًّا، وجرح قرابة 5725 جنديًّا أمريكيًّا أثناء هذه الحرب، حسب إحصاءات موقع "آي كاجوليتيز"