- المستشار حسن عمر: خطوة لجس نبض إمكانية التعاون المشترك
- السفير عبد الله الأشعل: اجتماعات دول "حوض النيل" مكلمة فارغة
- د. هاني رسلان: كسب الكونغو وبوروندي في صف مصر ضرورة
- د. عادل سليمان: مطلوب تفويت الفرص على إشعال الحرائق والفتن
تحقيق- شيماء جلال:
بدأت صباح اليوم بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا اجتماعات وزراء دول حوض النيل العشر، في محاولةٍ منهم لتقريب وجهات النظر والتحاور الهادئ لحل الأزمة، كما يدَّعي المسئولون المصريون ومن المقرر أن يتم عرض التقرير الشامل لحجم الإنجازات والمعوِّقات والأنشطة وكذلك الحساب الختامي لأنشطة دول حوض النيل، فضلاً عن وضع التصور المستقبلي للتعاون بين الدول المشاركة خلال المرحلة المقبلة.
يشارك في الاجتماعات د. محمد نصر الدين علام وزير الموارد المائية والري وعدد من خبراء الموارد المائية وممثلي البنك الدولي والدول المانحة والهيئات الدولية المهتمة بشئون المياه، والتي من شأنها أن تبحث تدعيم مشروعات دول حوض النيل المشتركة.
وقد سبقت الاجتماعات التي بدأت صباح اليوم على غير العادة تحركات مكثفة من الجانب المصري خلال الفترة الماضية لبحث سبل تحسين العلاقات مع دول المنبع ومحاولة إقناع كلٍّ من بوروندي والكونغو بالامتناع عن التوقيع على اتفاقية "عنتيبي"؛ حيث توجَّه الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية المصري إلى بوروندي في إطار تحرك مصري حثيث لإقناع بوروندي بعدم التوقيع على اتفاقية "عنتيبي"؛ حتى لا تصبح الاتفاقية قانونيةً ومعترفًا بها.
تأتي تلك التحركات بعد المخاوف التي شعر بها المسئولون المصريون عقب صدور دراسة قام بها مكتب استشاري قانوني دولي "فرنسي" تكشف عن أن توقيع 6 دول من حوض النيل يجعل اتفاقية "عنتيبي" قانونيةً ومعترفًا بها، رغم وجود خلافات حول بعض بنود هذه الاتفاقية.
ولم تفصل 24 ساعه بين سفر وزير المالية حتى جاء القرار السيادي بتوجه عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات المصرية لأوغندا لمقابلة موسيفيني الرئيس الأوغندي؛ لبحث آخر تطورات الوضع في دول حوض النيل.
وكانت أجواء الفشل والنزاع قد خيمت على اجتماع وزراء حوض النيل المنصرم في شهر أبريل الماضي بشرم الشيخ عليه؛ حيث تحفظ وزراء المياه بدول حوض النيل على اقتراح مصر والسودان فيما يتعلق بإنشاء مفوضية عليا لتنظيم التعاون بين الدول؛ تهدف إلى تفعيل العمل المشترك في مجالات المياه والاستثمار والتجارة، وتوليد الطاقة الكهربائية، في حين انسحب 4 وزراء من المشاركين في الاجتماع؛ نتيجة وقوع خلافات حادة، فيما هدَّد وقتها وزير الري بوقف المفاوضات والانسحاب من المبادرة.
وما بين المسكِّنات والتطمينات المصرية بأن الأمور تسير على ما يرام، نافين حدوث خلافات أو مشكلات كبيرة، نجد سلسلةً من التحذيرات حول دخول مصر نفق الفقر المائي المظلم؛ حيث حذَّر الدكتور خالد محمود أبو زيد عضو المجلس العربي للمياه من خطورة دخول مصر حيِّز الفقر المائي، مشيرًا إلى أن نصيب الفرد وصل إلى أقل من ألف متر مكعب في العام، وهو أقل مما كان الوضع عليه عام 1995م، بالإضافة إلى أن كمية المياه التي تنزل على نهر النيل تبلغ حوالي 1660 مليار متر مكعب، تحصل مصر منها على 56 مليارًا، ومع زيادة السكان سيتواصل هبوط نصيب الفرد من المياه.
وحسب تصريحات نشرتها صحيفة "الجارديان" عقب اجتماع وزراء حوض النيل الماضي بشرم الشيخ جاءت نصائح دولية بضرورة إجراءات مفاوضات جادَّة وحقيقية مع دول المنبع، محذرةً من احتمالية وقوع حروب بين الجانبين على المياه.
ما سبق يدفعنا إلى طرح العديد من التساؤلات حول مستقبل مياه النيل، وهل سيكون اجتماع وزراء حوض النيل اليوم صفرًا جديدًا يضاف إلى شمال بقية الاجتماعات التفاوضية؟ وهل هناك فرص أمام مصر للخروج من تلك الأزمة؟
(إخوان أون لاين) طرح الأمر برمَّته على عدد من الخبراء والمتخصصين؛ للوقوف على السيناريوهات المتوقَّعة لاجتماع أديس أبابا، وما الذي ينبغي لمصر تنفيذه لتنقذ نفسها.
![]() |
|
المستشار حسن عمر |
يؤكد المستشار حسن أحمد عمر، خبير القانون الدولي، أن اجتماع وزراء دول حوض المقرر انعقاده اليوم بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا بلا جدوى ولن يضيف جديدًا للمبادرة التي شهدت توقيعًا منفردًا من جانب 5 دول من دول المنبع.
ويرى أن الخطوات الحثيثة التي تتبعها مصر خلال الفترة الحالية مجرد تحركات تبذلها مصر؛ من أجل السعي وراء تحسين العلاقات أمام هذه الدول، وحفظ ماء الوجه أمام الهجمات الدولية التي تحاول إشعال فتيل الأزمة.
ووصف اجتماعات أديس أبابا بأنها محاولةٌ لجسِّ نبض مدى التعاون المصري مع الجانب الإثيوبي وبقية دول المنبع؛ لأنهم يسعون- من خلال توقيعهم المنفرد- إلى تحقيق مصالحهم الخاصة، والتي يأتي على رأسها توليد الطاقة الكهربائية لزيادة حجم المشاريع الاستثمارية.
وحمَّل النظم السياسية والإدارة المصرية الفشل في إدارة ملف حوض النيل، مشيرًا إلى أنها نظمٌ عقيمةٌ لا تصلح مع الواقع القائم، وأن الأحاديث الهادئة التي يتشدَّقون بها حول إنهاء الخلافات وحل الأزمة ما هي إلا صحوة متأخرة بلا فائدة، تحتاج إلى تكتل في الوسائل والأساليب واستنارة سياسية لاستدارك الأمر في أسرع وقت ممكن.
وأقترح أن يتمَّ عقد اجتماع يشمل اتحاد الجمهوريات العربية يضمُّ كلاًّ من الجزائر وتونس ونصر وسوريا مشيرًا أن مفاوضات تلك الدول العربية واتفاقها سيدعم من موقف المفاوضات مع دول حوض النيل، لا سيما أن الهدف في الأساس هو زيادة المصالح وتقوية هامش الاستثمارات المشتركة.
الوقت الضائع
د. عبد الله الأشعل
ويستبعد السفير عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن يحدث جديد من جانب الجانب المصري في إدارة ملف حوض النيل، لا سيما أن اجتماعات وزراء حوض النيل على مدار السنوات الماضية لم تفلح في إصلاح الموقف أو إصلاح ما تمَّ إفساده.

ويصف اجتماعات المجلس الوزاري لدول حوض النيل، والتي بدأت فعالياتها اليوم بحضور مصر أنها بمثابة اللعب في الوقت الضائع، الذي من شأنه ألا يضيف جديدًا بل يظهر مدى سوء الصورة.
ويوضح أن ملف حوض النيل يشهد إدارة مجموعة من الهواة يتخاطفونه من فرد لآخر غير عابئين بمصلحة البلاد أو الشعوب، مشيرًا إلى أن وزارة الري المصرية ومجلس الوزراء مارسوا دورًا سلبيًّا أساء إلى موضوع النيل أكثر من إصلاحه.
وحول تأثيرات وأبعاد تسليم إثيوبيا رئاسة المجلس الوزاري لدول حوض النيل بعد مصر خلال الدورة الجديدة التي تبدأ اعتبارًا من أول يوليو المقبل ولمدة عام، أشار الأشعل أن توليها للرئاسة سيكون له تأثير سلبي في مسار المفاوضات والعلاقات، خاصةً أنها ستسعى لإملاء رغباتها وقرارتها التي هي في الأساس ضد الرغبات المصرية.
وفيما يتعلق بتطمينات الدكتور نصر علام وزير الري المصري بأنه لا يوجد أى تهديدات لحصة مصر من مياه النيل، وأن العلاقة مع دول الحوض دائمة ولن تنقطع؛ يستنكر الأشعل ذلك الأسلوب في إدارة الأزمات قائلاً: "الأمر يعلمه الجميع، والقضية لها أبعاد خطيرة على مياه النيل، خاصةً أن الدول التي سارعت بالتوقيع على الاتفاقية الإطارية "عنتيبي" لم تكن تعاني من مشكلات مياه؛ ما ينذر بكارثة مصرية مائية".
ويطالب الأشعل المسئولين المصريين بأن يتخلّوا عن سياسة غضِّ الطرف التي يتبعونها في إدارة الأزمات والكوارث، لافتًا إلى ضرورة إجراء مفاوضات جادَّة ومشروعات مشتركة تفعل من فرص التفاهم وتدعم المواقف المصرية في إدارة الأزمة.
كلام شفوي
د. هاني رسلان
ويحلل الدكتور هاني رسلان، رئيس وحدة حوض النيل بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، الأوضاع الحالية بشأن اتفاقية حوض النيل، قائلاً إن التناول المصري يتمُّ على محورين؛ أولهما التمسك بعدم التوقيع على اتفاقية عنتيبي ما لم يتم التوصل لتعديل على الاتفاق الإطاري حول النقاط الخلاقية المتعلقة بالتمسك ببنود الأمن المائي والحق في الحصص القديمة من المياه.

أما المحور الثاني فيتمثل في عدم تصعيد اللغة الحوارية والتعصب مع دول المنابع؛ رغبةً في الاحتفاظ بالحد الأدنى من علاقات التواصل بين الجانبين.
ويرى أن محاولات مصر في إقناع الكونغو وبوروندي بشأن التوقيع على الاتفاقية أمرٌ مهمٌّ وفعَّالٌ؛ لأن أوغندا تمارس ضغوطًا وإلحاحًا على الكونغو وبوروندي للتوقيع، ملمحًا إلى أن اعتماد كلٍّ من الكونغو وبوروندي يمثل صفرًا بالمائة، وهناك نهر الكونغو الذي قد يغنيها عن التوقيع على اتفاقية مياه النيل، بالإضافة إلى تضاعف كمية المياه لدى البلدين مقارنةً بمصر.
ويضيف أن بوروندي لا تعتمد سوى على 3% من النهر؛ ما يوضح أنها ليست بحاجة إلى التعجيل في الموافقة على الاتفاقية.
ويحذِّر هاني رسلان من خطورة توقيع كلٍّ من الكونغو وبوروندي، مؤكدًا أن توقيعهم سيكون له أثر سلبي في سير المفاوضات وحصة مصر من النيل، ويقول إن مصر على مدار المفاوضات تتعامل مع الأزمة بتحرك هادئ ولا تحدث نتائج، لا سيما أن المفاوضات لم تفلح على مدار السنوات الماضية، سواءٌ في الإسكندرية من عامين أو بشرم الشيخ من شهرين.
ويلفت إلى التوقيع المنفرد الذي تمَّ منذ أسابيع يعدُّ بمثابة رسالة سياسية من دول المنبع؛ فحواها أنها شكَّلت تكتلاً لصنع موقف سياسي، وسعيًا في تقوية موقف التفاوض الذي تراه تلك البلدان بأنها موقف حقوق مهضومة، وأن مصر هي المسئولة عنه بالأساس مما يلزم تغيير ذلك التصور الخاطئ.
وحول فكرة تأسيس منتدى اقتصادي لدول حوض النيل، يبيِّن رسلان أنها فكرة جيدة ولكنها صعبة التنفيذ مشيرًا إلى أن رجال الأعمال يسعون إلى تحقيق استثمارات سريعة، وتحتاج الطبيعة هناك بعض الوقت لتكون منتجة بشكل كبير.
ويدق رسلان ناقوس الخطر، قائلاً: "الجميع يتنافس على تلك الأرض البكر، وهناك تنافس اقتصادي يتم فيها بشكل جيد من جانب الولايات المتحدة والصين؛ ما ينبغي الكياسة في التحركات خلال الفترة القادمة بشكل سريع".
ويشير إلى ثمة أمرًا مهمًّا ينبغي مراعاته خلال الفترة القادمة خلال التعامل مع الملف؛ ألا وهو سياسة النفس الطويل، والإدارة السياسية العليا المستنيرة، بجانب عدم تهميش الملف والتعامل معه على أنه أزمة موسمية وكلام شفوي ليس له أساس على أرض الواقع.
تلطيف الأجواء
وعلى صعيد النظرة المستقبلية لاجتماعات أديس أبابا يبيِّن اللواء عادل سليمان، المدير التنفيذي للمركز الدولي للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن اجتماعات وزراء حوض النيل ما هي إلا محاولة لتلطيف الأجواء الملبدة عقب توقيع خمس من دول منابع النيل لاتفاقية الإطار الجديد لمياه النيل في مدينة "عنتيبي" مشيرًا إلى أنه لا حلَّ للخروج من تلك الأزمة إلا من خلال توسيع أفق الحوار بين كلا الجانبين،والسعي الحثيث من جانب القادة وليس المسئولين الذين أضاعوا الملف؛ للتوصل لصيغة تفاهمية مشتركة.
وعن الأمور التي يجب أن تتداركها مصر خلال الاجتماعات المشتركة مع وزراء حوض النيل، أشار سليمان إلى أنه ينبغي أن يتمَّ إجراء حالة من التحاور الهادئ والإيجابي من قبل الجانب المصري؛ أملاً في قطع الفرصة على الجهات الخارجية التي تسعي للتشتيت، ولا يخفى أن الكيان الصهيوني يسعى سعيًا حثيثًا في هذا الأمر.
وحول تصريحات وزير الري بأنه لن يتمَّ التطرق للحديث عن اتفاقية "عنتيي" تجنبًا لإثارة الخلافات، تمنَّى أن يحدث ذلك، موضحًا أنه لا ينبغي أن تخيِّم الخلافات والمنازعات على أجواء الاجتماعات حتى يتمَّ التوصل لأية رؤى مشتركة تحسن من العلاقات المتوترة.
وتمنَّى سليمان أن يتمَّ التوصل إلى اتفاق على النقاط الخلافية خلال أقرب فترة ممكنة؛ حتى لا تتسع الهوَّة والفجوة بين كلا الجانبين وتتنازعهما أطراف خارجية، تسعى لزيادة الشد والجذب بما يصبُّ في مصالحها الخاصة.
