من المُقَرَّر أن يدخل الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة عام 1948م سجون الاحتلال؛ اعتبارًا من غدٍ الأحد ولمدة 5 أشهر، بعد رفض الاستئناف الذي قدَّمه محاميه ضد الحكم الصادر بحقه في 13 يوليو الجاري، على خلفية أحداث باب المغاربة عام 2007م.
وقال بيان صادر عن الحركة الإسلامية تحت عنوان "مرحبًا بالسجون": إن الاحتلال ارتكب جريمةً بحق المسجد الأقصى المبارك، ونحن الذين نُسْجَن".
وأضاف البيان: "إذا ظننتم أنكم بسجنكم شيخنا ورائدنا ستحدُّون من نصرتنا للقدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك فأنتم واهمون، واعلموا أنكم لن تروا منا إلا إصرارًا على ما ربَّانا وعلَّمنا إياه شيخنا الكريم".
ويعود تاريخ ملف الشيخ رائد صلاح إلى 7 فبراير 2007م، وهو ما يُعرَف باسم ملف "باب المغاربة"، وهو اليوم الثاني من أحداث تنفيذ الاحتلال عملية هدم طريق باب المغاربة، وهو جزءٌ من المسجد الأقصى؛ حيث قام الاحتلال باعتقاله وعدد من نشطاء الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، من بينهم الدكتور سليمان إغبارية عند وجودهم قُبالة باب المغاربة.
وتسلَّم الشيخ رائد صلاح في يناير الماضي قرارًا صهيونيًّا بمنعه من دخول الأقصى أو الاقتراب من أسوار البلدة القديمة بالقدس على بُعد 150 مترًا، وهي القرارات التي ما زالت ساريةً حتى اليوم.
من جانبها، أدانت حركة المقاومة الإسلامية حماس بشدَّة القرار الصهيوني ضدَّ الشيخ رائد صلاح، وحمَّلت الكيان المسئولية كاملةً عن سلامته, مؤكدةً أن القرار سياسيٌّ، ويهدف إلى تغييب دور صلاح في الدفاع عن القدس والأقصى.
ووصفت الحركة في بيان لها الحكم بسجن رئيس الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر بأنه "سياسيٌّ بامتياز، ومحاولةٌ صهيونيةٌ يائسةٌ لتغييبه ومنعه من القيام بواجبه في الدفاع عن المسجد الأقصى، وكشف حقيقة المشاريع "الاستيطانية"، والتصدي لسياسة التهويد الصهيونية في مدينة القدس".
وأكدت حماس أن الذرائع التي اتُّخذ القرار بناءً عليها هي "دليلٌ على النوايا السياسية المبيَّتة للنَّيل من مكانة الشيخ رائد صلاح ورمزيته، كأحد قيادات الشعب الفلسطيني المدافعين عن القدس والأقصى".
هو رائد صلاح محاجنة، المولود عام 1958م في مدينة أم الفحم الواقعة شمالي فلسطين المحتلة ضمن أراضي عام "48 المحتلة"، وفيها تلقَّى مراحل تعليمه الأولى، وتلقَّى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي، وحصل على بكالوريوس في الشريعة الإسلامية من جامعة الخليل الإسلامية في فلسطين، وهو أبٌ لسبعة أبناء، وينتمي لإحدى العائلات الفلسطينية التي بقيت في أرضها، ولم تنجح العصابات الصهيونية في تهجيرها عام 1948م.
كان عام 1989م هو تاريخ أول مشاركة سياسية للشيخ رائد صلاح، وهو ابن الثلاثين عامًا؛ حيث خاض انتخابات رئاسة بلدية أم الفحم عن الحركة الإسلامية، ونجح في تلك الانتخابات بنسبة تفوق 70%، وأصبح رئيسًا للبلدية، ثم خاض نفس الانتخابات بعد ذلك مرتين (عام 1993م، و1997م) ونجح فيها بأكثر من 70%، ثم قدَّم استقالته عام 2001م؛ ليتيح المجال لغيره في الحركة الإسلامية.
ويُعَدُّ الشيخ رائد صلاح من مؤسسي الحركة الإسلامية في بداية السبعينيات في داخل الكيان الصهيوني، وظلَّ من كبار قادتها حتى الانشقاق الذي حدث نهاية التسعينيات؛ بسبب قرار بعض قادتها- ومنهم الشيخ عبد الله نمر درويش رئيس الحركة في ذلك الوقت، والشيخ إبراهيم صرصور- خوض انتخابات الكنيست عام 1996م، بينما قاطع الشيخ رائد صلاح وزملاؤه الانتخابات واستقلَّ بحركته، ومن يومها تعدُّه الأوساط الصهيونية الأكثر تطرفًا من الشقِّ الثاني للحركة.
وفي عام 1996م انتُخِب رئيسًا للحركة الإسلامية، وأُعيد انتخابه عام 2001م، وشغل إلى جوار ذلك رئاسة مؤسسة "الإغاثة الإنسانية" ومؤسسة "الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية"؛ التي تعمل على حماية وترميم المقدسات والأوقاف التي حوَّلتها سلطات الاحتلال إلى حظائر وخمَّارات ودور للبغاء.
وقد كانت بدايات الحركة الإسلامية متواضعةً، لكنها كانت تَعْرِف هدفها جيدًا، وهو إعادة الناس إلى أحضان الإسلام من جديد، وإحياء الإسلام في حياتهم، وعملت بكلِّ طاقتها على ترجمة مفهوم الإسلام الشامل إلى واقع عملي بقدر ما تستطيع عبر خطابها الإعلامي وأدبياتها وفعالياتها المتعددة في شتى الميادين.
وقد أقامت الحركة الإسلامية العديد من المشاريع المهمة: الاجتماعية، والثقافية، والتعليمية.. وعملت على إشاعة الأخلاق والعادات الإسلامية في الأفراح والعديد من مناشط الحياة.
وقد أولى الشيخ رائد صلاح وإخوانه خلال مسيرة قيادته للحركة وعبر مؤسسة "الأقصى لعمارة المقدسات الإسلامية" اهتمامًا كبيرًا بقضية المقدسات الإسلامية، ووقف بالمرصاد للاعتداءات الصهيونية المتواصلة عليها، واحتلالها، وطرد أهلها منها، وتحويلها إلى أغراض أخرى بعد رحيل أهلها عنها.
تحول كبير
وبدأ نشاط رائد صلاح في إعمار المسجد الأقصى وبقية المقدسات يتعاظم منذ عام 1996م، واستطاع أن يُفشل المخططات الساعية لإفراغ الأقصى من عمَّاره المسلمين؛ عن طريق جلب عشرات الآلاف من عرب الداخل إلى الصلاة فيه عبر مشروع "مسيرة البيارق".
ونجح في إعمار المصلى المرواني داخل الحرم القدسي الشريف وفتح بواباته العملاقة، وإعمار الأقصى القديم وتنظيف ساحاته وإضاءتها، وإحياء دروس "المصاطب" التاريخية، وأبرزها "درس الثلاثاء" الذي يحضره كل أسبوع نحو 5 آلاف مسلم في المسجد الأقصى.
وأسهم في إنشاء مشروع صندوق "طفل الأقصى"؛ الذي يهتمُّ برعاية نحو 16 ألف طفل، وتنظيم المسابقة العالمية "بيت المقدس في خطر" التي تجري أعمالها سنويًّا في شهر رمضان للكبار والصغار، بمشاركة عشرات الآلاف من كلِّ أرجاء العالم.
وأسَّست الحركة "هيئة الدعوة والإغاثة" التي أصبحت ترعى أكثر من 20 جمعيةً ومؤسسةً، تمارس أنشطتها في جميع مناشط الحياة.
وينتهج الشيخ رائد صلاح مواقف رافضةً لسياسات التفاوض مع العدو، كما يقف بالمرصاد لكلِّ محاولات الاعتداء على الأقصى والأراضي المقدسة وحقوق الشعب الفلسطيني خلف الخط الأخضر، فقد رفض الرجل اتفاق "أوسلو" بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، واعتبره ضربةً ثقيلةً للقدس والمسجد الأقصى قدَّمت فرصةً أطول لتهويد القدس، ولاقى في سبيل مواقفه تلك الاضطهاد والعنت.
وَأُدْخِل السجون الصهيونية أكثر من مرَّة؛ الأولى عام 1981م بتهمة الارتباط بمنظمة محظورة وهي "أسرة الجهاد"، وبعد خروجه تمَّ وضعُه تحت الإقامة الجبرية، وكان خلالها ممنوعًا من مغادرة المدينة ومن مغادرة بيته خلال الليل، وتمَّ إلزامه بإثبات وجوده مرَّة أو مرتين كل يوم في مركز الشرطة.
ثم اعتُقل عام 1998م فيما عُرف بأحداث "الروحة"، التي اقتحمت خلالها قوات الأمن مدينة أم الفحم، وأصابت ما يقرب من 600 مواطن فلسطيني، وبعد الإفراج عنه أعلن عن مشروعه التاريخي الذي حمل اسم "مشروع المجتمع العصامي"، وقد قال عنه إنه يهدف إلى بناء الذات الفلسطيني الداخلي، وشحذ الهمم، ووضع الخطط، وبذل الجهود من المجتمع الفلسطيني للاعتماد على الذات بعد الله سبحانه وتعالى.
وتعرَّض لمحاولة اغتيال سنة 2000م، وأُصيب بعيار ناري في رأسه أطلقته قوات الاحتلال، كما أصدرت وزارة الداخلية الصهيونية سنة 2002م أمرًا بمنعه من السفر خارج الأراضي المحتلة، وتواصلت حملة التحريض والمطاردة الضارية ضد الشيخ رائد صلاح دون توقُّف، بعد تحقيق المؤسسات التي يديرها والمشاريع التي يقودها نجاحات منقطعة النظير، ولم تجد السلطات الصهيونية بدًّا من اعتقاله فجر الثلاثاء 13/5/2003م، إضافةً إلى 13 من قادة الحركة الإسلامية؛ بزعم أنهم قاموا بتبييض أموال لحساب حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، واستمر اعتقاله 26 شهرًا، وبعد خروجه من السجن حتى اليوم ما زال يواصل جهاده وجهوده دفاعًا عن القدس والأقصى؛ رغم قيام قوات الاحتلال بتأميم مؤسسة الأقصى، ومنعه من دخول الأقصى.. وما زال صوت الرجل يدوِّي نداءً لإنقاذ الأقصى، وما زال جهاده متواصلاً ضدَّ كل ما يُدبَّر للأقصى من مكائد دون كلل أو وجل.