إذا كان ثمة اتفاق في الوسط السياسي على نشوب حرب عسكرية بالشرق الأوسط، وأن الكيان الصهيوني هو أحد أطرافها، إلا أن الاختلاف ما زال قائمًا حول توقيت هذه الحرب ورقعتها الجغرافية.
فبعد الخسائر الفادحة التي نالها الكيان في معركتيّ 2006م و2009م، ثمة أصوات داخل الكيان تنادي باستبعاد الحرب العسكرية خلال الفترات القادمة، وأخرى تدعو لحرب تُعيد كرامة الجيش الصهيوني المهدورة في الجنوب اللبناني وقطاع غزة، وتوجيه ضربة سريعة لسوريا أو إيران؛ لوقف الإمدادات عن المقاومة، وتعطيل مشروع طهران النووي.
وقد تلاحقت الأحداث خلال الأسبوعين الماضيين؛ حيث أتمت الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني اتفاقية تطوير منظومة صواريخ "أرو" الدفاعية، وواجه حزب الله نتيجة تحقيق اللجنة الدولية الخاصة باغتيال لحريري الظنية بمهاجمة اللجنة، ووصفها بأنها مشروع صهيوني.
فيما تحاول الرياض ودمشق تحاشي تصعيد الموقف في لبنان بزيارة كلٍّ من الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد ببيروت، والتي ثمَّنتها باريس رغم أنها قلَّلت من فاعليتها، وكأنها تصفها بالمُسَكِّن الضعيف وليس العلاج.
مرورًا بالهجمات الصاروخية على مدينتي العقبة وإيلات- أم الرشراش المصرية التي يحتلها الكيان الصهيوني- والتي أثارت لغطًا بين الأنظمة الحليفة في عمان وتل أبيب والقاهرة عن من يقف وراءها.
واتهم الكيان الصهيوني مصر بالتقصير الأمني وربما بالتواطؤ؛ حيث زعم أن الصواريخ انطلقت من سيناء، وتبعتها في اليوم التالي مباشرة اشتباكات حدودية بين الجيش الصهيوني والجيش اللبناني، أسفرت عن مقتل وإصابة لبنانيين ومقتل ضابط من جيش الاحتلال، وتقدَّم على أثرها الكيان الصهيوني بشكوى ضد لبنان في الأمم المتحدة، وهو ما ضَرَب به المثل السيد حسن نصر الله في خطابه بعد الاشتباكات "ضربني وبكى وسبقني واشتكى".
ويبدو أن الكيان الصهيوني يقوم بشيء ما عند هذه المنطقة الحدودية؛ حيث يدعي أنه أبلغ قوات "اليونيفيل" بأنه سيقوم بقطع بعض الأشجار في هذه المنطقة، وهو ما قام به في اليوم التالي، مُدَّعِيًا أن عملية تقطيع الأشجار تتم في الأراضي التابعة له، وأن هذه الأشجار تعيق عمل كاميرات المراقبة.
وهو ما عدته بيروت انتهاكًا للسيادة اللبنانية؛ حيث تكشف هذه الكاميرات ما خلف الحدود، وذلك لمعرفة التحركات على الجانب اللبناني، غير أنها قامت باعتقال 3 أشخاص يُشْتَبه في تجسسهم لصالح الكيان الصهيوني، استكمالًا لمسلسل شبكات التجسس الصهيونية التي يبدو أنها تهيمن على شبكات الاتصالات اللبنانية.
كلُّ هذه المؤشرات بالإضافة إلى غارات متقطعة يشنُّها الجيش الصهيوني من حين لآخر على قطاع غزة، وتكريس مسلسل التهويد بالقدس المحتلة، في ظلِّ إجراء مفاوضات مباشرة بين الكيان والسلطة الفلسطينية في رام الله.
وتثور التساؤلات حول التحركات الصهيونية المتعددة في كلِّ هذه الجهات والتي تعكس حالة الهلع والتخبط داخل الكيان الصهيوني، فبينما تهاجم قوات الاحتلال القُرَى العربية في صحراء النقب وتهدمها فوق رءوس ساكنيها من العرب، وتم هدم ما يقرب من 50 قرية بالنقب، ثمة اتهامات بمسئولية الكيان عن المحاولة الفاشلة لاغتيال محمود أحمدي نجاد في طهران، والتي تبدو في ضوء الأحداث السابقة على علاقة وثيقة الصلة بما يحدث في الشام، خاصة أنها تأتي بعد تصريحات لأحمدي نجاد يتحدَّث فيها عن محاولة الكيان اغتياله.
حرب بعد حرب
![]() |
|
صواريخ المقاومة الفلسطينية ما زالت تمثل الرعب للكيان الصهيوني |
وأول هذه العقبات كانت صواريخ المقاومة التي نجحت في ضرب عمق أراضي 1948م وبحساب المسافات التي تجاوزتها الصواريخ التي أطلقت من الجنوب اللبناني أو من قطاع غزة نجد أن معظم أراضي الكيان الصهيوني تصل إليها صواريخ المقاومة هذا دون أن نعد ضمن هذه الصواريخ ما لم يتم إطلاقه من قِبَل حزب الله في حرب 2006م، وما استقدمه الحزب بعد الحرب من صواريخ وأسلحة وتجهيزات جديدة.
لذا قام الكيان بتطوير منظومة دفاع صاروخية قادرة على صدِّ جميع الصواريخ الموجهة للكيان الصهيوني، ووقَّع الكيان مع الولايات المتحدة في 26 من الشهر الماضي اتفاقية لتطوير نظام صواريخ "أرو2" الاعتراضية القادرة على ارتفاعات عالية ودمجها في منظومات الكيان المضادة للصواريخ.
وتتكون منظومة الدفاعات الجوية الصهيونية من ثلاثة أنظمة مضادة للصواريخ هي: "القبة الحديدية" لاعتراض صواريخ قصيرة المدى حتى 60 كيلو مترًا و"مقلاع داود" والذي يصل مداه إلى عدة مئات من الكيلو مترات بالإضافة إلى نظام "أرو 3" لإسقاط الصواريخ خارج الغلاف الجوي.
وجاء الاتفاق العسكري الجديد بعد أسبوع من إعلان الكيان الصهيوني اكتمال التجارب الأخيرة على منظومة "القبة الحديدية"، وهي المنظومة التي يراهن جيش الاحتلال عليها لصد صواريخ المقاومة.
كما بدأ جيش الاحتلال الصهيوني بالتعاون مع الجيش الأمريكي بأكبر وأضخم مناورة عسكرية للدفاع الجوي تجري داخل الكيان الصهيوني منذ بدء التعاون الإستراتيجي بين الجيشين.
وستستمر المناورة أسبوعين وتعمل على محاكاة سيناريوهات تعرض الكيان الصهيوني لهجمات صاروخية من جانب إيران وسوريا ولبنان وغزة، واللافت أن المناورة تجرى مرَّة كل سنتين، وهي المناورة الخامسة من نوعها حتى الآن.
ويشارك فيها آلاف الجنود من الجيش الصهيوني إلى جانب 1500 جندي أمريكي و17 قطعة حربية أمريكية، مزودة بأحدث المنظومات المضادة للصواريخ الباليستية، وبأحدث أنواع أجهزة الرادار، وهذا ما يحتاجه تمامًا الكيان الصهيوني في الحرب القادمة؛ حيث الخوف الأعظم من الصواريخ الباليستية.
كما استعاضت القوات الجوية الصهيونية بسماء رومانيا عن سماء الأناضول بعد توتر العلاقات التركية الصهيونية إثر الاعتداء على أسطول الحرية، وإلغاء تركيا لِمَا تم توقيعه مع الكيان الصهيوني من اتفاقيات عسكرية تمنح طائرات العدو حقَّ التحليق في سماء الأناضول الواسعة للتدريب، ويقول مُحَلِّلون عسكريون أن الجبال في رومانيا والتي يجري تدريب القوات الصهيونية على القتال فيها تشبه إلى حدٍّ كبير الجبال اللبنانية.
هواجس صهيونية
يعيش الكيان الصهيوني هواجس خانقة تدفعه إلى اتخاذ خطوات ربما غير محسوبة؛ حيث تتغير من حوله الخريطة الإستراتيجية والعسكرية، فتظهر قوى جديدة تخصم من قوته وفي حال عدم خوض الحرب ستزداد هذه القوى.
غزة صامدة رغم الحصار الصهيوني
فحركة حماس في قطاع غزة نجحت في تدويل قضية الحصار بمساعدة تركيا وموقفها القَوِيِّ تجاه مسألة الحصار خاصة بعد جريمة أسطول الحرية، كما أعاد حزب الله تسليح نفسه بعد حرب يوليو 2006م، وتبعًا لتصريحات السيد حسن نصر الله، فإن الحزب يبدو أقوى مما كان عليه قبل الحرب، وتزداد قوته شيئًا فشيئًا.

كما أن ما تمتلكه سوريا من صواريخ باليستية يمكن أن يدمر الكثير داخل الكيان الصهيوني، وما كان يظنُّه الكيان ميزة إستراتيجية باحتلال هضبة الجولان لم يعد كذلك تمامًا بعد انتشار الصواريخ بعيدة المدى، بالإضافة إلى إيران التي تستمر في برنامجها النووي رغم العقوبات الاقتصادية المتزايدة؛ حيث يخشى الكيان من صواريخ شهاب 3 وإصداراته المطورة، والتي تصل إلى عاصمة الكيان الصهيوني.
وهنا يبدو كيان الاحتلال أمام خيارين أحلاهما مُرٌّ، والحرب شريك في الخيارين المتمثلين في تأجيل الحرب أو تعجيلها ويرى الكثيرون داخل الكيان أن التعجيل أمرٌ ضروري لضمان البقاء في المستقبل قبل أن تستفحل هذه القوى بشكل لا يمكن كبحه، ولولا ضعف الموقف الصهيوني عسكريًّا لبدأت الحرب أمس قبل اليوم، لكن يبدو أن هناك ترتيبات يقوم بها الكيان لضمان أكبر قدر من النجاح وأقل قدر من الخسارة التي ستكون أكيدة مهما تحقق من نصر للكيان.
سيناريوهات الحرب المتوقعة
آثار العدوان الصهيوني على الجنوب اللبناني
أولاً: استمرار الاحتكاكات والضربات المتباعدة حتى بدء فترة الجهوزية الكاملة سواء على الجبهة الشمالية جنوب لبنان أو الجبهة الجنوبية في قطاع غزة، ومن التوقع أن تشهد غزة رمضان داميًا هذا العام، وذلك قُبَيْل الحرب التي ربما تكون خلال الأشهر القليلة القادمة، وربما كانت أقرب من ذلك، وأن تأخذ الحرب مسار على جبهة واحدة إما الشمالية أو الجنوبية، وذلك لتقليل الأضرار والخسائر، وتكثيف الجهد على جبهة واحدة؛ لتحقيق أكبر قدر من التقدم فيها.

ويُعَدُّ ذلك أسلوبًا مختلفًا عن الأسلوب المعتاد للجيش الصهيوني– الذي لا يقهر– حيث اعتاد جيش الاحتلال أن يشنَّ هجومه على جميع الجبهات المستهدفة مرَّة واحدة؛ لإحداث الشلل وإرباك الخصوم مثلما حدث في العام 1967م، لكن في المقابل فإنه لا يشنُّ حربًا إلا إذا كان متأكدًا من النصر، وهذا ما جعل حربي 2006م و2009م صدمات للجيش الصهيوني لم يعتد عليها.
وإذا كان احتمال الخسارة قائمًا- والخسارة هنا هي عدم تحقيق الأهداف المرجوة من شنِّ الهجوم– في حالة الهجوم على جبهة واحدة، إذًا فجبهة واحدة تكفي، وهذا تحديدًا ما فعله الكيان عندما شنَّ هجومه الأخير على قطاع غزة، فقد توقع العديد من المحللين أن يتم توجيه ضربة عسكرية أخرى لحزب الله بعد هزيمة 2006م، والحقيقة هي أن الكيان نجح في تجنب الصدام مع حزب الله في الشمال أثناء قتال حماس في الجنوب، والفضل في ذلك يعود على النزاعات الداخلية في لبنان وأبعادها الإقليمية والدولية، وفي هذه الحالة سيفاضل الكيان بين توجيه ضربة إلى قطاع غزة أو إلى لبنان، وبالتأكيد فإن ما سيترتب من نتائج هذه الحرب سيحدد توقيت ومكان الحرب التي تليها.
ثانيًا: توجيه الضربة إلى الجبهتين الشمالية والجنوبية في توقيت متقارب، وستستخدم القوات الجوية أساسًا، ويُتَوقع فشل أي زحف بري للجيش الصهيوني كما حدث في السابق، لكن يُعْتَقد أن تكون الضربات الجوية الصهيونية أكثر تركيزًا على الأهداف العسكرية، وأسلحة المقاومة، والجيش اللبناني، بالإضافة إلى ضرب المدنيين المعتاد والذي يستخدمه جيش الاحتلال في تحطيم الجبهة الداخلية للمقاومة.
ثالثًا: أن تكون الحرب شاملة موسعة قد تمتد لسوريا أو تصل إلى إيران والاعتماد الرئيسي سيكون على سلاح الجو؛ حيث يتم دكُّ المواقع المشتبه بها وغير المشتبه بها في لبنان وقطاع غزة.
والأرجح أن سوريا لن تتدخل بشكل مباشر إلا في حالة الاعتداء المباشر عليها، والذي لا يحتاجه الكيان الصهيوني بقدر حاجته إلى توجيه ضربة جوية للبرنامج النووي الإيراني وبالتنسيق مع واشنطن وحاملاتها وقواعدها المنتشرة في المياه العربية الإقليمية والدولية.
وفي حال تم تطبيق السيناريو الثالث فمن المحتمل أن يكون سيناريو كارثيًّا بالنسبة للكيان الصهيوني ولغيره، ولن تحسم النتيجة بسهولة؛ حيث ستتدخل واشنطن بثقلها في هذه الحرب لصالح الكيان الصهيوني.
والواقع أن رمانة الميزان في هذا الصراع هو القاهرة التي تم تجنيبها في هذا الصراع بشكل نهائي، بل إن الدور المتوقع للنظام المصري في هذه الحرب هو تقديم الدعم للقوات الصهيونية والأمريكية، كما حدث في السابق في الحرب على أفغانستان وعلى العراق، وكما يحدث الآن في حصار قطاع غزة.
المعضلة الرئيسية
ولا يمكن حسم الصراع في هذه الحرب القادمة؛ حيث إن الكيان الصهيوني غير قادر على الانتصار بشكل نهائي على قوى المقاومة، كما أن قوى المقاومة لن تستطيع القضاء على كيان الاحتلال.
حتى في حالة مشاركة سوريا في القتال؛ حيث إن القيادة السورية نفسها تعاني من مشكلة اهتزاز ولا تنظر إلى أبعد من تحرير الأراضي التي احتلت في العام 1967م، بينما يفصل إيران عن الكيان الصهيوني آلاف الكيلو مترات التي تمنع الدعم البري في هذه الحرب المتوقعة.
