مع اقتراب موعد الإفطار يلف الظلام الدامس قطاع غزة بأكمله، ولذلك سارعت أم عبد الله في رصِّ الأطباق التي قضت نهارها وهي تعدها لزوجها وأطفالها، قبل أن يفرض الليل كلمته على البيت الصغير، وهي الحالة التي اعتاد عليها سكانه مع كلِّ تعطل جديد لمحطة الكهرباء الموجودة بالقطاع المحاصر.
فبحلول شهر رمضان المبارك منذ أيام قليلة وجد الغزيون أنفسهم مجبرين على تناول طعام الإفطار والسحور على ضوء الشموع والمصابيح وبعض مولدات الكهرباء البسيطة؛ حيث تصاعدت أزمة انقطاع التيار بدرجة كبيرة مع بداية الشهر الفضيل، وهو ما زاد من تذمر المواطنين.
شهر الزيارات
أم عبد الله "32 عامًا" وهي أم لأربعة أطفال تقول: "انقطاع الكهرباء في رمضان سَبَّب للجميع أزمةً كبيرةً، خاصة لربات البيوت اللواتي يحتجن بشدة للكهرباء في هذا الشهر الفضيل؛ لإنهاء أعمالهن المنزلية، وتحضير طعام الإفطار لعائلاتهن", وتابعت "لا أعرف لماذا يقطعون التيار الكهربائي عنَّا لكلِّ هذا الوقت؟ فنحن في رمضان بحاجة للكهرباء أكثر من أي وقت آخر؟!.
وتضيف أن رمضان هو شهر الزيارات، وتجمع العائلات مع بعضهم البعض، إلا أن انقطاع الكهرباء ينغص على المواطنين طقوس الشهر الفضيل.
ليست وحدها بالطبع المتضررة من انقطاع الكهرباء لفترات طويلة، فقد عبَّر معظم المواطنين الغزيين عن استيائهم الشديد من تفاقم الأزمة مع قدوم شهر رمضان.
ميساء يوسف "28 عامًا" وأم لطفلين تقول: "من الصعب عليّ أن أعد وجبتي الإفطار والسحور دون كهرباء، وخاصة أننا لا نملك في المنزل مولدًا".
وتشدِّد على أن جميع الأعمال المنزلية ترتبط بالكهرباء، وتؤكد أنها تنتظر وصول التيار بفارغ الصبر؛ حتى تنهي أعمالها مثل غسيل وكيّ الملابس وإعداد الخبز.
وبدوره يتحدث أبو توفيق سعد "50 عامًا" عن الوضع قائلاً: "أنا مثل معظم الغزيين لا يهمني من السبب في اختلاق الأزمة, وما أريده أن يصل إليّ التيار، وأن تنتهي هذه الأزمة بأسرع وقت.
ويرى أن ما يجري يعيق تواصل الناس مع أرحامهم، وقال: "نحن نتزاور بعد صلاة التراويح ليلاً، ولكن انقطاع الكهرباء سيشكل لنا مشكلةً وإحراجًا، خاصة أن رمضان يأتي علينا هذا العام والأجواء حارة والرطوبة مرتفعة".
مساجد مظلمة
قطاع غزة يعيش في ظلام دامس بعد انقطاع الكهرباء
رمضان شهر العبادة والإحسان والتقرب إلى الله والاعتكاف في المساجد لم يعد كذلك في غزة، فالكثير من المصلين أصبحوا يشتكون من انقطاع الكهرباء أثناء الصلاة، وخاصة صلاة التراويح وهو ما يضطر البعض منهم إما إلى الصلاة في المنزل أو إلى قطع صلاته بصورة كاملة, وبالرغم من توفر مواتير الكهرباء في معظم المساجد إلا أن المصلين يشتكون من ضجيجها الذي يزعجهم أثناء الصلاة، ورائحة احتراق البنزين التي لا يتحملها البعض وتسبب له الاختناق.

أبو أحمد "42 عامًا" يتساءل إلى متى سيستمر هذا الوضع المضني؟!, ويضيف "حتى المسجد لم يعد الناس يستطيعون الصلاة فيه نظرًا لشدة الحر وانقطاع الكهرباء المستمر الذي يزيد الطين بلة, ففي كل يوم وأثناء توجهي للمسجد أدعو الله ألا ينقطع التيار وأن تمر صلاة التراويح بسلام دون عتمة وحر".
بدوره، يؤكد محمود مازن "21 عامًا" أن غياب الكهرباء تسبب في أزمة لدى جميع المواطنين, خاصة أثناء قيام الليل وصلاة التراويح في المساجد مع ارتفاع حرارة الجو, ويقول: "بدون الكهرباء تجد الناس يملّون ويتكاسلون عن الصلاة بحجة الحر والعتمة".
والمتجول في شوارع القطاع يلاحظ وجود أسراب من الناس يتجمعون أمام أبواب المنازل هاربين من الظلام والحر الشديد الذي بات الهم الأكبر الذي ينغص عليهم حياتهم؛ حيث يتسامرون ويأكلون ويشربون ويضحكون بحثًا عن نسمة هواء باردة تطفئ لهيب الحر الحارق.
تفاقم المشكلة
من ناحيته، يؤكد جمال الدردساوي مدير العلاقات العامة في شركة الكهرباء أن استهلاك المواطنين يتزايد في شهر رمضان، خصوصًا في ساعات الذروة التي تبدأ من بعد صلاة العصر إلى ما بعد الإفطار, موضحًا أن هذا الأمر سيزيد من الأزمة.
وينوه إلى أن رمضان هذا العام هو الأقسى على المواطنين في ظلِّ الارتفاع غير المسبوق لدرجات الحرارة، والأزمة الحادة في الكهرباء.
ويطالب المواطنين إلى تحمل المسئولية بترشيد الاستهلاك من خلال فصل بعض الأجهزة الكهربائية ذات الحمل الكبير كأجهزة التكيف وما شابه ذلك، مشيرًا إلى إمكانية شركة الكهرباء على إنارة قطاع غزة كاملاً في حال تعاون المواطنين مع الشركة.
وينفي الدردساوي علم الشركة بأية مبادرات جديدة أو طروحات لحل الأزمة, قائلاً:- "نسمع كلامًا كثيرًا في الإعلام، ولكننا لا نرى شيئًا على أرض الواقع، ولا نعلم إلى متى ستستمر الأزمة؟!".
أزمة مفتعلة
مسيرة سابقة في غزة تحمل المشاعل للمطالبة بإعادة الكهرباء
ومن جانبه، يشير نائب رئيس سلطة الطاقة م. كنعان عبيد إلى أن المصادر التي تعتمدها سلطته لتوزيع الكهرباء على المواطنين مصدرها الأساسي الكيان الصهيوني ومحطة توليد الكهرباء إلى جانب سلطة توزيع خطوط الكهرباء المصرية.

ويؤكد عبيد أن مصادر الكهرباء التي تعتمدها سلطته من الكيان لا تفي باحتياجات المواطنين، مبيّنًا أن ما يصل القطاع من وقود 120 ميجا، أي بنسبة40% موزعة على المناطق كافة من بيت حانون شمالاً حتى رفح جنوبًا.
ويضيف أن هناك تلكؤًا مقصودًا من الشركة الصهيونية في إعادة الخطوط، بالإضافة إلى التأخير في أعمال الصيانة؛ ما يشكل إزعاجًا للمواطن والشركة في آن واحد.
وأوضح أن كمية السولار التي كانت قد سمح بها الكيان تولد 55 ميجا وات، وحينها التزم الاتحاد الأوروبي بذلك حتى أوقف التمويل وأوكله لسلطة رام الله في نوفمبر 2009م، منوهًا إلى أن السلطة بدأت تقلص كمية السولار تدريجيًّا حتى وصلت الأزمة لذروتها في أبريل من هذا العام.
ويشدد عبيد على أن هدف سلطة رام الله سياسي، وذلك كنوع من أنواع العقاب والحصار باعتبار أن الطاقة الكهربائية تمس كل شرائح المجتمع.
ويوجه عبيد رسالة للمواطنين قائلاً: "عليكم بالصبر فهو نوع من أنواع التحدي والصمود ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، داعيًا إياهم في الوقت ذاته إلى الالتزام بدفع الفاتورة باعتبارها حقًا للدولة.
يُذكر أن مشكلة انقطاع التيار الكهربائي أصبحت عنوان أزمة تتجدد مع بداية كل شهر؛ بسبب نفاد الوقود اللازم لتشغيل محطة وتوليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، في ظلِّ تراشق الاتهامات بين سلطة الطاقة "المواد الطبيعة" في قطاع غزة ووزارة المالية في رام الله.