"لا عيد لفلسطين تحت الاحتلال".. عبارة يرددها أهالي الأراضي المحتلة مرادفة لعبارات التهنئة بالأعياد، إلا أن تلك المرارة تزدوج على أهالي الضفة الغربية المحتلة التي يعاني أهلها من بطش الاحتلال وتعسف السلطة الفلسطينية تحت قيادة رئيسها المنتهية ولايته محمود عباس، ما يذكرهم بقول الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهند.
ويأتي عيد الضفة بعد أيامٍ من عمليتين بطوليتين لكتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس في الخليل ورام الله، ما تبعهما حملات اعتقال مُوسَّعة نفَّذتها ميليشيات سلطة رام الله، وشملت أكثر من 1000 من أبناء وبنات الحركة الإسلامية في الضفة.
هذا غير الأجواء القمعية والحرب الدينية التي تستهدف بها السلطة الاتجاه الإسلامي ومظاهر التدين في الضفة الغربية؛ فقد منعت وزارة أوقاف الضفة إقامة صلاة العيد في الساحات العامة، وهي السنة النبوية التي درجت حركة حماس على ترسيخها طوال السنوات الماضية، كما عمدت إلى إغلاق المساجد الفرعية في الأحياء واقتصار الصلاة على المساجد الرئيسة.
مظاهر اختفت
ويعود الشاب عادل عبد الله بذاكرته إلى الوراء يوم أن كانت تقام صلاة العيد في ساحة (المجمع الشرقي) في مدينة نابلس؛ يومها كان المكان يضيق بآلاف المصلين من الرجال والنساء والأطفال وهم يرددون تكبيرات العيد في مشهدٍ روحاني ممزوجٍ بالفرح والسعادة.
ويضيف عبد الله لـ(إخوان أون لاين): "كان شباب الحركة الإسلامية يقفون على مفارق الطرق ويوزعون الحلويات والألعاب على الأطفال.. كنا نُجمل الشوارع بالزينة والرايات الإسلامية.. وكنا نقوم ليلة كل عيد بأعمال تطوعية تشمل تنظيف الأحياء وطلاء الجدران ومساعدة المواطنين، أما اليوم فقد غابت كل هذه المظاهر بفعل قمع السلطة لحركة حماس".
ويُكمِّل عبد الكريم صادق سرد المظاهر التي كانت سائدةً أيام الأعياد؛ حيث يشير إلى أن المواطنين كانوا يقدمون صدقة الفطر وزكاة أموالهم والمساعدات العينية لرموز الحركة الإسلامية في كل مدينة وحي وقرية؛ ليقوموا بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين.
وتابع صادق: "يمكننا القول بأن الفقراء والمساكين هم أكثر المتضررين من ممارسات السلطة الذين حُرموا من هذه المساعدات نتيجة إغلاق السلطة للجمعيات الخيرية وحل لجان الزكاة أو استبدال آخرين منبوذين امتنع المواطنين على تقديم زكاة أموالهم لهم بأعضائها".
ويشير صادق: "إلى أن حركة حماس درجت وفي كل عيد على زيارة ذوي الشهداء والأسرى وتقديم الهدايا العينية والنقدية لأسرهم وأبنائهم، كما كانت تعمل على تنظيم الاحتفالات والرحل الترفيهية لتخفيف من معاناتهم والوقوف إلى جانبهم، أما اليوم فقد اختفت كل هذه الأنشطة".
سنعود أقوى
وشدد صادق على أن حركة حماس ستعود أقوى مما كانت عليه، وأن جميع محاولات الاحتلال والسلطة في استئصالها من الضفة الغربية ستبوء بالفشل، مستشهدًا بمحن سابقة مرت بها الحركة ثم ما لبثت إلا أن خرجت منها أصلب عودًا وأشد تماسكًا.
وبالرغم من كل هذا التضييق والمعاناة إلا أن مواطني الضفة يصرون على انتزاع فرحتهم، وتعد روائح الشواء ممزوجةً بعطر المعمول الزاكي علامة فارقة تميز العيد عن بقية أيام السنة، كما تعج المتنزهات والحدائق بالأطفال وتدبُّ الحركة في شوارع الضفة، ويتواصل الأقارب ويتزاورون فيما بينهم وترتسم السعادة على وجوههم.
فرحة القدس
وتعتبر مدينة القدس رمزًا فلسطينيًّا للفرحة المكلومة بالعيد، بعد أن تكالب عليها الصهاينة تهويدًا للمقدسات وتدميرًا للممتلكات وتشريدًا للعائلات.
فيما يواصل نواب المدينة المبعدين اعتصامهم داخل مقر الصليب الأحمر منذ أكثر من 70 يومًا؛ رفضًا لسياسة الإبعاد وتمسكًا بالحقوق، وقد تحوَّلت خيمة اعتصام النواب إلى قبلةٍ تؤمها عشرات الوفود الفلسطينية والعربية والدولية التي تعلن دعمها ووقوفها إلى جانبهم، ومن المتوقع أن تتواصل هذه الوفود خلال عيد الفطر.
أمهات الأسرى
أمهات الأسرى الفلسطينيين يطالبن بإطلاق سراح أبنائهن من سجون الاحتلال
أما في بيوت الأسرى فستلمح في أحدها أم بكر بلال تجلس كعادتها وصبيحة كل عيد وحيدة بين جنبات منزلها تحمل صورة أبنائها الأربعة الذين غيبهم الاحتلال في سجونه.. تنظر إليهم واحد تلو الأخر بعيون أثقلتها الدموع والأحزان، تخاطبهم: (كل عام وأنت بخير يما يا بكر.. كل عام وأنت بخير يا عثمان.. تقبل الله طاعتكم يا معاذ.. إن شاء الله السنة الجاي بتكون بينا يا عبادة).

فصول معاناة أم بكر ترجع إلى العام 1994 يوم أن اعتقل الاحتلال أول أبنائها (عثمان) الذي يقضي حكما بالسجن المؤبد، وفي العام 1997 تلاه (معاذ) الذي صدر بحقه حكمًا بالسجن المؤبد 27 مرةً، وفي العام 2002 أبى الاحتلال ألا أن يسرق من أم بكر ابنها الثالث (عبادة) الذي لم يشفع له العمى وعدم قدرته على الإبصار من أن يصدر بحقه حكمًا بالاعتقال لـ 11 سنة، وفي العام 2007 لحق (بكر) بركب إخوانه القساميين الثلاثة وترك الأم السبعينية وحدها.
وتبوح أم بكر بلال لـ(إخوان أون لاين) بمشاعرها الجياشة وهي على عتبات عيد الفطر، قائلةً: "العيد عندنا أصبح موسمًا للإحزان وفتح الجراح.. خلال ثلاثين عيد مضى لم أجتمع مع كل أولادي.. أصبحتُ أمنية حياتي الوحيدة أن تكتحل عيوني برؤيتهم قبل أن يأخذ الله أمانته".
وتضيف أم بكر: "ما زالت صورهم في مخيلتي يوم أن كانوا صغارًا مبتهجين بالعيد يلعبون في ساحة الدار ويتسابقون إلى يد والدهم (رحمه الله) ليقبلوها ويأخذوا (العيدية) ليشتروا (البواريد) البلاستيكية.. ما زلت أذكرهم وهم يساعدونني في إعداد (كعك العيد)؛ فهذا يدق اللوز.. وآخر يراقب الفرن.. وثالث يطحن عجوة التمر.. ورابع يساعدني في حمل الأواني.. كانت أسعد أيام حياتي.. يا ليتهم بقوا صغارًا وما كبروا وكبرت همومهم معهم..".
وتمثل قصة أم بكر نموذجًا مشابهًا لنحو سبعة آلاف عائلة فلسطينية انتزع الاحتلال واحدًا من أفرادها وتركهم في صراع الأحزان؛ ما بين أم مكلومةٍ على فراق ولدها وبين زوجةٍ حزينةٍ على بعد زوجها وبين أولاد وفتية يشعرون بالأسى على بعد والدهم.