قرأنا قبل يومين سطرًا جديدًا من كتاب جرائم الاغتيالات الصهيونية، باستشهاد القائد القسامي إياد شلباية، الذي اغتالته قوات الاحتلال في فراشه، بعد تنسيق مخزٍ مع ميليشيات محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته.
الجريمة القريبة ليست جديدة في وسيلتها ولا هدفها، وأيضًا لم تكن أقل من سابقاتها في تحقيق نتائجها العكسية، وهو ما شهد عليه آلاف الفلسطينيين المشاركين في تشييع جنازة الشهيد شلباية؛ لتكون المسيرة الأكبر لتأييد حركة حماس في الضفة المحتلة منذ سنوات، وإعلان عريض عن رصيد المقاومة المتزايد في نفوس المواطنين بعد العملية.
ويرجع تاريخ الاغتيالات الصهيونية إلى ما قبل قيام دولة الكيان على يدِّ عصابات "الهاجاناه" "والأرجون" "وشتيرن"، والتي أصبحت فيما بعد نواة لتأسيس الجيش الصهيوني، وقد مارست الأجهزة الأمنية الصهيونية بمختلف أذرعها الاغتيالات ضد الشعب الفلسطيني والعربي وقادته السياسيين والعسكريين والمفكرين بشكل منتظم ومتواصل.
واتجهت عمليات التصفية الجسدية بعد إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية إلى قادة المنظمة التي رفعت لواء الجهاد والمقاومة في حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي؛ قبل أن تتحول في نهاية الثمانينيات إلى قيادات التيار الإسلامي (المولود الجديد) في الداخل الفلسطيني، والذي تولى حمل راية الجهاد بعد توجه منظمة التحرير نحو التفاوض ودعوات "السلام".
وشهدت انتفاضات مساجد الأراضي المحتلة تصاعدًا ملموسًا في عمليات التصفية، التي تبناها جهازا الموساد والشاباك الصهيوني، وهما قطبا الرحى في أي عملية اغتيال تُطال المقاومين الفلسطينيين، فينفذ الشاباك عمليات الاغتيال داخل الأراضي الفلسطينية، في حين يقوم الموساد بالاغتيال خارج فلسطين في الدول العربية والإسلامية والأجنبية.
إلا أنها لم تنجح سواء في الداخل أو الخارج في استئصال المقاومة التي نمت بذورها وتشعبت فروعها، فأصبح للحركات الإسلامية والشعبية رصيد أكبر من الكتائب والجنود وآلاف المتطوعين للعمليات الاستشهادية.
وسائل جبانة
وتتنوع الوسائل التي تستخدمها الأجهزة الصهيونية في الوصول إلى (الهدف) المطلوب، وتختلف من فترة إلى أخرى، فقد سبق استخدام الكيان في السابق الطرود والرسائل المفخخة لاغتيال بعض القادة، كما استخدم السيارات المفخخة في عمليات التصفية.
وكانت أجهزة الأمن الصهيونية تحبذ تلك الوسائل في تنفيذ عمليات الاغتيال؛ لأنها تعفي جنود الجيش الجبناء من مواجهة المطلوب اغتياله، والاكتفاء بتصفيته عن بعد.
نظيفة وسرية!!
كما طوَّرت الأجهزة الصهيونية من أساليبها، وحاولت إدخال العديد من الوسائل (النظيفة والسرية) التي لا تترك أي أثر يشير إلى وفاة (المطلوب) نتيجة عملية اغتيال، وهنا لا بد من الإشارة إلى محاولة اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في الـ25 من سبتمبر 1997م، حين قام أفراد من جهاز "الموساد" بحقن مشعل بمادة سامة تعمل على شلِّ الدماغ وموته بشكل تدريجي.
وهي العملية الشهيرة في العاصمة الأردنية عمّان، والتي تسجل كواحدة من أبرز سمات الفشل في سجل جهاز الموساد، بعد أن استطاع حارس مشعل أن يقبض على منفذي العملية؛ ليتم إجبار الموساد على تقديم الترياق المضاد للسم إلى مشعل مقابل تسليم الجناة للكيان.
كما دخلت الطائرات الحربية والطائرات بدون طيار على خطِّ الاغتيالات؛ فنفذت العشرات من حوادث الاغتيال، وخاصةً في قطاع غزة الذي لا تستطيع القوات الصهيونية اقتحامه، وفي حادثة اغتيال الشهيد المؤسس أحمد ياسين وخليفته في قيادة حماس د. عبد العزيز الرنتيسي مثال واضح على دور تلك الطائرات في عمليات التصفية.
إعدام خارج القانون
وفي هذا الإطار، يؤكد فارس أبو حسن محامي مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان لـ(إخوان أون لاين) عدم قانونية الاغتيال، مشيرًا إلى أن تلك الاغتيالات تسمى في المواثيق الدولية بـ(الإعدام خارج نطاق القانون)؛ وهو المصطلح الذي يصف تلك العمليات وصفًا دقيقًا، على اعتبار أنها عملية قتل متعمد دون أي مسوغ قانوني أو اعتبار قضائي.
ولفت أبو حسن إلى أن أمريكا والكيان هما فقط من يُشَرِّعان ويُقننان عمليات الاغتيال ويبيحان تلك العمليات بموافقة وضوء أخضر من القيادة السياسية، ويعتبر القرار الذي كانت قد اتخذته الحكومة الصهيونية عام 2001م بخصوص سياسة الاغتيالات هو الأوضح والأخطر؛ حين قرَّر المجلس الوزاري الصهيوني المصغر مواصلة سياسة الاغتيالات والتصفيات ضد الناشطين الفلسطينيين، كما صرَّح بذلك رئيس الوزراء الصهيوني في حينه آرئيل شارون فقال: "إن سياسة الاغتيالات التي ينتهجها في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية هي الأفضل التي تلبي احتياجات الكيان الأمنية".
واستشهد محامي التضامن الدولي بعشرات الأسرى الذين تم تصفيتهم واغتيالهم على يدِّ القوات الصهيونية خلال انتفاضة الأقصى، وذلك بالرغم من قدرة جنود الاحتلال على اعتقالهم، وهو النهج الذي يتبعه الاحتلال في تصفية الأسرى منذ حرب عام 67 حين تمَّ إعدام مئات الجنود الأسرى من الجيش المصري.
جريمة حرب
فيما فنّد د. السيد مصطفى أبو الخير الخبير في القانون الدولي الادعاءات الصهيونية التي تستند عليها الكيان لتبرير عمليات الاغتيال؛ بأنها تتم بموجب الدفاع الشرعي عن النفس طبقًا للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.
ويقول أبو الخير في دراسة له عن الاغتيالات: "إن هذا التبرير مخالفة صريحة للقانون الدولي؛ لأن الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، يستوجب لإعماله وقوع هجوم مسلِّح على الدولة التي تستخدم الدفاع الشرعي، وهذا لم يحدث في هذه الحالة؛ لأن الكيان دائم الاعتداء على الفلسطينيين؛ ما يبيح لفصائل المقاومة الفلسطينية حقَّ الدفاع الشرعي".
ويضيف: "أن عمليات الاغتيال الصهيونية لقادة وأفراد فصائل المقاومة الفلسطينية، سواء داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو خارجها، تعتبر جريمة من جرائم الحرب، وذلك طبقًا للمادتين الخامسة من الفقرة (ج)، والثامنة من الفقرة الأولى، والثانية من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لذلك وجب محاكمة من فعلها واشترك فيها".
الدوافع والأهداف
وتختلف الأهداف والدوافع الصهيونية من عمليات الاغتيال، وذلك باختلاف الشخص والمكانة التي يحتلها داخل المجتمع الفلسطيني أو التنظيم الذي ينتمي إليه، فقد يكون الهدف من عملية الاغتيال هو زعزعة التواصل بين القيادة والأفراد، وخلق حالة من الإرباك والفراغ بين الطرفين، كما قد تهدف إلى ضرب الروح المعنوية؛ وهي الاغتيالات التي تستهدف في مجملها قيادة الصف الأول من التنظيم.
كما تلجأ الأجهزة الأمنية الصهيونية إلى الاغتيالات في حال كان (الهدف) مقاتلاً عنيدًا، لا تجرؤ جنود النخبة الصهيونية على مواجهته وجهًا لوجه، والدخول في حالة اشتباك معه؛ لعلمها المسبق بشجاعته وإقدامه واختياره الشهادة والمواجه على الاستسلام وإلقاء السلاح، وهي السمة المشتركة لغالبية مقاتلي ومجاهدي كتائب القسام الذي ضربوا أمثلة رائعة في التصدي لجنود الاحتلال واختيارهم الشهادة على الاستسلام بعد أن أثخنوا بالعدو، وذلك بشهادة الصهاينة أنفسهم.
مزايدة انتخابية
وقد تلجأ الأجهزة الصهيونية إلى الاغتيالات على اعتبار أنها واحدة من الرسائل التي تريد إيصالها للمجتمع الصهيوني، خاصةً مع تزايد الانتقادات التي قد توجَّه للقيادة الصهيونية حول تقصيرها في حماية أمن مواطنيها؛ ما يدفع قادة الاحتلال بتكثيف عمليات التصفية الجسدية ردًّا على تلك الانتقادات، والتي قد تستخدم أيضًا بين الأحزاب الصهيونية.
وهنا يشير عاصم عصيدة الباحث في الشئون الصهيونية إلى أن أسلوب الاغتيالات كثيرًا ما يُستخدم ردًّا على المزايدات بين الأحزاب الصهيونية، وخاصةً أوقات انتخابات الكنيست أو قبل تشكيل الحكومات الصهيونية، وذلك بغرض تحقيق مكاسب سياسية على حساب الدم الفلسطيني.
ويضيف عصيدة: "كما يلجأ الاحتلال إلى الاغتيالات وبالتالي الرد من قبل فصائل المقاومة؛ للخروج من ضغوطات دولية؛ وهي سياسية الهروب إلى الإمام التي تتقنها الحكومات الصهيونية المختلفة."
نتائج عكسية
وغالبًا ما تعود سياسة الاغتيالات بنتائج عكسية على الكيان الصهيوني؛ حيث لم تفلح جميع العمليات السابقة في وقف المقاومة أو ردع المجاهدين، بل زادت من فعالية الانتفاضة وحماسة المقاتلين الذين أخذوا على عاتقهم مهمة مواصلة المسير، وإكمال الدرب الذي استشهد عليه من سبقهم.
وهذا ما يؤكده الشيخ أحمد الحاج علي النائب في المجلس التشريعي عن حركة حماس، أن الدماء التي سالت من الشهداء القادة الذين ارتقوا في عمليات اغتيال كانت الوقود والحافز الذي زاد من وتيرة الجهاد والمقاومة في فلسطين.
ويضيف الحاج: اغتال الصهاينة في السابق المهندس الأول يحيى عياش، ثم ما لبثت كتائب القسام أن أعادت ترتيب صفوفها، ونفذت عمليات الثأر المقدس على يد خلفيته المهندس الثاني محيي الدين الشريف، وكذلك الحال عندما اغتيل المهندس الثالث أيمن حلاوة، والمهندس الرابع مهند الطاهر.
ويتابع قائلاً: وهو المشهد ذاته الذي تكرر يوم أن اغتال الصهاينة الشهيد المؤسس أحمد ياسين، ود. عبد العزيز الرنتيسي كانت النتيجة أن زادت شعبية حركة حماس؛ وهو ما أهَّلها للفوز في الانتخابات التشريعية، إذًا في المحصلة لم يفلح الصهاينة في وقف المقاومة بل زادت وأصبحت أشد قوة وأكثر فتكًا؛ فالقائد يخلفه قائد، والمجاهد يخلفه عشرة".
وبالرغم من نجاح الاحتلال في اغتيال بعض قادة المقاومة، إلا أن كثيرين من الصهاينة لا زالوا يشككون في فعالية هذه السياسة وجدواها، ويعتبرون جميع عمليات التصفية التي تمت في السابق لم تنجح في وقف الانتفاضة، بل كانت سببًا وجيهًا لزرع روح الثأر والانتقام بين صفوف المقاتلين.
كما يرى بعض المحللين الصهاينة أن هذه السياسة قد تكون ناجحة بالمنظور القريب، خاصةً إذا ما تم اغتيال قائد عسكري أَدْمَى عشرات الصهاينة، إلا أن هذه السياسية تصب في المحصلة في زيادة شعبية الفصائل المجاهدة.
كما قد تبدو للوهلة الأولى أن هذه الاغتيالات الصهيونية علامة قوة وتفوق صهيوني، ولكنها في حقيقة الأمر لا تعدو عن كونها مؤشر الضعف الحقيقي عن مواجهة جنود النخبة الصهاينة أمام مقاومة الرجال في ميادين القتال.