كان المفهوم المهيمن على نظرية الأمن القومي في العالم العربي هو المفهوم العسكري، وظل متربعًا وحده، إلى أن بدأ مفهوم جديد في شق طريقه إلى التداول، بعد استيلاء الفئة الحاكمة على البلاد والعباد، أدَّى إلى إزاحة سلطة المفهوم العسكري.
إنه مفهوم الأمن للنظام القائم فقط، بغض النظر عن أمن الوطن والمواطن، والذي يعطي فيه الأولوية لبعد المصلحة الخاصة للمجموعة الحاكمة والمستفيدة على البعد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري، ويعطي فيه الأولوية للبعد الخارجي على البعد الداخلي.
ثم بدأ الجميع يستشعر استيلاء الأمن على مقادير الناس، فبدأ الحديث عن الأمن الغذائي والأمن المائي؛ عسى أن يصيبهم جزء من مخصصات الأمن، أو يصبح لهم نصف الاهتمام أو المخصصات.
الأمن يعني قدرة الإطار النظامي للدولة والمجتمع على مواجهة كل التهديدات الخارجية والداخلية، بما يؤدِّي إلى محافظته على كيانه وهويته وأرضه وموارده البشرية والمادية وتماسكه وتطوره وحرية إرادته.
ويقصد بالأمن المائي مجموعة الترتيبات والإجراءات التي تقوم بها دولة أو عدة دول في إقليم ما؛ للحفاظ على مواردها المائية.
ومن غير الممكن الفصل بين الأمن المائي والأمن الغذائي؛ حيث إنهما يعتبران وجهين لعملة واحدة، ولا يتعلق أمن المياه بالغذاء فقط بالرغم من أنها ضرورة حتمية للكائن الحي، بل أيضًا تشكل القاعدة الأساسية للتطور الصناعي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والسياسي والنمو الحضاري بمختلف مجالاته.
وعند الحديث عن الأمن المائي، فإننا نتناول منظومة بيئية كاملة، تحتاج إلى الدراسة والتحليل؛ لتحديد أفضل الأساليب لإدارة ما هو متاح بأفضل السبل.
![]() |
|
د. السيد عبد النور |
أما متطلبات الأمن المائي فيجب أن يُؤخذ بالاعتبار فيها الآتي:
* النمو الحضاري والسكاني في العقود المقبلة والزيادة في معدلات الاستهلاك.
* تحديد الفجوة المائية، أي الفرق بين الكميات المطلوبة والمتاحة.
* توفير الموارد المالية للمشاريع القائمة والمستقبلية والتي تحتاج إلى تكاليف عالية.
* الصيانة المستمرة لكل شبكات الري ورفع كفاءتها.
* تطبيق وسائل الترشيد في النمط الاستهلاكي للمياه، مثل استخدام أدوات جديدة، وتوعية المجتمع، والتعليم والتدريب، وإيجاد النموذج القدوة وغيرها.
* الاستخدام التدريجي لنظم الطاقة المتجددة في تخلية مياه البحر من الأملاح.
وينبع الشعور بالقلق المنتشر بين الخبراء والمهتمين والمنتفعين حيال انعدام الأمن المائي من واحد أو أكثر من العوامل التالية:
1- استمرار اتساع الفجوة بين إمدادات المياه المتوفرة والطلب المتزايد عليها، دون السيطرة على هذه الفجوة.
2- تزايد التدهور في جودة المياه والتلوث البيئي.
3- نتيجة لأزمات الغذاء العالمية يتم توجيه السياسات الزراعية نحو توفير المزيد من الأمن الغذائي على حساب الأمن المائي.
4- ظهور بعض الآثار المدمرة للتغير المناخي، مع حدوث موجات جفاف أشد وأطول من المعتاد.
5- غياب الاتفاقيات بين دول المنبع والمصب للأنهار المشتركة؛ من أجل التعاون في إدارة هذه الأنهار.
6- الاستخدام غير المستدام للمياه في القطاعات المختلفة وداخل القطاع نفسه.
7- ارتفاع معدل الزحف العمراني على الأراضي الزراعية الجيدة.
8- الإسراف في استخدام المياه والغذاء.
9- عدم الاستقرار السياسي المستمر الذي يؤدي إلى تقويض البنية الأساسية لقطاع المياه كما في كلٍّ من العراق، وفلسطين، ولبنان، والصومال، والسودان، وغير ذلك.
10- استمرار سرقة اليهود للموارد المائية العربية.
ولا ينفصل الأمن المائي عن قضية الأمن ككل، فالماء يعد ثروةً ماديةً موجودة، يعوزها الأمن والحماية، ولوقف النزيف المائي يجب وضع إستراتيجية عربية قومية لحماية الموارد المائية؛ الأمر الذي سيعد تعبيرًا عن تضامن عربي فعال، وعلى مدى نجاح هذه الإستراتيجية، يتوقف نجاح الإستراتيجية الاقتصادية القومية الشاملة لا سيما إستراتيجية الأمن الغذائي؛ ما يتطلب جهدًا وتنسيقًا على المستويين القطري والقومي.
ولتحقيق الأمن المائي:
1- تجب زيادة المصادر المائية التقليدية وغير التقليدية والمحافظة عليها.
2- إجراء البحوث اللازمة لتخفيض تكاليف تخلية المياه.
3- ترشيد استخدام المياه لمختلف الأغراض وتحسين كفاءة توزيعها.
4- تشجيع إدخال تقنيات الري المتطورة.
5- تقديم الدعم لمشاريع تطوير وإدارة المياه.
6- تطوير وسائل حصاد الأمطار وتنفيذها على مستوى الأفراد والكيانات والدول.
7- اتخاذ الدول العربية لموقف موحد من العدو الصهيوني.
8- التكامل بين الدول العربية في تعظيم العائد من الموارد المتاحة.
9- زيادة التبادل التجاري وفتح الأسواق بين الدول العربية.
10- ضرورة التواصل بين شعوب الأنهار المشتركه مع الدول العربيه وبناء جسور التعاون بين هذه الدول فنيًّا واقتصاديًّا وتجاريًّا، وتفعيل ودعم دور جمعيات المجتمع المدني في هذا الشأن.
11- تعظيم القيمة المضافة اقتصاديًّا لكل نقطة ماء؛ خاصةً في الإنتاج الزراعي والتفكير جديًّا بتطوير سلالات زراعية مقاومة للجفاف والملوحة، وتبديل المحاصيل ذات الاستهلاك المائي العالي بأخرى أقل استهلاكًا للمياه.
12- التفكير في دورة زراعية تستغل الظروف الجوية الجيدة في التصدير إلى السوق الأوروبية.
--------------
* أستاذ الأراضي بقسم الأراضي والمياه- كلية الزراعة- جامعة الزقازيق، من 9/10/2000م حتى تاريخه- مقيم في تنزانيا.
