منذ عقود مضت تحتل الصومال مكانها في الأجندة الغربية، مرة تطفو على السطح، ومرات تخبو تبعًا لمتطلبات المرحلة وأولوية الأهداف وتقلبات الواقع على الأرض؛ ويبدو أن الملف الصومالي قد برز إلى السطح مؤخرًا، خاصةً بعد الأزمة الأخيرة في الحكومة الصومالية، واستقالة رئيس الوزراء عمر عبد الرشيد، وانسحاب حركة أهل السنة والجماعة من الحكومة، واشتداد ساعد حركة شباب المجاهدين على حكومة مقديشو بقيادة شريف شيخ أحمد رئيس الدولة في الصومال الذي فقد الدولة وتراجع إلى عصور ما قبل الدولة منذ بداية تسعينيات القرن المنصرم.
المؤكد الآن أن المسألة برمتها في يد واشنطن، والتي تسعى إلى ضبط اللعبة الجيوسياسية والإستراتيجية في القرن الإفريقي، وترى أن حالة الفوضى السائدة في الصومال أفضل من سيطرة قوة إسلامية قد تعكِّر صفو مصالحها في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي، وهي منطقة غاية في الحساسية بالنسبة للمصالح الأمريكية؛ حيث القواعد العسكرية بطول الخليج العربي وحاملات الطائرات في المحيط الهندي لتقديم الدعم اللوجستي للقوات المحاربة في كلٍّ من العراق وأفغانستان، واستمرار إطباق الحصار على إيران، وبقاء قوات التدخل السريع على أهبة الاستعداد لأي تغيير سياسي أو عسكري مفاجئ، قد يطرأ في المنطقة التي تعج بالتوترات، مستغلة في ذلك كل ما تمتلكه من قوة إعلامية وسياسية وعسكرية.
تغيير تكتيكي
في تسعينيات القرن الماضي قرَّر مجلس أعيان إقليم بلاد بونت إعلان الحكم الذاتي؛ لتحذو حذوها أرض الصومال المجاورة، وينشأ بينهما نزاع على منطقتي صول وسناج، وطوال الفترة الماضية كان الكيانان الواقعان في الضلع الشمالي من الصومال هما الأكثر استقرارًا وأمنًا عن باقي البلاد التي ظلت حتى الآن غارقةً في بحار من الدماء، ورغم ذلك لم يعترف بهما المجتمع الدولي، ولم تعترف بهما الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الغربية؛ والآن وبعد هذه السنوات أعلنت واشنطن أنها تسعى لتعزيز علاقاتها مع الكيانين، وذلك على أمل تحقيق استقرار للحكومة المركزية المحاصرة وقوات الاتحاد الإفريقي المنتشرة في دولة ينعدم فيها القانون بشكل فعلي.
وقال مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية جوني كارسون إن الولايات المتحدة لا تخطط للاعتراف بحكومتي الإقليمين على أنهما دول مستقلة؛ لكنه قال إن زيادة التعاون الأمريكي وبشكل خاص فيما يتعلق بالمساعدة والتنمية، يمكن أن يقضي على غارات يقوم بها متمردو حركة الشباب الإسلامية الذين صعدوا من حربهم؛ للإطاحة بالإدارة المركزية الصومالية المدعومة من الغرب.
وقال كارسون: إن الولايات المتحدة يمكن أن تحاول الاتصال بجماعات في جنوب وسط الصومال، بما في ذلك حكومات محلية وعشائر قبلية تعارض حركة الشباب؛ لكنها غير منحازة رسميًّا أو مباشرة لحكومة مقديشو؛ في الوقت الذي شدَّد فيه كارسون على أن الولايات المتحدة ستواصل الاعتراف بدولة صومالية واحدة، وستعمل على تعزيز حكومة الرئيس شيخ شريف أحمد المؤقتة التي فقدت السيطرة على الكثير من مقديشو والكثير من جنوب ووسط الصومال لصالح متمردي الشباب، وشدَّد على عدم تخطيط أمريكا للاعتراف بهذين الكيانين كدولتين مستقلتين؛ ولكنه قال إن عليهما انتظار المزيد من المساعدات الأمريكية في مجالات التعليم والزراعة والمياه والصحة.
جاء ذلك بعد انعقاد قمة مصغرة بشأن الصومال على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أعقبه كذلك إبداء العديد من الحكومات الغربية رغبتها في تقديم المساعدات إلى الصومال في مشهد يوحي بنوع من التغيير التكتيكي أو الإستراتيجي، يحدث في منطقة القرن الإفريقي؛ حيث أكدت إسبانيا استعدادها للتعاون مع الحكومة الانتقالية في الصومال لتعزيز الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية عبر تطوير قطاع الصيد؛ ليكون حجر الأساس في التنمية الاقتصادية، والقضاء على ظاهرة القرصنة البحرية في القرن الإفريقي.
![]() |
|
ميجيل أنخل موراتينوس |
والواقع أن هذه المساعدات التي قرَّر الغرب، بداية من واشنطن وليس نهاية بمدريد؛ إغداقها على الصومال المعترف بها وغير المعترف بها، صومال الفوضى والعنف، وصومال الاستقرار والأمن؛ ليست إلا تغييرًا تكتيكيًّا في سياسة الغرب تجاه الصومال في ظل اشتداد قوة شباب المجاهدين بسبب الخوف من انفلات الأمور خارج السيطرة الغربية.. تبقى الفوضى هدفًا في حد ذاتها في الصومال؛ ولكن ليست كل الفوضى، إنها الفوضى البنَّاءة التي تسيطر من خلالها واشنطن دون أدنى مخاطر، ومن هنا تأتي التخوفات من شباب المجاهدين، فهؤلاء هم السبب الرئيسي في التدخل العسكري المباشر لإثيوبيا بمساعدة غربية إفريقية في مقديشو؛ حيث إنهم كانوا قد أحكموا سيطرتهم على البلاد، بداية من جنوبي بلاد بونت في الشمال، مرورًا بمقديشو في الوسط وحتى مدينة بيداوة الإستراتيجية في الجنوب الغربي للبلاد؛ وهو ما دفع الجارة إثيوبيا الحبيسة إلى التدخل العسكري المباشر بعد تلقي الضوء الأخضر من واشنطن، وكانت هزيمة اتحاد المحاكم الإسلامية أمام مسلحي حكومة مقديشو المدعومة من الغرب والجيش الإثيوبي، وانسحاب قيادتها وتحالفها مع المعارضة الصومالية في مؤتمر أسمرا سبتمبر 2007م سبب رئيسيّ وراء انشقاق حركة الشباب المجاهدين عن المحاكم، متهمةً إياها بالتحالف مع العلمانيين، والتخلي عن الجهاد في سبيل الله، وعلى رأسها زعيمها السابق شريف شيخ أحمد الذي تولَّى الرئاسة في مقديشو، والذي يطالب الآن بجلب قوات من الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي لصد هجمات الشباب المجاهدين ودحرهم.
