لقد احتلت مسألة الحصول وجمع المعلومات عن الآخرين أهميةً كبيرةً على مر التاريخ، بقيت هذه الأهمية واختلفت أساليب الحصول عليها، قديمًا كان الذي يقوم بهذا العمل جواسيس مهرة، لكن الآن يقوم بهذا العمل جمهور أوسع ممكن أن نصفهم بأنهم أناس عاديون، وكان أيضًا القيام بذلك مخاطرةً كبيرةً، لكن الآن ينجح الكثير في الحصول على المعلومات بطرق إلكترونية سهلة، ها هو "ويكيلكس" يفتح حلقةً جديدةً من أشكال الجاسوسية عبر التاريخ، وإن أطلق عليها بعض الناس تسريبات أو وثائق.
ولقد كان لتركيا نصيب الأسد في تلك الوثائق التي بدأت تظهر على الساحة السياسية والإعلامية خلال الأسابيع الماضية؛ حيث شبَّه بعض الناس حدث "وثائق ويكيلكس" بأنه حدث 11/9 الدبلوماسي؛ أي الحدث الدبلوماسي الذي سيغير العالم كما غيَّرت أحداث 11 سبتمبر العالم وسياساته، وسمًّاها البعض الآخر "حروب الإنترنت" ووصفوها بأنها الجبهة المظلمة للعلاقات الدبلوماسية.
يحاول الجميع في تركيا من الأحزاب والشخصيات الكبرى أن يظهر بأنه غير معنيٍّ بهذه الوثائق، لكنها وبدون شك أثارت القلق في تلك الأوساط السياسية، ودليل على ذلك ما أعقب هذه التسريبات من تحذيرات حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية لنوابهما ومسئوليهما بعدم إجراء أية لقاءات دبلوماسية مع الأمريكان إلا بإذن رسمي.
نشرت تلك الوثائق معلومات كثيرة جدًّا عن تركيا؛ فيما تخص الشخصيات الكبرى في الدولة كـ"أردوغان، وجول، وداود أوغلوا، إلى جانب ما يتعلق بالسياسة الخارجية، وقلق أمريكا من بيع السلاح لإيران، والكثير من الأمور في الشئون الداخلية التركية.
كان أول رد لأردوغان على هذه الوثائق يبدو حكيمًا حينما قال علينا أن نصبر حتى يخرج "ويكليكس" بكل ما في جعبته، ونعرف أين مصارده؟ وقوَّى موقفه أكثر حين رد على الادِّعاء بأنه يملك أموالاً طائلةً في البنوك السويسرية، وأنه وعد بالاستقالة إذا ثبت صحة تلك المعلومات، وقام بشن هجوم كبير على أمريكا، ووصفها بأنها تعمل على إثارة الفتن، ودعا السلطات الأمريكية إلى مساءلة دبلوماسيِّيها عن التشهير بحقه وحق بلاده.
لم يختلف رد جول كثيرًا عن نظيره أردوغان؛ حيث إنه شكك في تلك الوثائق التي لم يُعرف هدفها حتى الآن، وطلب الأناة حتى يعرف ماذا سيحدث فيما بعد، ووصف أيضًا نائب أردوغان أن من يقف وراء هذه الوثائق هي "إسرائيل" بشكل واضح.
يجمع الكتَّاب الذين تناولوا هذه القضية بأن هناك توترات كثيرةً حدثت، وسوف تحدث بين أمريكا وتركيا؛ بسبب تلك التسريبات أو "الوشوشات"، كما أطلق عليها بعض الكتاب، وبدا ذلك من خطاب أردوغان في هجومه على أمريكا، وقبلها اعتذار كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية لداود أوغلو عن هذه التسريبات.
![]() |
|
البرفسور عارف أرسوى |
ويرى أرسوى أيضًا أن المستفيد الأكبر من هذه الوثائق بعد أمريكا هم الصهاينة، وأن العالم الآن يعيش حدثًا تراجيديًّا مضحكًا، وأن ما يحدث يكشف أن أمريكا تريد تدمير العالم بالكذب والخداع، وتكشف أيضًا عاقبة كل من يتعاون مع أمريكا.
وترى أيضًا الدكتورة أوية أكجوننش، الخبيرة في الشئون الأمريكية، أن هذه الوثائق شكل جديد للجاسوسية، ويجب ألا نعطيها هذا القدر من الأهمية، لكن يجب أن ننظر إلى مجمعي تلك الوثائق ومعطيها، ومن يقف وراءها في نفس الوقت، ودعت أيضًا إلى تقييم تلك التسريبات مع الوضع الحالي لتركيا، وقياسهما، وأين تقف تركيا من تلك التسريبات؟!
صورة لفتت النظر وأثارت الكثير من الجدل عن سبب وجودها على موقع "ويكيلكس"، وُضعت تلك الصورة في التصميم الخارجي للموقع، مكتوبة تحتها "حان وقت فتح الوثائق" الصورة هي صورة أتاتورك، صورة قد يكون لها معنى كبير في الأيام القادمة.
لكن يجمع الباحثون على أن لتلك الوثائق تأثيرًا في مجرى الأحداث في تركيا، حتى وإن ثبت كذبها بعد ذلك، فالكل الآن يعيش شغفًا وانتظارًا بما ستخرجه تلك الوثائق فيما بعد.
