أثارت صفقة التعاقد مع شركة (سارسين) الأجنبية جدلاً حادًّا في داخل البيت الحكومي في الآونة الأخيرة؛ حيث لا تنتهي فصول الخلافات والجدال بين النواب في البرلمان الصومالي حول شرعية الصفقة مع الشركة الأجنبية حتى تعلو أصوات تطالب بقطع الصفقة مع الشركة الأجنبية بحجة أنها غير شرعية لم يتم التصويت عليها بالرفض، أو بالقبول لدى البرلمان الصومالي.

 

وحمل رئيس الوزراء محمد عبد الله مسئولية التعاقد مع الشركة على عاتق خلفه السابق عمر عبد الرشيد، معرضًا الوثائق والملفات التي تم تداولها خلال فترة عمر عبد الرشيد وشركة سارسين من جهةٍ أخرى؛ وذلك من خلال جلسة الاستجواب التي عقدها البرلمان الصومالي قبل أيام قليلة.

 

وتوعد محمد عبد الله بكشف المستور عن التعامل السري الذي جرى بين حكومة الصومال مع مسئولين من الشركة الأجنبية التي تتخذ مقرًّا لها في لبنان، إلا أن عمر عبد الرشيد لم يستطع تمالك غضبه وأعصابه، ونفى كل التهم المتعلقة حول إجراء هذه الصفقة خلال فترته، مؤكدًا أن كل الوثائق، والملفات التي تم عرضها أمام نواب البرلمان غير صحيحة ومزورة في الوقت نفسه.

 

ولم يقف عمر عبد الرشيد في إبطاء كلامه عند هذا الحد، بل ألقى قنبلة مدوية على نار الخلافات، لتزداد فجوتها واشتعالها؛ حيث قال إن رئيس الصومال شيخ شريف أحمد هو الذي أبرم صفقة التعاقد مع الشركة الأجنبية، واصفًا إياه في الوقت نفسه بـ"الخيانة الوطنية"، وتساءل قائلاً: كيف يمكن أن يجري رئيس بلد تعاقدًا مع شركة أجنبية بمثل هذا النوع؟!.

 

رئيس الوزراء عمر عبد الرشيد ليس وحده في قفص الاتهام، بل هناك ما نمثله بـ"العصابات الحكومية" التي تعقد صفقات مع شركات أجنبية أخرى لا في العير ولا في النفير في المسألة الصومالية، بينما مقابل الصوماليين الذين يعقدون هذه الصفقات مع الشركات الأجنبية يبحثون عما يسدون به جوعهم المالي وجشعهم الاقتصادي مقابل مقدرات الأمة وثوابتها التاريخية.

 

السؤال الذي ننطلق منه هنا: ما هي الميزانية التي أنفقتها الحكومة الصومالية في سبيل التعاقد مع شركة أمنية أجنبية؟، شركة تتحمل مسئولية حماية المرافق الحكومية وتولى مهام التدريبات العسكرية لقوات الشرطة والعسكرية، وتدريب قوات صومالية أخرى في مكافحة القرصنة البحرية يصل قوامها أكثر من 1050 جنديًّا، وهي قوات مزودة بطائرات عمودية وعدد من العربات العسكرية، وأجهزة حديثة للكشف والرصد حول أنشطة القرصنة الصومالية قبالة السواحل الصومالية.

 

وبما يستدعي الدهشة والحيرة هنا المدة الزمنية الطويلة التي تعاقدتها الحكومة الصومالية في خدمة هذه الشركة في البلاد، وهي مدة لـ10 سنوات، غير أن فترة الحكومة الصومالية مؤقتة في أغسطس المقبل من العام الجاري، أم أن حكومة الصومال تتمتع بصكوك المجتمع الدولي من أجل البقاء على كرسي الرئاسة والقصر الرئاسي المتهالك جدرانه بفعل قذائف المعارضة الصومالية.

 

وهذا ما يوحي بأن هناك تلاعبًا إداريًّا واستشراء الفساد في داخل الحكومة الصومالية؛ حيث تقرر اتفاقيات وتعاقدات وهي لا تستطيع أن تتكفل حماية نفسها بنفسها، فضلاً عن التوسع الإداري والعسكري في الصومال.

 

إن الصومال يصطلي تحت نار الفوضى السياسية والأمنية، خاصةً عندما يقع بأيدي شركات أجنبية مماثلة للشركات الأجنبية الأمريكية التي أراقت دماء الأبرياء في العراق، وأبرزها (شركة بلاك ووتر) التي يعرف الجميع ما ارتكبت من مجازر دموية بحق الشعب العراقي (سنيهم وشيعيهم) بدون تمايزات، أو رحمة لطفل رضيع أو طاعن في الكبر، ويتمثل هذا المشهد السوداوي في عيوننا، ونرى أن الشركات الأجنبية تتدفق في الصومال، ليس حبًّا لسواد عيوننا، بل لنهب ممتلكاته وثرواته، وحصد الأرواح البريئة وما يمكن خطف رءوسها.

 

والأمر المخزي والعار الفاضح هو أن تقف ثلاث دول إسلامية وراء الشركة الأجنبية، ويدفعون ثمنًا باهظًا في جريان عمل هذه الشركة الأجنبية، لأغراض غير محددة وغير معلنة بعد، وهي دول لا تبعد عن محيطنا الجغرافي، وجل هذه الدول تقع في منطقة شبه الجزيرة العربية.

 

وكان للصومال أن تصبح يومًا من الأيام حزام أمن لمنطقة شبه الجزيرة العربية لحماية مقدسات الإسلام ومدنها الإسلامية العريقة، لكن القاعدة الإستراتيجية الجيوبولتيكية في القرن الإفريقي تشهد اهتمامًا غربيًّا، وعلى العكس نرى أن الاهتمام العربي في المنطقة لم يعد له وجود طيلة العقدين الماضيين، والأنكى من ذلك أن البعض ينفذ ما يمليه الغرب وما يخططه لأجل تقسم تركة الصومال الذبيحة.

 

الصفقة التي تعاقدتها الحكومة الصومالية مع شركة (سارسين) الأجنبية لا تقل تأثيرًا عن الصفقة التي جرت في عام 1985 بين السعودية وبريطانيا بشأن تسليح السعودية مقابل أن تدفع الأخيرة مبالغ مالية باهظة، في وقتٍ ليس للسعودية وجود عسكري في الساحة العالمية لتدافع نفسها، أو لتخوض هجومًا عسكريًّا مع الغرب أو الكيان الصهيوني معًا.

 

وهكذا تتمثل حبكة قصة (ظلم اليمامة) في سلسلةٍ من اللقاءات التي جرت- ولا تزال- بين مسئولين صوماليين وممثلين للشركة الأجنبية، وشرعت الشركة ببدء أعمالها في شمال شرقي الصومال، لتتكلف مهام تدريب القوات الصومالية في سبيل مكافحة القرصنة البحرية، ولم تضع أقدامها بشكلٍ كاملٍ على الأرضية لتهز القضية الرأي العام المحلي، فهل من وقفةٍ متأملةٍ لما ستجر لنا هذه الشركة الأجنبية من ويلاتٍ ومآسٍ قبل أن يفوت الأوان؟.