ليس من قبيل المبالغة، وصف الأزمة "الدحلانية"، التي تعصف حاليًّا بالوضع الداخلي لحركة "فتح" الفلسطينية، بأنها مقدمات لزلزال ستتوقف ارتداداته وتوابعه على القرارات التي ستتخذها اللجنة المركزية لحركة "فتح"، في اجتماعها المقرر يوم 14 يناير الحالي، حين تعرض لجنة التحقيق مع محمد دحلان عضو اللجنة المركزية، نتائجها وفق التكليف الصادر إليها، من اللجنة المركزية في الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي.

 

وتتجه الأنظار إلى اجتماع اللجنة المركزية المقبل، لمعرفة الوجهة التي يريدها رئيس حركة "فتح" محمود عباس بشأن أزمة دحلان، فإمّا التراجع عن القرارات التي تم اتخاذها ضدّ دحلان، وهو خيار مستبعَد؛ لأنه يعني انتصارًا جديدًا يحقّقه دحلان في مسيرته التنظيمية، ولن يسمح عباس وحلفاؤه له أن يتحقق، وإمّا الاكتفاء بالقرارات التي صدرت، باعتبارها "فركة أذن" قوية، هزّت "هيبة" دحلان، ووجّهت رسالة بليغة له ولأنصاره، فضلاً عن الجهات الإقليمية والدولية الداعمة له، بأن يلزم حدوده.

 

وقد يتم تصعيد الإجراءات العقابية، بعزل دحلان نهائيًّا من عضوية اللجنة المركزية، وإخراجه من المشهد القيادي، ما يعني هزيمةً نكراء لدحلان لن يقبلها بأي حال من الأحوال، وخوضه معركة تكسير عظام يستخدم فيها كلَّ أسلحته، ضدَّ اللجنة المركزية؛ للعودة مرّة أخرى إلى "سدة" القيادة التي عمل طوال حياته التنظيمية على الوصول إليها!.

 

وإذا كان "غبار" المعركة التي يخوضها عباس ضدّ دحلان، سينجلي في اجتماع اللجنة المركزية بعد ساعات، فإن ثمة أسئلةً يحاول الكثيرون الإجابة عنها، حول أسباب هذه الثورة "العبّاسية" ضدّ دحلان المعروف بعلاقاته المحلّية، والإقليمية، والدولية؟! وطبيعة الاتهامات الموجّهة إلى دحلان ويتم التحقيق فيها؟.

 

الأسباب والخلفيات

يمكن تحديد سببين جوهريين لهذا الغضب الشديد من محمود عباس، الذي دفعه إلى اتخاذ قرار حاسم بـ"تصفية" دحلان، وذيوله في حركة "فتح":

الأول: المعلومات التي وردت إليه بأن دحلان يشكّك في أهليته، وقدراته، وكفاءته، ويصفه بـ"الضعف" و"التردد"، ويطالب بتغييره، ويطرح "ناصر القدوة" بديلاً عنه.

 

السبب الثاني: حملة القدح، والذمّ، والاتهام، التي قادها دحلان ضدَّ عباس وأسرته (نجليه ياسر وطارق، وزوجته)، والتي بلغت جرأة غير مسبوقة، وغير معهودة؛ حيث تحدّث فيها أمام كوادر "فتح" بمخيم جنين، كما تحدَّث عنها في لقاء مع كوادر فتحاوية في دولة مونتنجرو "الجبل الأسود"، التي كان دحلان في زيارة خاصة لها بدعوة من رئيسها، لقضاء بضعة أيام فيها للاستجمام والراحة.

 

في هذين اللقاءين، وجّه دحلان نقدًا لاذعًا ومسيئًا إلى عباس، ووصل تسجيلهما بصوت دحلان إلى عباس، والمعروف أن الأخير لا يمكن أن ينسى الإساءة الشخصية له، ومن الصعوبة أن يتجاوزها أو يقفز عنها.

 

لجنة التحقيق

 الصورة غير متاحة
 
   ولقد تمّ تشكيل لجنة التحقيق مع دحلان من أعضاء ونائب رئيس لجنة فتح المركزية، وعلى الرغم من عدم الإعلان الرسمي عن ذلك، فقد تسرَّبت أخبارها إلى وسائل الإعلام؛ ما دفع دحلان إلى التقليل من شأنها وأهميّتها، والتأكيد على أنَّه ليس هناك أي خلاف سياسي بينه وبين عباس- وهذا صحيح طبعًا- وأن الخلاف شخصي، واللجنة التي تمّ تشكيلها هي للمصالحة بينه وبين عباس، وليس للتحقيق معه، وقد استخدم دحلان نفوذه لدى وسائل الإعلام لتمرير هذه الرسائل بصورة مباشرة، أو غير مباشرة.

 

وقد أثار ذلك عباس، الذي دعا إلى اجتماع اللجنة المركزية يوم الثلاثاء 28/12/2010م، لبحث هذا الموضوع، حيث أبدى استياءه الشديد من تحوّل صورة اللجنة من التحقيق مع دحلان، إلى المصالحة بينهما، مؤكّدًا أنه ليس ندًّا لدحلان، فهو رئيسه، وليس هناك أي خلاف شخصي بينهما.

 

كما وجّه عباس نقدًا إلى تباطؤ اللجنة في عملها، مطالبًا بتحديد سقف زمني لها، وهنا أبدى "أبو ماهر" اعتذاره عن الاستمرار في رئاسة لجنة التحقيق؛ لأن أساس عمل اللجنة هو الاستماع إلى وجهة نظر دحلان في الاتهامات الموجَّهة إليه، وليس للتحقيق معه، وأنه يرى احتواء الأزمة، وليس تصعيدها؛ لأن الوضع الداخلي لحركة "فتح" لا يحتمل تفجير أزمات جديدة.

 

وقبل عباس اعتذار أبو ماهر فورًا؛ حيث يكوّن لديه انطباع أن هناك أوراقًا لدى دحلان ضدّ راتب غنيم (أبو ماهر)، قد يستخدمها ضدَّه ويبتزَّه بها، ومن أهمها ما يقال عن أرض يملكها دحلان في رام الله، باعها لغنيم بسعر التكلفة (50 ألف دولار)، في الوقت الذي تبلغ قيمتها (300 ألف دولار)!.

 

وفي اجتماع اللجنة المركزية طرح عباس بوضوح النقاط التالية، طالبًا التصويت عليها، وهي على النحو التالي:

1- مهمّة اللجنة هي التحقيق مع محمد دحلان في الاتّهامات الموجهة إليه.

2- تعليق عضويته في اللجنة المركزية، وتجريده من مفوضية الإعلام والثقافة، وإسنادها إلى عضو اللجنة المركزية نبيل أبو ردينة لحين انتهاء التحقيق معه.

3- الإعلان عن هذه القرارات بشكل رسمي، وتكليف عباس زكي بالحديث عنها على فضائية (الجزيرة)، باقتضاب ودون الدخول في التفاصيل.

 

وكانت المفاجأة أن جميع الأعضاء الحاضرين (16 عضوًا) وافقوا على ذلك، بمن فيهم المحسوبون على دحلان!.

 

الاتهامات

وتم توجيه عدة تهم إلى دحلان هي:

1- تحريضه ضدَّ رئيس الحركة محمود عباس، والإساءة إليه وإلى أسرته، مستندين في ذلك إلى لقاءين مسجلين بصوته في مخيم جنين، ودولة "الجبل الأسود".

2- تجاوزاته التنظيمية، ومنها حادثة طلبه من سيف الإسلام القذافي التوسّط لدى رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل، للقاء معه خلال وجوده على رأس وفد من "حماس" في العاصمة الليبية العام الماضي، إلا أن مشعل رفض لقاءه.

3- الثراء غير المشروع ومساءلته حول مصادر تمويل استثماراته في مشروعات تجارية وعقارية مهمة، أبرزها:

- استثمارات في أوروبا الشرقية، (مثال: امتلاكه أسهم في شركة هاتف خلوي في جمهورية تشيكيا مع المليونير المصري نجيب ساويرس).

- استثمارات في لندن، (مثال: امتلاكه بنايتين يؤجرهما في أحد الأحياء الراقية هناك).

- استثمارات في مصر، تعدّ الأضخم، ويتولّى إدارتها والإشراف عليها صديقه محمد رشيد (خالد سلام).

- استثمارات في أبو ظبي، ودبي.

- استثمارات في الأردن، وأبرزها المشروع الاستثماري الذي أبرمته سلطة منطقة العقبة الاقتصادية عام 2008م، مع صديقه محمد رشيد (خالد سلام) بتكلفة 600 مليون دولار، وهو مشروع يتضمّن إقامة مدينة سياحية على الشاطئ الجنوبي لساحل العقبة، وتشمل منتجعات سياحية، مركز ترفيه، وملاعب.

 

وهذا المشروع يشارك فيه دحلان، ولكنّه يتحاشى الظهور في الصورة دائمًا، التي يظهر في بعضها صديقه رشيد، والجدير بالذكر أن مكتب الادعاء العام الفلسطيني فتح في عام 2008م، تحقيقًا مع رشيد، بسبب هذا المشروع؛ حيث وجّه له تهمة الاستيلاء على أموال منظمة التحرير، وتقول مصادر مطلعة: إن دحلان يشارك بعض كبار المسئولين الأردنيين السياسيين، والأمنيين، الحاليين والسابقين، في بعض الاستثمارات.

 

4- التحقيق معه في الأسباب التي أدَّت إلى تسليم قطاع غزة إلى حركة "حماس"؛ إذ يحمّله عباس المسئولية الأولى عن ذلك، ويتّهمه بالتقاعس والهروب إلى القاهرة، حيث كان يقيم فيها هو وأبرز اثنين من حلفائه، وهما رشيد أبو شباك (مدير جهاز الأمن الداخلي حينذاك)، وسمير المشهراوي (عضو المجلس الثوري وأحد المسئولين السابقين في جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة).

 

الفرصة المناسبة

والمدقّق في الاتّهامات الموجّهة إلى دحلان، يلاحظ أن بعضها قديم، بالذات ما يتعلق بمصادر الثراء، وقطاع غزة، ولكن إثارتها الآن تعود إلى أن الظروف سابقًا لم تكن مواتية لعباس حتى يتخلّص منه، فقد كان عباس في غنى عن فتح معركة مع "الرجل القوي" بحركة "فتح"، لما يدركه من نفوذه داخل الحركة، كما يدرك علاقاته الإقليمية والدولية.

 

كما أن عباس كان بحاجة ماسة إليه خلال المرحلة الماضية؛ لتوظيفه في حساباته، وتوازناته الداخلية، خصوصًا أن دحلان لم يكن يقترب أو يمسّ من مكانة عباس، ولكنّ اختراقه الخطوط "الحُمر"، والمسّ بمكانة عباس وهيبته، وضلوعه في التآمر عليه لتغييره، دفع عباس إلى اتخاذ قرار بـ"شطبه"، مستفيدًا من وجود أغلبية مؤيدة إياه داخل اللجنة المركزية، ووجود تيارٍ واسعٍ في الحركة ضدَّ دحلان، كما أن موقف عباس المعارض للانخراط في المفاوضات المباشرة ما لم يتوقف الاستيطان، يعزّز وضعه الداخلي، ويجعله في موقع قوي.

 

ضربات استباقية

ولأن عباس يدرك قوة خصمه المراد "شطبه"، فإنه لم ينتظر نتائج التحقيق معه، واتّخذ قرارات وإجراءات شكّلت ضربات "استباقية" لدحلان، تلخّصت فيما يلي:

1- سحب الحراسات الخاصة حوله، التي كانت توفّرها له السلطة الفلسطينية، حيث أصدر عباس تعليمات، بأن تقتصر الحراسة عليه على شخصين اثنين فقط، أسوة بأعضاء اللجنة المركزية لحركة "فتح"، على أن يرتدي هؤلاء الزيّ المدني وليس الزي الرسمي.

 

وقد تعامل عباس بصرامة في هذا الأمر، حيث أقال العميد "حسين عيسى" أحد كبار المسئولين في جهاز الأمن الوقائي، وهو من المحسوبين على دحلان، بسبب إرساله- بناء على طلب من دحلان- خمسة وعشرين عنصرًا لحراسته، بعد صدور تعليمات عباس برفع الحراسة عنه.
 
2- الطلب من الصهاينة سحب بطاقة الامتياز (V.I.P) التي تخوّله السّفر من وإلى الأردن بسيارته الخاصة، ودون الخضوع للتفتيش، وهي البطاقة الممنوحة لخمس شخصيات فقط، يأتي في مقدمتهم، محمود عباس، وسلام فياض، ومن بينهم محمد دحلان.

3- بناءً على تعليمات من عباس، أصدر وزير خارجية السلطة الفلسطينية في رام الله رياض المالكي تعميمًا على كلِّ السفارات الفلسطينية، بعدم التعامل مع دحلان على أنه شخصية ذات موقع رسمي، وعدم تقديم أي تسهيلات له، بما فيها استقباله ووداعه في المطارات، كما كانت الحال عليه سابقًا.

4- أبلغ عباس السلطات الرسمية في مصر والإمارات والأردن أن دحلان لا يمثّل السلطة الفلسطينية، ولا منظمة التحرير، ولا حركة "فتح"، وأنّه ينبغي التعامل معه على هذا الأساس.

5- أصدر عباس تعليمات بإغلاق مكاتب فضائية "فلسطين الغد"، وإذاعة "الحرية" في الضفة الغربية، وهما وسيلتان إعلاميتان كان دحلان بصدد إطلاقهما بحكم موقعه كمفوض للإعلام والثقافة في حركة "فتح".

6- تمّت إقالة العشرات من الضبّاط والموظفين في مؤسسات السلطة، وأجهزتها الأمنية من المحسوبين على دحلان، وإصدار تنقلات وتعيينات جديدة في الضفة الغربية، على النحو التالي:

- العميد مصطفى الدهيدار، مديرًا لجهاز الأمن الوقائي في مدينة الخليل.

- العقيد إياد الأقرع، مديرًا لجهاز الأمن الوقائي في رام الله، بدلاً من العقيد أكرم الرجوب، الذي نقل إلى المقر العام في مدينة رام الله.

- المقدم حمدي أبو كامل، مديرًا لجهاز الأمن الوقائي في نابلس.

- العميد خليل النقيب، مسيّرًا للخدمات الطبية العسكرية، بدلاً من العميد كامل إحسان، الذي تمت إحالته للتحقيق بتهمة الاختلاس والسرقة.

 

7- تعمّد عباس إهانة دحلان في موقفين لافتين؛ الأول: أثناء انعقاد المجلس الثوري لحركة "فتح" في نوفمبر 2010م، حيث حضر دحلان إلى مكان الانعقاد فأرسل له عباس بعض الأشخاص، الذين نصحوه بالمغادرة، لأن وجوده قد يشكّل "استفزازًا" لعباس، وقد يحدث ما لا تُُحمد عقباه، ففهم دحلان الرسالة وقفل خارجًا، دون أن ينبس ببنت شفة!

 

الموقف الثاني: وهو الأكثر وضوحًا في تعمّد إهانة دحلان، حيث وقع في حفل عقد قران "ربى" كريمة الأسير "مروان البرغوثي"، الذي أقيم في قاعة (سَرِيَة رام الله)، يوم الثلاثاء 23/10/2010م، بحضور مئات الشخصيات الفلسطينية في مقدمتهم محمود عباس، الذي أصرّ على الحضور شخصيًّا، وتمثيل عائلة العروس في هذا الحفل.

 

وقد أوعز عباس إلى مرافقيه وحراساته الشخصية بضرورة تفتيش دحلان شخصيًّا قبل دخوله القاعة، وعدم السماح لحرسه بدخول القاعة وإبقائهم خارجها، وقد انتشرت هذه الحادثة في الضفة الغربية، وقطاع غزة انتشار النار في الهشيم.

 

8- طلب عباس من السلطات الأردنية إلغاء اتفاقية المشروع الاستثماري، التي وقعتها سلطة منطقة العقبة الاقتصادية مع محمد رشيد (خالد سلام)، صديق دحلان، وشريكه في معظم المشاريع الاستثمارية، وجاء هذا الطلب استنادًا إلى أن أموال هذا المشرع خاصة بالمنظمة، وقد ردّت الحكومة الأردنية في حينه، بأن الاتفاقية الموقعة مع رشيد منسجمة مع الأسس الواضحة المعمول بها في منطقة العقبة الاقتصادية، وأن الحكومة غير معنية بالشكوك المثارة حول مصادر أموال رشيد!

 

وقد قالت مصادر مطلعة حينها: إن مسئولاً أمنيًّا أردنيًّا رفيع المستوى، وقف وراء تسهيل عقد الاتفاقية، وجاءت المفاجأة مؤخرًا أن الحكومة الأردنية أعلنت إلغاء الاتفاقية ومصادرة قيمة الكفالات المالية في المشروع البالغة 3 ملايين دينار أردني، بحجة انتهاء المهلة التي منحتها للمستثمر محمد رشيد لاستيفاء المتطلبات القانونية، والاستثمارية الخاصة بالمشروع، والتي مُدّدت في آخر مباحثات بين الطرفين ستة أشهر إضافية، ولكن المستثمر لم يقم بتقديم الشروط، مما استوجب استرجاع الأرض التي مُنحت له لإقامة المشروع عليها، ومساحتها 1440 دونمًا!

 

9- بدأ عباس بخطة استمالة بعض القيادات الغزّية المحسوبة على دحلان، وأبرزها "روحي فتوح" رئيس المجلس التشريعي الأسبق، والذي كان قد عُزل وهُمّش، بسبب فضيحة "تهريب الجوالات" الشهيرة، حيث أُسنِد له ملف قطاع غزة بدلاً من صخر بسيسو.

10- أصدر عباس تعليمات إلى الأجهزة الأمنية باعتقال العشرات من العناصر المؤيدة لمحمد دحلان، وكان أبرز المعتقلين مدير مكتبه في رام الله "معتز خضير"، الذي اعتقل يوم الجمعة 31/12/2010م.

11- أصدر عباس تعليمات إلى السلطة الفلسطينية، تقديم طلب إلى الشرطة الدولية (الإنتربول)، يقضي بتسليم قائمة مكونة من عشرة أشخاص مطلوبين لدى السلطة بتهم فساد مالي، معظمهم من المحسوبين على دحلان، ومن أبرزهم اللواء رشيد أبو شباك، المقيم في القاهرة منذ عملية "الحسم" العسكري في قطاع غزة في يونيو 2007م، وقد تم التفاهم بين السلطة الفلسطينية والمخابرات المصرية على خضوع رشيد أبو شباك إلى التحقيق في سفارة فلسطين في القاهرة، بدلاً من اعتقاله وتسليمه إلى السلطة في رام الله.

 

وماذا بعد؟

يتضح فيما سبق عرضه، أن "الضربات" الاستباقية التي وجّهها عباس إلى دحلان، بعضها معنوي، يستهدف "إهانته"، وكسر "هيبته"، وبعضها عملي، يستهدف إضعاف نفوذه، ومحاصرته. وقد فعل كلّ ذلك قبل أن تقدم لجنة التحقيق مع دحلان تقريرها، فماذا يمكن أن يفعله بعد تقديمها للتقرير، الذي ترجّح مصادر مطلعة أن يدين دحلان؟!

 

إنّ إدانة دحلان المتوقعة ستعطي عباس ذريعة قويّة لعزله من عضوية اللجنة المركزية، وربما المجلس الثوري، وتشير بعض المعلومات إلى أن فكرة تشكيل مجلس استشاري مكون من 51 عضوًا، يجمع أعضاء اللجنة المركزية، والمجلس الثوري السابقين، يهدف عباس من خلاله إلى إعادة خصوم دحلان الكثيرين، الذين تمّ التخلّص من معظمهم في المؤتمر العام السادس، وربما يقوم بإعادة تشكيل اللجنة المركزية والمجلس الثوري من جديد، بحيث يتم التخلّص مع دحلان والموالين له، الذين يتركز غالبيتهم في المجلس الثوري، حيث يقدّر عددهم بثمانية وثلاثين عضوًا، وهو عدد كبير، ويشكّل كتلة متماسكة ومهمة داعمة لدحلان.

 

وباتت المراهنة على تدخل إقليمي ودولي لإنقاذ دحلان من "مقصلة" عباس ضعيفة، وأفادت مصادر بأن اللواء عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية طلب التدخّل لدى عباس والتوسّط لدحلان، بذريعة أن حركة "فتح" يكفيها ما فيها من أزمات، وأنها تواجه مأزق المفاوضات مع الصهاينة، ومأزق المصالحة مع "حماس"، وتفجير أزمة داخلية مع دحلان، سيضيف مأزقًا جديدًا إلى مأزقها، وأن "حماس" ستفرك يديها فرحًا وشماتة بعباس ودحلان معًا، وأن المطلوب احتواء الموضوع، وليس تصعيده، ولكن عباس أصرّ على المضي في إجراءاته، ما دفع اللواء سليمان بعد اللقاء أن يقول لأقرب مساعديه: "الواد ده اتشطب!"، يعني بذلك دحلان!

 

وحتى يقطع عباس الطريق على أي تدخلات أخرى، فقد أبلغ المسئولين في بقية دول "الاعتدال"، بموقفه الحازم من دحلان؛ مما جعلها تقف متفرّجة باستثناء تدخلات خجولة لا تقدّم ولا تؤخر.

 

أما الأمريكان والصهاينة فقد التزموا الصمت انتظارًا لما ستسفر عنه هذه المعركة، فما يهمّهم هو "سلام فياض" الذي قدّم نفسه بديلاً قويًّا وموثوقًا عن دحلان وعباس نفسه؛ لذا فإن الأمر لم يعد يعنيهم كما كان عليه الوضع سابقًا، فالبديل جاهز لكلا الطرفين المتصارعين!.

----------

* بالاتفاق مع مجلة "المجتمع" الكويتية