بعد 81 عامًا من فشل الاحتلال البريطاني لفصل جنوب السودان عن شماله، يبدو اليوم القلق جليًّا من قدرة مؤامرة التفتيت الصهيونية الأمريكية على النجاح في تقسيم أكبر الدول العربية، قبيل الانطلاق إلى باقي الدول الموجودة بخريطة الصهيوني "برنارد لويس" لتفتيت الوطن الإسلامي، إلا أن الخوف يتضاعف لدى المراقبين من الكارثة التي قد تحل بالجنوب حال الانفصال وتأسيس أفقر الدول الإفريقية وأبعدها عن الاستقرار الأمني والسياسي.
وكانت أولى محاولات فصل الجنوب في ظلِّ الاحتلال البريطاني بإعلانه تدشين سياسة الجنوب في يناير 1930م، والتي قضت بفصل إدارة الجنوب عن الشمال؛ لمنع دعوة الإسلام القادمة من هناك، وعزله في وحدات قبلية وعرقية قائمة على أعراف الأهالي ودياناتهم المحلية، مع تمهيد الطريق لحملات التنصير واللغة الإنجليزية.
وبعد معاناة طويلة وشاقة اضطر الإنجليز لإلغاء سياسة الجنوب في 1947م، بل والقبول باستقلال السودان الموحد في 1956م، وذلك قبل أن يرجع مصطلح فصل الجنوب عن الشمال لصراعات السودان عام 1965م من قبل تنظيم "جبهة الجنوب"، إلا أن اتفاقية أديس أبابا الموقعة في عام 1973م وضعت حدًّا لتلك الدعاوى، مغلبة بذلك خطاب الوحدة، مع التأكيد على خصوصية وضع الجنوب، ومنحه الحكم الإقليمي الذاتي.
وحين اندلعت الحرب الأهلية بجنوب السودان مرة أخرى سنة 1983م، فاجأت الحركة الشعبية الجنوبية لتحرير السودان الجميع بتبنيها خطاب الوحدة، ونظرتها لمشكلة الجنوب باعتبارها جزءًا من مشكلات السودان عامة، وأنه ليس لديها مشكلة باسم الجنوب وحده.
قبل أن يعود خطاب التقسيم ليفرض نفسه من خلال دعاوى حق تقرير المصير أواخر تسعينيات القرن الماضي لم تقدم جميع تلك النداءات يومًا رؤيةً حول مستقبل الدولة الانفصالية، التي لا تملك حاليًّا- أو حتى في المدى المنظور- أيًّا من إمكانيات الدولة ومقوماتها.
أفقر إفريقيا
وإذا كانت الحركة الشعبية تدعو إلى الانفصال سرًّا وعلنًا، وتحاول استغلال الجهل والأمية المتفشييْن في نحو 80% من مجتمع الجنوب، فهي لم توضح بعد كيف ستدير الجنوب إذا تحوَّل إلى دولة، وما خطتها الاقتصادية والسياسية والأمنية، وكيفية إدارتها لقطاعات التعليم والصحة والإعلام وغيرها.
ويعرف أي متابع لأحوال جنوب السودان هشاشته الاقتصادية، والبادية في كلِّ أركان الإقليم، والتدني البالغ للبنية التحتية وخدماتها العامة، حتى إن 60 كيلو مترًا فقط من طرق الجنوب معبدة، ويتم توفير الطاقة الكهربائية عن طريق مولدات الديزل، ولا توجد شبكة مياه وطنية، فضلاً عن كون الجنوب منطقة "مُغلقة" ليس لها تواصل مع العالم الخارجي إلا بالطائرة، ومن يرد التوجه من الرنك غرب السودان إلى الجنوب فعليه العودة إلى الخرطوم ليستقل الطائرة إلى ملكال أو جوبا وغيرهما من المناطق.
ويبرز بأسواق جوبا تدهور صور التجارة والحياة الاقتصادية التي لم تتعافَ بعد من سنوات الحرب الأهلية، وتعتمد بصورة أساسية على النفط واستثمارات أجنبية، تهدف إلى استنزاف موارد الجنوب، دون تحقيق تنمية حقيقية به.
وهم النفط
وحتى عائدات النفط التي يظن كثيرون أنها ستلبِّي حاجة الجنوبيين، فقد صرح أليقا ملوك، نائب محافظ البنك المركزي ومدير بنك جنوب السودان، أن الأموال المتحصلة منها لا تغطي احتياجات الإقليم، ولا تلبي طلبات التنمية، فضلاً عن أن تلك الإيرادات تبقى مرهونة بالشمال الذي يمتلك البنية الأساسية للتكرير ولشحن النفط، وحتى التصدير عبر خطوط تمتد من الجنوب إلى ميناء بورسودان بالشمال، ويبلغ طولها 1610 كيلو مترات، وسيحتاج الجنوب إلى سنوات لتشييد بنيته التحتية لو توفر لها التمويل.
وإذا كان ثمة توقعات بتضاعف إيرادات الجنوب من البترول مبدئيًّا، فإن الإنتاج في الآبار الحالية سيصل إلى مستوى منخفض جدًّا سنة 2015م، قبل أن ينضب تمامًا سنة 2025م؛ ما سيعدُّ كارثة حقيقية على اقتصاد الجنوب الذي يعتمد بنحو 98% على صادرات النفط.
كما أن الأزمة الاقتصادية العالمية فعلت أثرها مع انخفاض أسعار البترول؛ ما يطرح إشكالات خطيرة لتمويل الدولة المفترضة، والتي يقدر الخبراء إيراداتها المقبلة بنحو 3.6 مليارات دولار، مع عجز سيبلغ 1.6 مليار دولار ليمثل 8% من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 20 مليار دولار، وهو عجز يتجاوز المعدلات المسموح بها.
أوغندا وكينيا
وحاليًّا لا يعرف الجنوب أي استثمارت كبرى، لا محلية ولا دولية، ولا يعرف الإقليم سوى مصنعين فقط، وتعامل الجيران مثل أوغندا وكينيا مع الجنوب على أنه سوق يستوعب بضائعهم الرخيصة، ومصدر رزق لنحو 300 ألف عامل من مواطنيهم الذين يكتظ بهم سوق العمل الجنوبي؛ ما يضاعف البطالة هناك، مع احتمالات تزايدها في المستقبل.
وترتفع أسعار المواد الغذائية والخضراوات والفاكهة جنوب السودان؛ نتيجة ضعف الإنتاج الزراعي والاعتماد على أوغندا وكينيا في استيرادها، وتضاعفت صادرات كينيا إلى الجنوب لتصل خلال سنة 2009م إلى (157.7 مليون دولار)، فيما أدخلت أوغندا بضائع بنحو ثمانمائة مليون دولار في السنة نفسها، وتأمل الدولتان في المزيد، مع تكريس وضع جنوب السودان الحالي كمستهلك لمنتجات غيره.
لذا يبدو جليًّا الاستياء الشعبي من الشركات الكينية والأوغندية "الاستغلالية"، وعبَّر العديد من الأهالي لوسائل إعلامية مختلفة عن تخوفهم من الاحتلال الاقتصادي للجنوب من الدول المجاورة، وخاصة أوغندا صاحبة الشراكة الاقتصادية مع الكيان الصهيوني؛ حيث يملك الموساد ورجال أعمال صهاينة العديد من الشركات الأوغندية، ومعظمها يعمل في جنوب السودان.
صحة وتعليم
وما يفاقم الأزمة هو عودة نحو 1.5 مليون جنوبي بالشمال إلى الجنوب؛ ما سيُعجز الحكومة عن توفير متطلبات هذا العدد الضخم من سلع وخدمات وصحة وتعليم وغيرها، ولن تجدي المساعدات الخارجية نفعًا، لا سيما بعد أن قلَّصت الأزمة المالية العالمية من حجم المساعدات المقدمة من الدول المانحة، والتي يعول عليها الجنوب بشكل كبير.
لذا اقترحت حكومة الجنوب فكرة الجنسية المزدوجة للمقيمين بالشمال في حال الانفصال؛ لتجنب تحمل هذا العبء والإشكالات الاقتصادية الناجمة عنه، إلا أن الخرطوم أكدت أنها ترفض المقترح شكلاً وموضوعًا، وقال الرئيس السوداني عمر البشير: "مسألة الجنسية المزدوجة غير واردة بالنسبة لنا".
كما يفتقر الجنوب للكفاءات البشرية التي يمكن أن تتصدى لمهام بناء الدولة، حتى إن قطاعاته الحيوية، مثل التعليم والصحة، تعتمد بصورة أساسية على أهل الشمال، فهم المعلمون والأطباء بالجنوب، وفيما ينتظم 20% فقط من التلاميذ بقطاع التعليم، يبرز تردِّي قطاع الصحة، حتى إنه لا يستطيع مواجهة أي وباء أو مرض مفاجئ، ويفشل في التغلب على تفشي شلل الأطفال والحصبة.
وتفرض حكومة الجنوب حاليًّا ضريبة مبيعات بنحو 12% إضافة لضرائب وجبايات أخرى، وإزاء مثل هذه الأوضاع المتقلبة قد تضطر الدولة لزيادة الضرائب والرسوم؛ ما يعني زيادة العبء المعيشي على نحو 10 ملايين نسمة بالجنوب، ومع تضاعف نسب الفقر والبطالة، ربما يصعب الحديث عن الاستقرار الأمني والسياسي، والذين ستتوقف عليهما الاستثمارات الوطنية والأجنبية في المستقبل.
أما الرهان على حسن إدارة الحكومة الانفصالية فيفنده تاريخها السابق منذ توقيع اتفاق نيفاشا عام 2005م؛ إذ حصلت على مدار 6 سنوات على نحو 30 مليار دولار لتطوير البنية والحياة الاقتصادية، إلا أن الواقع يشهد على غياب كامل للمؤسسات الاقتصادية، كالبنوك وشركات التأمين وغيرها، مع تفشٍّ معروف لوباء الفساد.
وسيواجه الجنوب تحديًا ماليًّا شديدًا يتمثل في المبالغ الهائلة المنفقة على جيشه الذي فشل في تسريح قطاع كبير منه بعد اتفاقية السلام؛ نظرًا لغياب فرص العمل التي يمكن توفيرها لهم، وقد سبق أن فجَّر تأجيل الرواتب أعمال شغب من جانب جنود غاضبين.
التحدي السياسي
![]() |
|
هكذا يبدو الوضع المعيشي في جنوب السودان |
ولذلك وصف علي عثمان طه، نائب الرئيس السوداني، احتمالات انفصال الجنوب وتصويت الجنوبيين لصالحه، بأنها ستكون "قفزة في الظلام"، قد تؤدي إلى فوضى واضطرابات في إفريقيا والدول العربية، وأيده السفير أحمد حجاج، الأمين العام المساعد لمنظمة الوحدة الإفريقية سابقًا والأمين العام للجمعية الإفريقية بالقاهرة، فأكد أن انفصال جنوب السودان سيؤدي إلى صدمة كبيرة بين أبناء البلد ستمتد آثارها إلى الدول المجاورة.
فيما أعرب جان بينج، رئيس المفوضية الإفريقية، عن قلقه حيال آفاق انفصال جنوب السودان، وقال "إنها مشكلة كبرى وقلق لكل الدول الإفريقية التي من الممكن أن تواجه أوضاعًا مشابهةً"، فضلاً عن دفعه السودان إلى مربع الحرب والمواجهات.
ويتأصل غياب الاستقرار السياسي مع الخلافات الحالية مع الشمال حول ترسيم الحدود والملفات المعلقة، مثل العملة والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وحقول النفط وإنتاجه وترحيله وتصديره، وحقوق المياه والملكية وغيرها، غير مشكلات الهويَّة التي كشف عنها ممثل حكومة جنوب السودان بالقاهرة بنجامين بيلان، حين صرَّح لصحيفة (الشروق) المصرية أواخر ديسمبر الماضي بأن "رغبتهم في الانفصال هدفها إبادة "النسل العربي" من السودان، والحصول على الأموال لشراء الأسلحة لمحاربة العرب بها".
التحدي الأمني
ويتضاعف القلق من حالة انفصال الجنوب بقيام دولة ذات حدود مضطربة شمالاً نتيجة خلافات القبائل بالمناطق الحدودية مثل "أبيي"، وجنوبًا نتيجة تدفق العمالة، ونزوح المشكلات من الحدود الجنوبية، مثل ما يحدث حين يهاجم "جيش الرب الأوغندي" المتمرد جنوب السودان، من جمهوريتيّ الكونجو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى، فيشرد الآلاف، ويوقف الزراعة بأكثر مناطق الجنوب خصوبة.
كما سيعاني الجنوب من مشكلات داخلية مسلَّحة بين القبائل المختلفة، والتي يرى كلٌّ منها أنها أحق بالسلطة والثروة من قبيلة الدينكا المسيطرة على الحركة الشعبية والحكومة؛ نتيجة كونها أكبر القبائل في الجنوب، ولاهتمامها القديم بتعليم أبنائها بمدارس المنصرين، وابتعاثهم إلى جامعات أمريكا وبريطانيا.
ولا تحظى بثقة كل أهل الجنوب، خاصةً من قبيلة الشلك الأقرب إلى قبيلة الدينكا في العدد، غير اختلافات الكثير من أهل الجنوب القائمة حول أداء الحكومة الجنوبية نتيجة الفساد وهدر الأموال، وعدم وجود إنجازات تتكافأ مع التدفقات المالية من الخارج والداخل.
وعلى مدى قرون وسنوات عاش الجنوب على تسامح الدين الإسلامي وحكام الشمال مع وجود أديان أخرى؛ ما جعل التعايش الديني في السودان إرثا تاريخيًّا عرفته المدن التاريخية القديمة شمالاً وجنوبًا، ورغم تَكَوُّن الجنوب من حوالي 500 قبيلة فإن لكلٍّ منها لغتها المحلية، وكان 90% منها يجتمع على اللغة العربية.
ومع تهميش العربية في ظلِّ الدولة الانفصالية وانتشار القبلية والجهوية والعرقية وتوطن المؤسسات الموصلة بجهات خارجية، سيتغير الظرف التاريخي السوداني؛ ليتم إحياء اللهجات المحلية؛ ما يزيد صعوبة التواصل، ويشدد المشكلات الأيدلوجية بين فرقائه مع تنامي الاختلافات العرقية والمذهبية، وبروز تحدٍّ كبير في القبول بالآخر المختلف، خاصةً أن أحدث تقرير للمجلس الأعلى لتجمع المسلمين في جنوب السودان يؤكد أن نسبة عدد المسلمين هناك 35%، وهي نفس نسبة الوثنيين، ويليهم المسيحيون بنسبة 30%.
جناية براقش!
مع إطلالة القرن الحادي والعشرين يتضح تغير وسائل الحملات الاحتلالية (الاستعمارية)، والتي جعلت همها في استغلال أمية وجهل القارة السوداء لنهب مواردها وخيراتها، واستخدام حتى البشر والحجر في تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية.
وإذا كانت الحركة الشعبية هي المسئول الأول حال انفصل الجنوب؛ لأنها لم تقم بداية بواجبها طبقًا لاتفاقيات السلام في تحقيق الوحدة، وزكت بالمقابل الدعاوى الانفصالية، فإن عشرة ملايين جنوبي سيتحملون- ربما بجهلهم- الكارثة الأقرب إليهم، إذا صوَّتوا على الانفصال عن وطنهم السودان.
