منذ بدء الثورة الشعبية السلمية ضد النظام القمعي في سوريا والسؤال المثار هو: هل ستؤثر هذه الثورة الشعبية المتصاعدة في حركة المقاومة الاسلامية (حماس) التي تستضيف دمشق مكتبها السياسي، خصوصًا أن جذور الحركة الفلسطينية هي ذات جذور قسم كبير من الثوار السوريين السنة، وهي الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين؟

 

في بدايات الثورة فهمت ضمنًا من مسئول في حركة حماس أن موقفهم هو عدم التدخل في الشأن الداخلي السوري بين السلطة والشعب، وأنهم لو خيِّروا بين البقاء في سوريا وبين أن يجاملوا النظام السوري الذي يطالبهم بإصدار بيانات تنتقد هذه الثورة الشعبية فسيفضلون الانتقال من سوريا؛ لأن المبادئ لا تتجزأ ولا يمكن لحماس أن تزايد- مثل حزب الله- على موقف ثوار سوريا أو تتهمهم بأنهم إرهابيون ولهم أجندات أجنبية.

 

وقد تصور البعض في مصر أنه بمجرد اندلاع الثورة السورية وبسبب حرج موقف حماس؛ سوف تضطر الحركة لمغادرة سوريا، بل وراجت شائعات- نفاها رئيس المكتب السياسي خالد مشعل في حينها- عن احتمالات انتقال حماس لمصر بعد الثورة التي أنهت خصومة النظام السابق مع الحركة.

 

بعبارة أخرى باتت حماس أمام شقي رحى؛ فهي تجد نفسها في مأزق أخلاقي كبير أمام الانتفاضة السورية، وتبحث عن قارب للنجاة، وفي الوقت نفسه تجد نفسها في مأزق أمام ضغوط رسمية سورية لتقديم دعم لنظام بشار الأسد وانتقاد الثورة السورية، كمقابل لاستضافة النظام لها، من الصعب أن تفعله وتخالف مبادئها!.

 

ففي أبريل الماضي وعقب سلسلة من الضغوط السورية عليها- كما علمت من مصادر في الحركة- لإصدار بيان تحدد فيه موقفها مما يجري، أصدرت الحركة بيانًا حاولت فيه إمساك العصا من المنتصف؛ حيث جاء في البيان: "إننا نعتبر ما يجري في الشأن الداخلي يخص الإخوة في سورية، إلا أننا في حركة حماس، وانطلاقًا من مبادئنا التي تحترم إرادة الشعوب العربية والإسلامية وتطلعاتها، فإننا نأمل بتجاوز الظرف الراهن بما يحقق تطلعات وأماني الشعب السوري، وبما يحفظ استقرار سورية وتماسكها الداخلي ويعزز دورها في صف المواجهة والممانعة".

 

وهو بيان أغضب السلطات السورية؛ لأنه- بخلاف مواقف حزب الله مثلاً- لم يؤيد صراحةً نظام بشار الأسد أو يعلن مساندة حماس له؛ حيث نأت الحركة بنفسها عن هذا الصراع الداخلي بين الشعب والسلطة، ولكنها أبدت تعاطفًا ضمنيًّا مع الثورة بإعلان احترامها لإرادة الشعب، وركَّزت أكثر على تجاوز الظرف الحالي.

 

ومع هذا حرصت حماس في بيانها الصادر بهذا الخصوص 2/4/2011م، على الاعتراف لسوريا- قيادةً وشعبًا- بوقفتها مع مقاومة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، واحتضانها لقوى المقاومة، وخاصةً "حماس"، ومساندتها في أحلك الظروف وأصعبها، وصمودها أمام كل الضغوط؛ من أجل التمسك بدعم نهج الممانعة والمقاومة في المنطقة".

 

ردود أفعال من طرف ثالث!

واللافت هنا أن كلا الطرفين- النظام السوري وحماس- تعامل مع الآخر بصورة غير مباشرة لإظهار موقفه؛ فحركة حماس التي تواجه ضغوطًا شعبية متزايدة إزاء إحجامها عن تأييد مطالب الشعب السوري في الحرية؛ نظرًا للعلاقات التاريخية الوثيقة التي تربط الشعبين، دفعت بحكومة في غزة للتعبير عن دعمها للثورة السورية، فيما دفعت سوريا حزب الله للرد على موقف حماس عبر نقد الحركة في قناة الحزب (المنار)!.

 

فقد امتدح إسماعيل هنية، رئيس الحكومة المقالة في غزة، الثورات الشعبية العربية عمومًا دون أن يسمي الثورة السورية، وقال- في استقبال وفد ماليزي بغزة- إن لديه إيمانًا عميقًا "بالعمق العربي والإسلامي لفلسطين والتفاؤل بالربيع العربي، خاصةً أننا نرى أنَّ تحرير فلسطين يأتي من خلال ثلاث بوابات؛ الأولى فلسطينية، والثانية عربية وإسلامية، والثالثة العالم الحر".

 

وترافق تصريح هنية الذي نشره المكتب الإعلامي لحركة حماس بالسماح للمواقع الإخبارية التابعة لها بتغطية الأحداث الدائرة في سوريا وسمح "المركز الفلسطيني للإعلام" للمرة الأولى لأعضاء منتدياته الأحد بالتطرق إلى أحداث حماة دون السماح بتعليقات تدين النظام السوري.

 

وبالمقابل حرَّكت سوريا حزب الله لينتقد بدلاً منها حركة حماس عبر قناة "المنار" المؤيدة لحزب الله التي بدأت توجه انتقادات لحماس، وقال الإعلامي المؤيد للنظام السوري رفيق نصر الله- في لقاء بثته المحطة-: "حركة حماس حائرة.. نعم حائرة، وأنا أرى بأنها سوف ترتمي في الحضن التركي".

 

كما سعت أطراف سورية لإحراج حماس عندما نسبت تصريحات كاذبة لخالد مشعل ينتقد فيها تصريحات الشيخ القرضاوي المساندة لحق الشعب الثوري في الثورة، ويمتدح فيها النظام السوري، ولكن حماس نفت صدور هذه التصريحات عن مشعل.

 

هل تغادر حماس سوريا؟

وقد أثيرت تساؤلات عديدة حول أسباب عدم مبادرة حماس من تلقاء نفسها لمغادرة سوريا كي تتمتع بحرية اتخاذ مواقف معارضة لما يفعله النظام السوري ضد شعبه، وأخرى تتساءل أيضًا عن سبب صبر النظام السوري على حماس، رغم رفضها الوقوف في خندقه ضد شعبه ووقوفها على الحياد.

 

والحقيقة أن كل طرف لديه أسبابه؛ فحماس ليس من السهل أن تجد مقرًّا لمكتبها السياسي الحالي في سوريا، ومن الصعب أن تتنقل إلى مصر لأسباب عديدة؛ منها توقيع مصر اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني، وحرج استضافة مصر حركة فلسطينية مسلحة على أرضيها.

 

فالفقرة الثانية من المادة الثالثة من اتفاق السلام المصري الصهيوني تنص على أنه: "يتعهد كل طرف بأن يكفل عدم صدور فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو أفعال العنف أو التهديد بها من داخل أراضيه أو بواسطة قوات خاضعة لسيطرته أو مرابطة على أراضيه ضد السكان أو المواطنين أو الممتلكات الخاصة بالطرف الآخر، كما يتعهد كل طرف بالامتناع عن التنظيم أو التحريض أو الإثارة أو المساعدة أو الاشتراك في فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجة ضد الطرف الآخر في أي مكان، كما يتعهد بأن يكفل تقديم مرتكبي مثل هذه الأفعال للمحاكمة".

 

وهذه المادة لا شك ستعطي الصهاينة وأمريكا الحق في الاعتراض على مصر لو فكرت في استضافة المكتب السياسي لحماس؛ لأنهم سيعتبرون هذا "فعلاً من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية".

 

كما أن المحطة القطرية لم تفكر فيها حماس؛ لأنها ليست سوى مقر مؤقت لزيارات مسئولي حماس، كما أنها محطة ليست آمنةً بالضرورة لوجود قاعدة أمريكية ضخمة بها، واحتمالات تعرض قادتها هناك للخطر.

 

أما فيما يخص سوريا فهي لا تستطيع طرد حماس من أراضيها إلا لو صدر من الحركة موقفٌ رسميٌّ معارضٌ للحكم السوري ومؤيدٌ للثورة، والأهم أن نظام بشار الأسد الذي يقيم حملته للدفاع عن نفسه ضد الثورة الشعبية بمزاعم أنه من دول الممانعة ومن المساندين للمقاومة ضد الكيان الغاصب؛ يحتاج بقاء حماس على أرضه ليظل يتشدَّق بأنه من دول الممانعة، وأن من يقومون بالثورة هم من المتواطئين مع أمريكا!.

 

ولذلك عندما أشيع أن حماس ستغادر سوريا توقَّع البعض أن تكون هذه شائعات من السلطة السورية للضغط على حماس، وقد نَفَى عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" عزت الرشق، هذه الأنباء التي تردَّدت عن مغادرة أعضاء حماس ومكتبها السياسي العاصمة السورية دمشق إلى قطر.

 

وأوْضَح الرشق- في تصريح صحفي نشره "المركز الفلسطيني للإعلام" التابع للحركة- أن حماس ما زالت تمارس عملها من دمشق، وما تناوله الإعلام بهذا الخصوص عارٍ عن الصحة تمامًا، مؤكدًا أنه "لا تغيير على وضعنا في دمشق".

 

ومع هذا فلا يجب توقع أن يستمر الوضع على حالة في ضوء استمرار الثورة واشتعالها وتصاعد بطش السلطة بالمدنيين واستخدام دبابات الجيش في قمع الشعب؛ إذ إن مستقبل وجود حماس في هذه الحالة سيكون مهددًا، وربما يحتاج للانتقال المؤقت إلى قطر، خصوصًا لو زاد تخبط النظام.