لا يختلف اثنان على أن جملةً من العوامل كانت وراء ردع الصهاينة عن توسيع نطاق عدوانهم الأخير على غزة عقب عملية إيلات وقبول الهدنة مرةً أخرى.
من بين هذه العوامل: المخاوف من تضرر العلاقات مع الحكم الجديد في مصر، خصوصًا بعدما تدخلت أمريكا بقوةٍ لوقف التصعيد، ونجحت في إقناع القاهرة بعدم سحب سفيرها من تل أبيب مقابل الاكتفاء بالاعتذار الصهيوني، ومن بينها رغبة أمريكا في التركيز على ملفي ليبيا وسوريا حاليًّا، وعدم جاهزية القبة الحديدية الصهيونية لصد الصواريخ وقدرات المقاومة العالية فيما يخص دقة تصويب الصواريخ وإيقاعها خسائر كبيرة بالمدن التي ضربتها.
ولكن العامل الذي لا جدال حوله، وهو السبب الرئيسي للجم الصهاينة هذه المرة عن الاستمرار في العدوان وقبولها ما يُسمَّى ضبط النفس والعودة للالتزام بالتهدئة والبدء من جانبها بها على غير المعتاد لحد عدم الرد على صواريخ المقاومة، هو الخشية الحقيقية من أن يؤدي أي عمل عدواني صهيوني مستمر على غزة لتحويل واجهة الثوار المصريين إلى تل أبيب، خصوصًا أن المظاهرات مستمرة منذ أسبوع أمام السفارة والقنصلية الصهيونية في مصر، وهناك حالة تحفز واستنفار مصرية تجاه تل أبيب، وهو ما يعني أن الثورة المصرية فرضت على الكيان الصهيوني معادلة جديدة في التعامل مع غزة.
فالهدف الأمريكي الصهيوني المشترك هو السعي لعدم إغضاب الثورة المصرية حاليًّا، وتجنب استفزاز الثوار والحرص على هدوء الجبهة مع مصر.. ليس فقط لعدم تهديد العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، ولكن أيضًا لأن هدفهم الحالي هو تركيز الأضواء على الخلافات بين الثوار في مصر وتعميقها، خصوصًا بين الإسلاميين والليبراليين لضرب الثورة، في حين أن الأزمة مع الكيان الصهيوني توحد الفريقين ضد الصهاينة كما ظهر في الاحتجاجات المشتركة أمام السفارة الصهيونية، وتعرقل خطط ضرب الثورة المصرية من الداخل!.
تدخل أمريكي عاجل لإطفاء الحريق
وليس سرًّا أن سفارتي أمريكا في مصر وتل أبيب لعبتا دورًا فوريًّا في إطفاء حريق الأزمة بين مصر والكيان الصهيوني عبر لقاءات مُوسَّعة ومكثفة واقتراح فكرة التحقيق المشترك لإرضاء مصر، وأن ما سُمِّي اعتذار باراك وبيريز لمصر (هو مجرد إبداء الأسف وليس اعتذارًا) كان أمرًا ملحًّا بالنسبة لأمريكا لتبريد الأزمة.
بل إن الصهاينة- كما قال إيهود باراك في حواره مع التلفزيون الصهيوني مساء الإثنين- اعتبر كلاًّ من عملية إيلات وكذا إطلاق المقاومة الصواريخ على الصهاينة (كمين إستراتيجي) كان يستهدف جر الصهاينة لمواجهة مع مصر وإثارة مارد الثورة المصرية ضد تل أبيب، خاصةً أن الحديث يتصاعد في مصر لتعديل اتفاقية كامب ديفيد أو رفضها، ولهذا اختارت تل أبيب المسارعة بتبريد الجبهتين.
وبارك عبر عن هذا عندما قال إنه "من الحماقة أن ترضى إسرائيل بخسارة العلاقات الجيدة مع مصر، أو تخاطر بفسخ اتفاقية كامب ديفيد للسلام التي تمثل أكبر "كنز إستراتيجي" لإسرائيل في المقام الأول"، وقال: "بناءً على هذا عملت القيادة الصهيونية على عدم السماح لأعدائها بتحميلها مسئولية تدهور الأوضاع الأمنية مع مصر، ونعمل الآن لاحتواء الأزمة مع القاهرة، رغم حساسية الموقف بيننا الناتج عن الغضب الشعبي في مصر".
فقد وصف "باراك" العمليات العسكرية التي نفّذها مجهولون يوم الخميس الماضي في مدينة أم الرشراش (إيلات) بجنوب الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1948، والتي تخلّلها حادث مقتل خمسة جنود مصريين في سيناء بنيران الصهاينة، بأنها تنطوي على محاولة لـ "نصب كمين إستراتيجي من شأنه تشويش العلاقات بين تل أبيب والقاهرة"، على حد تعبيره.
وأعرب في الوقت ذاته عن ارتياحه لتمكُّن الحكومة الصهيونية من اختصار فترة "التوتر الأمني مع الجارة مصر"، وأضاف "الوضع حساس فيما يخصُّ علاقاتنا مع مصر، وعليه يجب التأكد من عدم المساس بمعاهدة السلام المُوقَّعة معها، حيث إنها تعدُّ أكبر ذخر إستراتيجي بالنسبة للصهاينة "، كما قال.
وقال باراك إن الهدف الأساسي من إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على المنطقة الجنوبية هو تشويش العلاقات بين الكيان ومصر، وإنه لهذا تم قبول الهدنة التي عرضتها حماس.
وقد اعترفت صحيفة "هآرتس" الثلاثاء 23 أغسطس بهذا، وقالت إن رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع إيهود باراك، حرصا في أثناء الاجتماع الذي عقده "طاقم الوزراء الثمانية" (الأحد) 21 أغسطس على تأكيد أن هناك عدة أسباب تستلزم الامتناع من الإقدام على أي تصعيد في الوضع ضد قطاع غزة، وفي مقدمها الخشية من ازدياد عزلة الكيان الصهيوني الدولية، ومن تفاقم الأزمة مع مصر، التي اندلعت عقب العمليات المسلحة التي وقعت بالقرب من إيلات الخميس الفائت، وشدد رئيس الحكومة على أنه في ظل أوضاع كهذه لا يجوز أن يشن الكيان الصهيوني حربًا شاملة على غزة.
وأضافت الصحيفة أن نتنياهو وباراك تكلما مطولاً في الاجتماع نفسه على الحاجة إلى أن يلتزم الكيان الصهيوني جانب الحذر والمسئولية إزاء الأزمة مع القطاع؛ وذلك بصورة لم تدع مجالاً للشك في أن الكيان الصهيوني لا يملك شرعية دولية لشن عملية عسكرية واسعة النطاق على قطاع غزة، وفي أن الأزمة التي اندلعت مع السلطة الجديدة في مصر عقب العمليات المسلحة بالقرب من منطقة الحدود بين الدولتين فرضت قيودًا جديدةً على حرية نشاط الجيش.
بل إن إفرايم هليفي- الرئيس الأسبق لجهاز الموساد و"مجلس الأمن القومي"- قال على الكيان الصهيوني أن يبلور سياسة جديدة إزاء حماس بعد الثورة المصرية وقال إن "على الكيان الصهيوني أن يدرس ما إذا كانت المصلحة العليا الناجمة عن ضرورة تطبيق اتفاق السلام مع مصر يستلزم أيضًا بلورة سياسة جديدة إزاء حماس"؟!.
وطالما أن الصهاينة يعترفون بهذا التراجع في قوتهم على الردع تجاه غزة واختلاف المعادلات بعد الثورة المصرية وإزاحة حكم الرئيس السابق مبارك.. فمن الضروري أن تتحرك حركة حماس وقوى المقاومة في غزة للاستفادة من هذا التطور الجديد وفرض أمر واقع جديد.
تحطيم أصنام كامب ديفيد
أما الأمر الثاني الهام المهم الذي يجب على مصر أن تستفيد منه بعد الثورة ضمن لعبة تغيير المعادلات فهو أصنام كامب ديفيد التي يجب تحطيمها، والتي أظهرت أزمة سيناء الأخيرة أن هناك حاجةً أمنيةً لتعديلها وتقليل حجم القيود على مصر فيها التي تمنعها من نشر أي جندي شرطة إضافي بخلاف الـ750 الذين قررت الاتفاقية في منطقة (ج) بدون أذن الكيان الصهيوني!.
فقد كان ملفتًا قول إيهود باراك أن "من الحماقة أن ترضى قيادة الصهاينة بخسارة العلاقات الجيدة مع مصر، أو تخاطر بفسخ اتفاقية كامب ديفيد للسلام التى تمثل أكبر "كنز إستراتيجي" للكيان الصهيوني في المقام الأول".. وهو ما يعني كون اتفاقية كامب ديفيد مكسب للكيان الصهيوني قبل أن تكون هكذا لمصر، ومن ثم السعي لطرق الحديد وهو ساخن بطلب تعديلات فورية في المعاهدة تتعلق بنشر مزيدٍ من القوات المصرية هناك بعدما ظهرت عوامل جديد بفعل الزمن تتعلق بانتشار أعمال العنف التي تحتاج لمزيدٍ من القوات لضبطها.
وهذه المطالب المصرية التي جأر بها خبراء ومثقفون بخصوص تعديل كامب ديفيد، تحدث عنها مسئولون عسكريون صهاينة رفيعو المستوى قالوا- بحسب تقرير لصحيفة (هآرتس) الصهيونية الإثنين 22 أغسطس إنه يتعين على الكيان الصهيوني النظر في تعديل اتفاقيتها للسلام مع مصر لكي تسمح للجيش المصري بزيادة وجوده في سيناء بشكلٍ ملحوظٍ في ضوء الوضع الأمني المتدهور هناك.
فاتفاقية السلام تفرض قيودًا على عدد القوات المصرية في المنطقة، وكذلك نوع الأسلحة التي يمكن الاحتفاظ بها في سيناء وتقسيم شبه الجزيرة إلى مناطق منزوعة السلاح بدرجات متفاوتة، وعلى سبيل المثال تحظر الاتفاقية نشر مصر لدبابات أو مدفعية على الحدود مع الكيان الصهيوني.
وبعد عام 2007م وسيطرة حماس على قطاع غزة، وافقت وزارة الخارجية الصهيونية على طلب مصري بمضاعفة قوة الشرطة البالغ قواها 750 جنديًّا المتمركزة على الحدود المصرية مع قطاع غزة، ومنذ الثورة في مصر، وافق الكيان الصهيوني مرتين على نشر مصر لمزيد من القوات فى سيناء لحماية بنية تحتية أساسية مثل خط أنابيب الغاز للكيان الصهيوني، كما وافق على الانتشار المؤقت لأسلحة ثقيلة إلى سيناء لأول مرة منذ عام 1979م.
وبطبيعة الحال لم تفعل قيادة الصهاينة ذلك حبًّا في مصر وإنما خشيةً أن تغضب مصر الرسمية وتستجيب للمطالب الشعبية وتلغي اتفاقية كامب ديفيد طالما أنها لا تحقق الأمن لمصر حاليًّا.
الحدود المصرية مع فلسطين المحتلة تصل إلى 220كم والوجود الأمني حسب نص الاتفاقية يقضي بوجود جندي للكيلو الواحد، وهو أمر غير منطقي أن يستطيع جندي واحد السيطرة على مساحة كيلو متر ويمنع التسلل في كل هذه المسافة بمفرده، ما يتطلب وضع ملحق جديد في الاتفاقية يقضي بزيادة عدد القوات الموجودة على الحدود.
ولكن المشكلة أننا في مصر لم نتحرك لاستغلال هذه الفرصة الذهبية- مستثمرين ما جرى في سيناء ضد قواتنا- للمطالبة بهذا التعديل في اتفاقية كامب ديفيد، ولا يزال الموقف الرسمي تفصله مساحات أبعد عن الموقف الشعبي.