في ذات الوقت الذي نعمل فيه على استعادة المسار الديمقراطي و تمكين الشعب من حقه في الحرية و الكرامة، نعمل على أن تكون لنا خيوط تربطنا بالله والآخرة و ديننا؛ لأن الروح تجوع و تمرض، والقلب عرضة للموت وكلٌ يحتاج إلى غذائه و دوائه.
وهنا يقع العبء الأكبر على المربي الناضج الذي يتعهد سير إخوانه حتى تبقى أواصرهم بالله متينة فيذكرهم إذا نسوا و يقويهم إذا وهنوا، و يعدهم لميادين البذل و العطاء و الكفاح و التضحية.
و عمله هذا في الوقت الراهن يرتقي بل يفوق مرتبة الكفاح في الميدان فهو مَنْ يصنع الرجال بغرس الإيمان بالنفس و الثقة بالمبادئ و الإعتداد بالنفس والقدرة على مجابهة الأحداث الضخام بقلب جرئ و فهم عميق و يقين ثابت في مستقبل الاسلام؛ مما يجعل كل أخ منهم رقيقًا في مواطن التلطف شجاعًا في مواطن الجراءة بل يرى نفسه أكبر منها.
ذلك لأن الواقع و المرحلة التي تعيشها دعوتنا في تلك الظروف الحرجة يفرضان على القائمين على عملية التربية أن تكون رؤيتهم على بصيرة من طبيعة المرحلة و حقيقة المعركة و حجم التحديات و جوهر الرسالة و الدور الذي عليهم القيام به ، والعلة في ذلك أننا نعيش فترة مفصلية لابد وأن نكون فيها ثابتين كالجبل في ديننا و دعوتنا و إلا سننجرف مع التيار.
كما نريد أن نجعل حلقاتنا التربوية مستشفى لصحة الإيمان و الاستقامة و الثقة بالله و الإقبال عليه و على الآخرة، و أن تنتج النموذج الذي يستطيع أن يتعامل مع المجتمع عامة و مَنْ خدعهم الانقلاب خاصة لتستبين لهم سبيل الحق، و لا نريد مَنْ يتحاور أو يتعامل مع إخوانه فقط؛ بمعنى أن يخالط الناس جميعًا و يخاطبهم على قدر عقولهم لا من حيث انتهى هو، و يصبر على أذاهم، و أن يكون ماهرًا في مد و زيادة الجسور بيننا و بينهم واضعاً نصب عينيه قول الله عز وجل : (يا بني أقم الصلاة و أمر بالمعروف و انهى عن المنكر و اصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) لقمان/17
(فأقم الصلاة) تهيئة إيمانية و صلة و استعانة بالله على المهمة العظيمة وهي (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) و هنا ستكون التحديات فكان ( و اصبر على ما أصابك ) من نتائج ومعوقات في طريق العمل لدعوة الله؛ لأننا لا نريد فقط أن يتعاطف الناس مع الفكرة، بل نريد كلٌ منهم أن يؤمن بما نؤمن به ويحمله معنا، و نمضي جميعًا على بصيرة بمعالم الطريق و إلا سنصدم و لذلك كان قوله تعالى (إن ذلك من عزم الأمور ) ذلك أن المجتمع لن يتقدم إلا إذا ذهب إلى الله و إلا فما قيمة عبادة تجعل صاحبها محايداً ؟ ؛( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).
وعلى قدر نجاح القائمين على العملية التربوية في تكوين هذه النماذج التي تعي ماذا يعني انتماؤها للإسلام؟ و ما متطلبات المرحلة التي نعيشها؟؛ سيكون حصادنا هو خير ما في الدنيا ، و في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار و رضوان من الله أكبر.
ولننتبه إلى الأهمية القصوى للتوازن بين محاور التربية الثلاث الإيماني التعبدي، السلوكي الأخلاقي، الحركي التنظيمي؛ كي لا يطغى محور على آخر، و لنعلم أن لكلٍ بداية و نهاية ومع أن البداية ميسورة للجميع ولكن بلوغ الكمال متوقف على استعداد الأشخاص وكلٌ ميسر لما خُلق له ولكلٍ طاقته و الحد الذي يقف عنده و يجب اعتبار ذلك خلال مسيرتنا التربوية و لذا لزم التنويه.