يتواصل تسجيل الإصابات بالتهاب الكبد الفيروسي في غزة، وسط ظروف معيشية متردية من بينها سوء التغذية والمياه الملوثة، واكتظاظ المخيمات، وتدفق الصرف الصحي وتكدس النفايات، ما يفاقم العدوى.
بات المرض في قطاع غزة جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، خصوصاً في مراكز الإيواء والمخيمات التي تحتضن آلاف العائلات النازحة. وفي ظل انعدام المياه النظيفة، وازدحام الخيام، وتراكم النفايات، تفاقمت الأوضاع الصحية، ولعلّ آخرها وليس أخيرها ظهور حالات التهاب الكبد الفيروسي "أ" بين الصغار والكبار.
ومرض التهاب الكبد "أ" يسبّبه فيروس يحمل الاسم نفسه، وتنتقل العدوى بالفيروس في الأساس عند تناول شخص غير مصاب بالعدوى، وغير محصّن بلقاح مضاد لهذا الفيروس، أطعمة أو مياهاً ملوّثة، وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية، التي توضح أنّ أسباب الإصابة بهذا المرض ترتبط ارتباطاً وثيقاً، خصوصاً، بعدم مأمونية المياه أو الطعام، وكذلك بعدم كفاية خدمات الإصحاح، وبتدني مستوى النظافة الشخصية.
وتتضاعف أعداد المصابين في غزة نتيجة البيئة المدمّرة وغير الملائمة للحياة الآدمية، إضافة إلى تلاصق الخيام في مساحات ضيقة في مراكز الإيواء، حيث تتشارك العائلات الطعام والماء ودورات المياه البدائية التي لا تكفي لعشرات الأشخاص، فضلاً عن مياه الصرف الصحي التي تتّخذ شكل المستنقعات وتُحيط بالخيام من جهات عدة، ويترافق ذلك مع تردّي المنظومة الصحية التي تعاني انهياراً شبه تام. وفي بعض المخيمات لا توجد مراحيض كافية، ما يدفع السكان لاستخدام مساحات مفتوحة، لتتحول الأرض ذاتها إلى مصدر عدوى.
ويؤكد رئيس قسم السلامة ومكافحة العدوى بوزارة الصحة في غزة محمود صالح ارتفاع أعداد المصابين بالتهاب الكبد "أ"، ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ الفيروس ينتشر بين الأشخاص عن طريق الطعام والماء الملوّث، ومشاركة أدوات المريض المُصاب بالفيروس، ويُصيب هذا المرض جميع الفئات العُمرية. كما أن حدّة انتشاره بين الأهالي ترتفع في ظل البيئة الملوّثة، خصوصاً في الأماكن المكتظة والخيام الممتلئة بالنازحين والمُحاطة بمياه الصرف الصحي. ويشير إلى أنّ الأعراض المُصاحبة للمرض هي ارتفاع درجة حرارة الجسم، والشعور بالغثيان واليرقان (اصفرار في الجلد والعينين)، وأنّ حدّة الأعراض تختلف من شخص إلى آخر، وفقاً لطبيعة المناعة والتغذية السليمة للمُصاب.
ويلفت صالح إلى أن طرق الوقاية من المرض تتمثل في تعزيز النظافة الشخصية وغسل الأيدي التي تُعدّ حجر الأساس في منع انتقال المرض، وضرورة الابتعاد عن البيئة الملوّثة ومياه الصرف الصحي، وخصوصاً في مناطق النزوح ومراكز الإيواء المكتظة، إضافة إلى الابتعاد عن تناول الأطعمة المكشوفة والمشروبات الملوّثة التي تُباع في المخيمات والشوارع، ومصادر المياه الملوّثة التي تحدّها مياه الصرف الصحي أحياناً، إضافة إلى ضرورة تغطية خزانات مياه الشرب وإغلاق غالونات المياه بإحكام كي لا ينتقل الفيروس بواسطة الشرب.
وبحسب المركز الفلسطيني للإعلام بتاريخ 28 أكتوبر 2025، كشف مصدر طبي في قطاع غزة عن تسجيل أكثر من 70 ألف إصابة بالتهاب الكبد، تتطلب علاجاً عاجلاً خارج القطاع. وأكد حينها المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى خليل الدقران أن فتح المعابر صار ضرورة قصوى للحد من تفشي الأمراض الوبائية الخطيرة.
وفي 30 يوليو 2024، حذّرت وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" من أنّ النازحين في غزة يواجهون خطر تفشّي التهاب الكبد الفيروسي "أ"، وأنّ عدد الحالات ارتفع إلى نحو 40 ألف حالة منذ بدء الحرب الصهيونية على القطاع في أكتوبر 2023، مقارنةً بـ85 حالة فقط قبل الحرب. ووفقاً لبيانات برنامج الصحة التابع لوكالة أونروا، فقد شهدت تلك الفترة الإبلاغ عما بين 800 و1000 حالة إصابة جديدة بالتهاب الكبد أسبوعياً في شتّى أنحاء غزة.
وتروي الطبيبة فاتن عليان تفاصيل إصابتها بالتهاب الكبد الفيروسي "أ"، وتقول: "بدأت الأعراض بإجهاد شديد، وهزال عام جعلني غير قادرة على الحركة، وارتفاع في درجة حرارة الجسم، وبعد يومين أصابتني آلام شديدة في المعدة، ثم ظهرت أعراض اصفرار في الوجه والعينين. اضطررت لإجراء تحليل لمعرفة نسبة الاصفرار، خوفاً من أن تكون مرتفعة، لكنّ النسبة كانت عادية".
وتضيف عليان التي تعمل في عيادة الدرج الحكومية بمدينة غزة: "لازمتُ المنزل أياماً عدّة تفادياً لنقل العدوى، حتى بدأت الأعراض بالزوال بعد مرور خمسة أيام، فيما استمرت بعض الأعراض نحو أسبوع، وبقي الاصفرار أكثر من عشرة أيام"، شارحةً طبيعة العلاج الذي اعتمدت عليه في ظل شح الإمكانيات، إذ اقتصر على تناول مسكن للآلام، والابتعاد عن الزيوت، واستخدام محاليل لتخفيف الألم".
وترجّح الطبيبة أنّها أُصيبت بالعدوى من جراء المياه الملوّثة، مضيفةً: "خلال عملنا في العيادة أجرينا تحليلاً للمياه، وتبيّن أنها تحتوي نسبة تلوّث عالية". وعن الإجراءات الوقائية، تقول: "حاولتُ عدم استخدام الأغراض والأماكن ذاتها مع أفراد عائلتي، والتزمتُ بالتنظيف والتعقيم بواسطة مادة الكلور".
تعيش مي الحداد (35 سنة)، مأساة مضاعفة، فقد قُصف منزلها في حي الشيخ رضوان، وصارت نازحة في خيمة داخل أحد مراكز الإيواء في منطقة الصفطاوي بمدينة غزة، وتقول لـ"العربي الجديد": "أُصبت بالتهاب الكبد الفيروسي (أ)، وتفاقمت أوجاعي لكوني مُصابة بداء السكري". وتكشف أن الأعراض شملت الإرهاق والتعب والتقيؤ، والاصفرار في العينين، وعدم القدرة على التحرك.
وتضيف: "أخوض معركة البقاء على قيد الحياة، وأحاول الموازنة بين الطعام المناسب للتخفيف من التهاب الكبد، وذلك الملائم للسكري، مع العلم أنّنا نعتمد على طعام التكيّات، وسط ظروف معيشية مُزرية، وانعدام المياه النظيفة". وتتابع مي: "انتقل المرض إلى طفلي جود (10 سنوات) عن طريق دورات المياه الملوّثة في مخيم النزوح، بحسب تقرير الطبيب. وقد أُصيب بأعراض مماثلة، واستغرقت مسألة شفائه أكثر من 14 يوماً".
من جهتها، تعيش دعاء الخالدي (32 سنة)، في خيمة بأحد مراكز الإيواء في منطقة الكرامة، شمالي مدينة غزة، مع عائلتها المكونة من أربعة أفراد، حيث أُصيبت بالتهاب الكبد الفيروسي "أ"، وتقول: "شعرتُ بدايةً بآلام في العظام، ثم بأوجاع في المعدة، وبعد أيام بدأتُ بالتقيؤ، وأُصبت باصفرار في العينين".
وتؤكد دعاء أنّ الأعراض تطورت مع مرور الأيام، إذ صارت غير قادرة على الحركة، قبل أن تهبط مناعتها بشكل حادّ. فكان تشخيص الأطباء أنها أُصيبت بالفيروس من جراء المياه الملوّثة، وتجمّع مياه الصرف الصحي، وانعدام الطعام الصحي، واعتمادها على المُعلبات والتكيّات.
وتشدّد على أنّ "أهم علاج للتعافي هو الحفاظ على النظافة الشخصية، وتعقيم اليدين، والابتعاد عن ملامسة الآخرين، واستخدام أدوات خاصة". وعلى الرغم من حرصها على عدم نقل العدوى، إلا أنّ طفلها رواد (سبعة أعوام) أُصيب بالفيروس، وظهرت عليه الأعراض ذاتها.
وفي مركز إيواء يقع شمالي مدينة غزة، يسكن مهند عوض البلعاوي (42 سنة)، داخل خيمة تحيط بها مياه الصرف الصحي، ويقول إنّه أُصيب سابقاً بالتهاب الكبد، لكّن حالته الصحية تفاقمت في الآونة الأخيرة بفعل البيئة الملوثة، ويؤكد لـ"العربي الجديد" أن الأعراض المُصاحبة للمرض لا تزال مستمرة، وقد اضطرّ إلى الابتعاد عن المياه التي تجلبها بعض الشاحنات، وإلى شراء المياه الصحية وتكبد كلفة إضافية، إذ يصل سعر الزجاجة الواحدة إلى خمسة شيكلات (دولار ونصف دولار أميركي)، في ظل ظروف معيشية واقتصادية مترديّة بفعل الحرب.
ويتابع البلعاوي: "تستدعي حالتي الالتزام بالدواء والطعام الصحي، وكلاهما غير متوفر، لذلك أعتمد على بدائل غذائية بسيطة"، ويختم حديثه بصرخة إنسانية: "لا نريد سوى وقف الحرب وتوفير المياه النظيفة والطعام الصحي".
تكشف شهادات أهالي غزة حجم الترابط بين المرض والبيئة المحيطة، بينما يواصل جيش الاحتلال الصهيوني سياسة الحصار وتدمير البنية التحتية، ومنع إدخال مستلزمات المياه والصرف الصحي، إضافة إلى الفقر وانعدام الأمن الغذائي في القطاع. ويطالب الغزيّون بتحرك عاجل لضمان الحق في المياه النظيفة والطعام الآمن والرعاية الصحية اللازمة، قبل أن تتحول الأوبئة إلى وجه آخر من وجوه الحرب المستمرة على حياة المدنيين.