فقدت الساحة الفلسطينية اليوم واحدًا من وجوهها السياسية والفكرية البارزة، بوفاة الدكتور عطا الله أبو السبح، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، ووزير الثقافة ووزير شؤون الأسرى والمحررين السابق، وأحد أبناء مدينة رفح الذين ارتبط اسمهم بالعمل العام وقضايا الناس.
وفي بيان لها، نعت حماس بمزيد من الرّضا والتسليم بقضاء الله، وبكلّ معاني الصبر والاحتساب، إلى جماهير شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية القائد الوطني والمفكّر الإسلامي الدكتور عطا الله أبو السبح (أبو علاء)، عضو المكتب السياسي للحركة، والوزير الأسبق، وعضو المجلس التشريعي، والمفكّر والأديب والشاعر، الذي وافته المنيّة عن عمر ناهز 87 عاماً، قضاها في خدمة قضيته الوطنية ودعم حقوق شعبه العظيم، في ميادين السياسة والفكر والأدب والتربية والتعليم.
وقالت إن مسيرة القيادي الدكتور عطا الله أبو السبح، رحمه الله، كانت حافلة بالعطاء والتضحية والتفاني في الدفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني، وحق الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع نحو الحرية والاستقلال، كما كانت له بصمات واضحة في دعم حقوق الأسرى الفلسطينيين في سجون العدو الصهيوني، والحضور الفاعل والمؤثر في الأوساط المجتمعية والساحة الوطنية، بروح وقلم وفكر السياسي والأديب والأكاديمي المقاوم، ومضى صابراً محتسباً مرابطاً على أرض غزَّة العزَّة، ملتحماً مع شعبه العظيم، حتى وافته المنية.
الولادة والنشأة
وُلد أبو السبح عام 1948 في قرية السوافير الشرقية، التي هُجّر أهلها إبان النكبة، قبل أن تستقر عائلته في مخيم رفح جنوب قطاع غزة.
هناك، تشكل وعيه الأول على واقع اللجوء والحرمان، وهو ما انعكس لاحقًا على مسيرته الفكرية والسياسية، التي ظلّت مشدودة إلى هموم الفلسطينيين، لا سيما قضية الأسرى.
من التعليم إلى الفكر
بدأ أبو السبح مسيرته المهنية معلّمًا للرياضيات في مدارس وكالة "الأونروا" بعد تخرجه من مركز تدريب المعلمين في رام الله عام 1969، قبل أن يتجه لاحقًا إلى الدراسة الأكاديمية في الشريعة والقانون.
حصل على الماجستير في فقه التشريع ثم الدكتوراه من جامعة أم درمان الإسلامية في السودان، وعمل لسنوات طويلة محاضرًا وأستاذًا لأصول الفقه في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث شغل أيضًا منصب عميد شؤون الطلاب.
في العمل الحكومي والسياسي
برز اسم الدكتور عطا الله أبو السبح بشكل أوضح مع توليه مناصب وزارية في الحكومة العاشرة، أبرزها وزير الثقافة، حيث سعى إلى ترسيخ مفهوم الثقافة بوصفها جزءًا من معركة الوعي والهوية، لا مجرد نشاط ترفيهي، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن "الثقافة الفلسطينية خط الدفاع الأول عن الرواية الوطنية".
لاحقًا، تولى منصب وزير شؤون الأسرى والمحررين، وهو المنصب الذي ارتبط باسمه على نطاق واسع، إذ كان من أكثر الأصوات الرسمية دفاعًا عن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ومواظبًا على تسليط الضوء على معاناتهم، خاصة الأسرى المرضى وأصحاب الأحكام العالية.
واتسم خطابه في هذا الملف بالوضوح والصراحة، داعيًا إلى جعل قضية الأسرى أولوية وطنية دائمة، لا موسمية.
إلى جانب عمله الحكومي، كان أبو السبح عضوًا في المكتب السياسي لحركة حماس، وشارك في صياغة مواقف الحركة السياسية والإعلامية، مع حضور لافت في القضايا الوطنية الكبرى، خاصة ما يتعلق بالصراع مع الاحتلال وملفات الاعتقال والملاحقة.
إرث هادئ وحضور ثابت
لم يكن الدكتور عطا الله أبو السبح من الشخصيات الصاخبة إعلاميًا، لكنه عُرف بأسلوبه الهادئ، ولغته المنضبطة، وحضوره الثابت في مواقع المسئولية. جمع بين الخلفية الأكاديمية والعمل السياسي، وبين الخطاب الديني والوطني، دون أن يفقد بوصلته تجاه القضايا الأساسية للشعب الفلسطيني.
برحيله، تفقد فلسطين غزة ورفح تحديدًا شخصية سياسية وفكرية تركت أثرها في ملفات حساسة، وفي مقدمتها قضية الأسرى، فيما يبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة العمل العام الفلسطيني، بوصفه واحدًا من أبناء جيل النكبة الذين ظلوا أوفياء لقضيتهم حتى آخر العمر.