تتفاقم مأساة مرضى السرطان في قطاع غزة مع انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، في وقت كان يفترض أن يحمل مطلع الشهر الحالي مناسبة اليوم العالمي لمرضى السرطان بصيص تضامن وأمل للمرضى حول العالم.

 

غير أن الواقع في غزة يحوّل هذا اليوم إلى مرآة قاسية لمعاناة قرابة 11 إلى 12 ألف مريض يواجهون خطر الموت المحقق بفعل تدمير المستشفيات، ونقص الأدوية بنسبة تصل إلى 70%، ومنع آلاف المرضى من السفر لتلقي العلاج خارج القطاع.

 

يتحوّل العلاج إلى رفاهية مفقودة بعدما توقفت أقسام الأورام والعلاج الكيماوي والإشعاعي بالكامل نتيجة تدمير المستشفيات وشح الوقود والأدوية.

 

ويتعذّر التشخيص المبكر أو متابعة انتشار الأورام مع تعطل أجهزة الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية، فيما تُسجَّل وفيات يومية بين المرضى وتتدهور حالات كثيرين بسبب التجويع ونقص التغذية في ظل ظروف معيشية قاسية داخل الخيام ومراكز الإيواء.

 

تتكدّس التحويلات الطبية على رفوف الانتظار، بينما يُحرم أكثر من ثلاثة آلاف مريض من مغادرة القطاع للعلاج بعد إغلاق المعابر، ولا سيما عقب السيطرة على معبر رفح.

 

وفي ظل الحرب، سُجّلت آلاف الإصابات الجديدة بالسرطان، وسط بيئة تُضعف المناعة وتفاقم الأوجاع. وتبرز بين أكثر السرطانات شيوعًا سرطانات الثدي والقولون والرئة والبروستاتا والأنف البلعومي واللمفاوية.

 

على أحد الأسرّة، يقاوم منذر أبو فول الألم المزمن وهو يتشبّث بأوراق تحويلته الطبية التي لم تفتح له باب السفر منذ أكثر من عامين. يصف الواقع الصحي في القطاع بالمنهك، ويؤكد أن العلاج والأدوية غير متوفرة، وأن المرضى يموتون يوميًا داخل المستشفيات، فيما يعجز هو عن النهوض من الفراش بسبب شدة الألم.

وفي مشهد آخر، يلازم محمد حمو والدته المسنّة المصابة بالسرطان، مطالبًا بتوفير العلاج داخل القطاع أو السماح بتحويلها إلى الخارج، واصفًا الوقوف أمام مريض يحتضر بلا إمكانيات طبية بأنه مشهد قاسٍ لا يحتمله ضمير إنساني.

 

ولا تقف المعاناة عند حدود غزة، إذ تمتد إلى سجون الاحتلال حيث تتفاقم أوضاع الأسيرات المريضات. ويستعرض نادي الأسير الفلسطيني قضية الأسيرة فداء عساف (49 عامًا) من قلقيلية، المعتقلة منذ فبراير 2025 بذريعة "التحريض"، والتي تعاني من سرطان الدم الذي شُخّص قبل شهرين من اعتقالها.

وتشير الفحوص الطبية الأخيرة إلى تدهور حالتها ووصول المرض إلى مرحلة أصعب مما كان عليه قبل الاعتقال، ما يستدعي علاجًا مضاعفًا وعاجلًا.

 

وبرغم وضعها الصحي الحرج، لا تزال عساف معتقلة في سجن الدامون، وتواجه، وفق إفاداتها، ظروفًا قاسية تشمل الإهمال الطبي المتعمد، والتجويع، والإذلال، والتعذيب النفسي والجسدي، والحرمان من المستلزمات الصحية والنسائية والملابس، إضافة إلى تقليص الفورة والعزل عن العالم الخارجي ومنع زيارات المحامين.

 

وتقول إن المرض كان مستقرًا قبل الاعتقال، لكن المؤشرات ارتفعت بشكل خطير لاحقًا، في دلالة على الأثر المباشر للبيئة الاعتقالية على وضعها الصحي. ويؤكد نادي الأسير أن عدد الأسيرات يبلغ 70، بينهن ثلاث طفلات، ويواجهن سياسات تنكيل ممنهجة منذ بدء الإبادة.

 

في غزة، يتزايد عدد مراجعي أقسام الأورام في ظل نقص حاد في الإمكانات الطبية اللازمة لتلبية الاحتياجات الأساسية، ما يجعل مصير المرضى الجدد مجهولًا.

ومع إعادة فتح معبر رفح بشكل محدود، تساند منظمة الصحة العالمية عمليات إجلاء المرضى ومرافقيهم، مع التركيز على ضمان النقل الآمن، فيما ينتظر أكثر من 18 ألف مريض، بينهم أربعة آلاف طفل، فرصتهم للخروج لتلقي العلاج.

وفي نهاية الشهر الماضي، أفاد مكتب تنسيق الشئون الإنسانية بأن وزارة الصحة في غزة وثّقت وفاة أكثر من 1200 مريض أثناء انتظار الإجلاء الطبي، في حين سُجّل نحو أربعة آلاف مريض سرطان على قوائم الانتظار الحرجة.

 

أرقام تعكس واقعًا قاسيًا يُلخّصه مرضى وأهالٍ بكلمة واحدة: السرطان في غزة لم يعد مرضًا يُقاوَم بالعلاج، بل معركة بقاء في وجه الموت البطيء.