هذه العبارة تتكرر كثيرا معي ..
لا يكاد يمر مقال حول الحياة الزوجية إلا وفيه هذه الكلمة (الاحتواء)..
لا تكاد تمر استشارة معي من زوجة إلا وتضع عدم (الاحتواء) من ضمن لائحة الاتهامات أو الإدانات ..
ولشدة تكرر هذه الكلمة أصبحت أتساءل :
هل أصبح الرجال صحاري جافة وجرداء من العواطف ؟!!
أم أصبح عدم "الاحتواء العاطفي " سلاحا اتهاميا جاهزا ضد الرجال ؟!!
ثم ، من أين جاء هذا المفهوم، ومن زرعه بهذه القوة في عقول النساء ؟!
■■ الاحتواء العاطفي : مفهوم غربي تم خطفه نسويا :
جاءنا مفهوم "الاحتواء العاطفي" من علم النفس الغربي ، حيث تم استخدامه في منتصف القرن الماضي في طريقة التعامل مع الأطفال ثم توسع شيئا فشيئا ليدخل في الإرشاد الأسري والعلاقات الزوجية ..
وكعادتها، تعمدت النسوية الغربية خطفه والعمل على نشره وخدمته بهدف ترسيخ صورة المرأة الضحية والرجل الذكوري الجاف عاطفيا
تماما كما فعلت مع مفهوم النرجسية ..
■■ "الاحتواء" بالمفهوم الغربي النسوي :
هو استيعاب وفهم مشاعر المرأة ، وتقبلها دون إطلاق أحكام !!!
مع تقديم الدعم والأمان والتعاطف في أوقات الضيق والضعف ..
من مظاهره :
● الاستماع الكامل لمشاعرها دون مقاطعة أو تعجل بتقديم حلول
● تقبل مشاعرها (غضب ، حزن ، خوف ) دون انتقاد أو قمع
● إظهار أنك تفهم ألمها وتشعر معها وتدعمها
● اللمسات الجسدية وقت الحاجة (عناق ، مسك يد ، تربيت )
● تذكر الملاحظات ، تذكر المناسبات ، تذكر أوقات تغير المزاج (الدورة الشهرية ) ، الاتصال عدة مرات للاطمئنان ..الخ
قد يظن القارئ أن الكلام سليم تماما، لكن لو دققنا أكثر لرأينا أن النسوية ركزت على مشاعر المرأة دون الرجل ، وجعلت هذه المشاعر فوق القيم وفوق المحاكمة أيضا ..
■■ وقفات :
● ماذا لو كانت هذه المشاعر لا تستند على حق ؟!
كيف سيحتويها الرجل ؟!
لنفترض أن الزوجة غاضبة لأن زوجها جلب هدية لأمه وهي لا تحبها ، فهل المطلوب منه أن يحتويها ؟!
لنفترض أن الزوجة حزينة لأن زوجها لا يريد أن تسبح بالمايوه ، فهل المطلوب منه أن يحتويها ؟!
● ماذا لو رافق هذه المشاعر سلوك مشين ؟!
ماذا لو غضبت فشتمت وضربت وكسرت وآذت نفسها وزوجها ، فهل المطلوب من الزوج أن يحتويها ؟!!
● ماذا لو كانت تشعر بالفرح وهو يشعر بالحزن ؟
ماذا لو كانت غاضبة من شيء وهو راض عنه ؟
ماذا لو كانت خائفة من شيء لا صحة لوجوده ؟
ماذا لو كانت تمر بفترة الدورة الشهرية في ذروة تعرضه لأزمة في العمل ؟
هنا :
من يحتوي من ؟
من يتقبل مشاعر من ؟
من يستوعب من ؟
■■ نحن بغنى عن هذه المفاهيم الدخيلة ..
نحن نعرف الاهتمام وتقبل المشاعر والتعاطف مع الآخر من قول الله تعالى :
((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ))
● الشعور اامتبادل بالسكن الذي يتضمن السكينة والإيواء والسكون
● الشعور المتبادل بالمودة التي تتضمن كل مظاهر الاهتمام والحب والرغبة والاحترام والتقدير والثناء والفخر والدعم والشورى والتهادي والكرم والوفاء والإخلاص ...الخ
● الشعور المتبادل بالرحمة التي تتضمن كل مظاهر التعاطف والتخفيف والإعذار والتسامح والعفو والمشاركة والتعاون والتواجد وقت الحاجة والتناغم في الحزن والفرح ....الخ
كل ذلك تحت قاعدة عريضة عنوانها : وعاشروهن بالمعروف ..
قاعدة :
لا تسقط القيم
لا تسقط الحدود
لا تسقط الحكم الشرعي
ولا تسقط الاستقامة في السلوك
فعن أي احتواء يحدثوننا
ونحن نملك أعظم وأشمل وأكمل وأدق وأصلح ميزان للجودة في العلاقات الزوجية ؟!!
■■ القرآن الكريم يسقط مفهوم الاحتواء النسوي بآية واحدة :
قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ...
فلا تحليل للحرام إرضاء للزوجات
ولا تحريم للحلال إرضاء للزوجات
ولا انحياز للباطل ضد الحق إرضاء للزوجات
■■ عدم احتواء + نرجسية = أسلحة اتهام نسوية فتاكة
هذه هي الحقيقة
زوجي نرجسي ، يؤله نفسه ، يريدني خادمة بل خاضعة بل جارية لمصالحه !
وزوجي لا يحتويني، جاف عاطفيا، لا يكون معي في أدق ظروفي، ولا يتذكر مناسباتي، ولا يقدر مشاعري سواء كنت محقة أم لا ، كنت مستقيمة أم لا ، كنت مراعية لظروفه أم لا !!!
ماذا بقي بعد هذين الاتهامين الخطيرين ؟ !!
■■ حق متبادل :
● من حق كل زوجة أن تطلب من زوجها الاهتمام والوجود والتذكر والتعاطف ..
لكن في المقابل هذا حق لكل زوج أيضا ..
● من حق كل زوجة أن ترى زوجها يقدر ظروفها ،
لكنه حق لكل زوج أيضا
■■ ومن الاهتمام العاطفي : الإعذار وتقدير ظروف الرجل
▪︎ إذا نسي أن يتذكر يوم زواجكما أو يوم ميلادك فهذا لا يعني أنه لا يهتم بك
▪︎ إذا كان غير قادر على تقديم هدية ثمينة لك ، فهذا لا يعني أنه يقلل من قيمتك ..
▪︎ إذا كان مهموما مشغولا بديونه ولم يلتفت الى هرموناتك في الدورة الشهرية ، فهذا لا يعني أنه يتجاهلك ..
▪︎ إذا كان راغبا بك، ولم يراع مرة أو مرتين تعبك أو عدم رغبتك، فهذا لا يعني أنه مغتصب لك ..
التماس الأعذار، وتقدير الظروف، واعطاء كل أمر حجمه،
والتجاوز عن بعض الانشغال ..
هو من صميم السكن والمودة والرحمة ..
أو من صميم الاهتمام العاطفي ..
■■ الخلاصة :
ما أجمل أن يهتم الرجل عاطفيا بزوجته ..
لكنه، قد يكون مهموما، وقد يكون منشغلا ، وقد يكون غير قادر على التعبير..
كثير من الأزواج في قلوبهم خزانات جوفية من العواطف لزوجاتهم ، فقط يحتاجون أن يتعلموا كيف يخرجونها ينابيعا من الحب والاهتمام ..
مساعدتهم على ذلك ، أولى من اتهامهم بعدم "الاحتواء" أو "بالنرجسية"
محمد أسوم