يأتيني النادمون والنادمات يريدون الرجوع إلى حياتهم الزوجية ..

وغالبا يأتي الندم بعد حكم المحكمة في فترة تتراوح بين السنة أو السنة ونصف السنة ..

أستمع لقصصهم، أبحث عن جسور يمكن مدها مع أزواجهم وزوجاتهم، وأصاب بخيبة كبيرة حين أعلم أن كل الجسور قد تم إحراقها في محاولات الزوجة نزع الطلاق من الزوج، أو تبرير الزوج الطلاق من الزوجة ...

أقول: سامحكم الله ،

لماذا قطعتم شعرة معاوية ؟!

لماذا قطعتم كل حبال التواصل؟!

لماذا أحرقتكم كل شيء خلفكم ؟!

كان عليكم أن تحفظوا خطوط الرجعة ...

■■ اللجوء إلى القضاء حق.. ولكن متى؟ وكيف ؟

لا يمكننا أن ننكر على زوجة لجوءها إلى القضاء لنيل خلاصها من الحياة الزوجية إذا لم تجد معه السكن والمودة والرحمة ..

وفي المقابل، لا يمكننا أن ننكر على زوج يريد التخلص من حياته مع زوجته إذا لم يجد معها السكن والمودة والرحمة ..

لكن لا ننصح أبدا باللجوء إلى القضاء أو التسرع بتثبيت الطلاق، إذا كان هناك مجال للصلح، أو مجال للتفاهم المسبق على الانفصال.

فإذا سدت سبل الصلح، وتعسرت طرق التفاهم، فاللجوء إلى المحكمة بات أمرا ضروريا، لكن بما يرضي الله أولا وأخيرا ، وليس بما يحقق عوامل الانتصار أو الفوز بالحكم فقط

فاللجوء إلى القضاء يجب أن يكون :

علاجا أخيرا لا أولا

بعد محاولات حثيثة للصلح والتفاهم

والهدف إحقاق الحق وليس كسر الطرف الآخر

وحتى لا يتحوّل القضاء إلى أداة ظلم جديدة، لا بد أن نتذكّر أن عدله محدود

■■ عدل القضاء محدود، وعدل الله مطلق :

وجد القضاء ليحكم بين الناس بالعدل ..

لكن عدله مرتبط بما بين يديه من قرائن وأدلة ..

فمن انتزع حكمًا بقرائن ملفّقة أو ناقصة، فقد ظلم ولو حمل بين يديه حكمًا مختومًا.

وبالتالي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :

يقول النبيُّ ﷺ: إنَّكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضَكم أن يكون أَلْحَنَ بحُجَّته من بعضٍ؛ فأقضي له على نحوٍ مما أسمع، فمَن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعةً من النار، فليأخذها أو يذرها..

■■ أمور تحرق كل الجسور :

هي أمور كثيرة، لكني سأكتفي ببعض الأمثلة التي عرفتها من خلال الاستشارات

الافتراءات :

كأن تفتري الزوجة على زوجها : بالعجز الجنسي ، أو بطلبه الحرام في العلاقة ، أو بالبخل ، أو بالخيانات ...الخ

أو كأن يفتري الزوج على زوجته : بالخيانة، أو بالوساخة ، أو بإهمال البيت، أو بالسرقة ...الخ

المبالغات :

- كأن تبالغ الزوجة في تضخيم عنف زوجها أو تضخيم تكرره :

ربما قام الزوج بعنف لكن من غير أذى ، فتحصل على تقارير طبية غير دقيقة ..

وربما قام بعنف مرة أو مرتين خلال عشر سنوات ، واعتذر عنها ، فتأتي بحادثة وتدعي ان حياته معها كلها عنف ..

- أو كأن يبالغ الزوج في تصوير ردات فعل زوجته على استفزازته ، فيدعي أنها مريضة عصبيا أو نفسيا ، أو أن حياته معها كلها مشاجرات ومناكفات ..

الاستغلال للطيبة :

وهذا يكون بتوثيق أو تسجيل المحادثات التي جرت خلال محاولات الصلح ، واقتطاع الكلمات التي تتناسب مع الادعاء منها ..

حيث يشعر الزوج أو الزوجة أنه تم استغلال طيبة القلب والنية الحسنة ، وأن الطرف الآخر كان يتعمد الاستدراج إلى قول أمور يستخدمها في الادعاء لاحقا ..

الاقتطاع المشين : وهذه مؤذية جدا جدا :

وهذا نوع من الاقتطاع ، ليس افتراء واستغلالا فحسب ، بل هو قمة في السوء أو سلوك بالغ الخبث أيضا ..

كأن يكتب الزوج مستنكرا كلام زوجته متهكما :

" طبعا ، انا أشرب الخمر ، أنا أزني ، أنا أقامر ..الخ "

وهو يريد التهكم واظهار انها تبالغ في طلبها الانفصال ..

فتعمد الى تقديم كلامه كوثيقة اعتراف أنه يفعل ذلك ..بينما هو في الحقيقة من أتقى الناس ..

ونفس الكلام ينطبق على زوجة تسخر من موقف زوجها فتقول له : طبعا أنا أخونك ...

فيأخذ كلامها ويستند عليه في طلاقه لها ، وهو يعلم أنها من أشرف النساء ..

■■ تحاكموا للقضاء.. لكن

بالصدق : لأن الله مع الصادقين ..

بالدقة : لأن عدم الدقة تجعل الزوج فاسقا ، والزوجة فاسقة (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا )

بحفظ الفضل بينكم : (ولا تنسوا الفضل بينكم )

بالاقتصار على ما تقتضيه القضية دون توسع : لأنه من ستر مسلما ستره الله ..

عندما نلجأ إلى القضاء بهذه الأخلاق الاسلامية ، نكون قد حرصنا على رضا الله عز وجل ، وحفظنا حقنا في الدنيا ، وتركنا باب الصلح مفتوحا

واحفظوا عني هذا جيدا :

في الحياة الزوجية كل شيء ممكن :

صلح بعد عداوة

رجوع بعد انفصال

حب بعد كره

فقط احفظوا خطوط الرجعة ..

محمد أسوم