قرّرت سلطات الاحتلال الصهيوني إنهاء أنشطة منظمة "أطباء بلا حدود" في قطاع غزة، وأبلغتها بوجوب وقف عملياتها الإنسانية ومغادرة القطاع بحلول 28 فبراير الجاري، في خطوة تهدد بحرمان مئات آلاف الفلسطينيين من خدمات طبية أساسية، في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية.
وجاء القرار، الصادر عن ما يسمى وزارة شؤون "الشتات ومكافحة معاداة السامية" الصهيونية، بذريعة عدم تقديم المنظمة قوائم بأسماء موظفيها الفلسطينيين، وهو شرط فرضته إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة على المؤسسات الإغاثية العاملة في القطاع.
وقالت الوزارة، في بيان، إنها تتجه إلى إنهاء نشاط المنظمة بسبب "عدم التزامها بالمتطلبات التنظيمية"، محذّرة من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى وقف عملها نهائياً وإخراج طواقمها من غزة.
في المقابل، اعتبرت منظمة "أطباء بلا حدود" أن القرار يأتي ضمن حملة أوسع من التضييق والترهيب وحملات التشويه التي تستهدف منظمات الإغاثة العاملة في غزة والضفة الغربية، بهدف تقييد حركتها وتقليص قدرتها على تقديم الخدمات المنقذة للحياة.
وأوضحت المنظمة أن تسجيلها القانوني لدى سلطات الاحتلال لم يعد سارياً منذ مطلع يناير 2026، ما يعني أنها ستُجبر على وقف عملياتها مع بداية مارس المقبل، ما لم يتم إعادة النظر في القرار.
وحذّرت من أن منعها من الاستمرار في العمل سيحرم نحو نصف مليون فلسطيني من الرعاية الصحية والمياه النظيفة، في وقت يعاني فيه القطاع نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر المتخصصة.
ونفت المنظمة اتهامات الاحتلال بعدم التعاون، مؤكدة أنها حاولت طوال أشهر فتح قنوات حوار لتجديد تسجيلها، وأبدت استعدادها لتقديم معلومات محدودة ضمن ضمانات واضحة تحمي طواقمها من أي مخاطر أمنية.
مخاوف على سلامة الطواقم
وأشارت المنظمة إلى أنها أبلغت سلطات الاحتلال، في 23 يناير الماضي، استعدادها المبدئي لمشاركة قوائم جزئية بالموظفين كإجراء استثنائي، شريطة عدم استخدام المعلومات خارج الإطار الإداري.
غير أنها أكدت عدم تلقيها أي ضمانات فعلية تتعلق بسلامة العاملين أو وقف حملات التحريض والتشويه، ما دفعها إلى الامتناع عن تسليم أي بيانات.
وشددت على أن فرض هذا الشرط يضع المؤسسات الإنسانية أمام معادلة قسرية: إما تعريض طواقمها للخطر، أو حرمان المرضى من حقهم في العلاج.
ويأتي هذا التطور في سياق تصعيد صهيوني متواصل ضد المنظمات الإنسانية العاملة في غزة خلال العامين الماضيين، حيث فرضت سلطات الاحتلال قيوداً مشددة على دخول المساعدات، وتعمدت تأخير تصاريح الطواقم الدولية، ومنعت إدخال المعدات الطبية.
وسبق أن اتخذت سلطات الاحتلال إجراءات مماثلة بحق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، شملت تعليق عملها في مناطق عدة، واتهام موظفيها دون تقديم أدلة موثقة، ما أدى إلى تقليص خدماتها لملايين اللاجئين.
كما كثّفت سلطات الاحتلال منذ أواخر 2024 سياسة "التدقيق الأمني الموسّع" بحق العاملين في المجال الإنساني، وربطت منح التصاريح بتسليم بيانات شخصية مفصلة، الأمر الذي رفضته منظمات دولية باعتباره مخالفاً لمبادئ الحياد والاستقلال.
وتزامن ذلك مع تقليص كبير في عدد الشاحنات الإغاثية المسموح بدخولها إلى غزة، وإغلاق معابر رئيسية لفترات طويلة، ما فاقم الأزمة الإنسانية والصحية.
أرقام تعكس حجم الدور الطبي
وبحسب بيانات أطباء بلا حدود، فقد عالجت فرقها خلال عام 2025 أكثر من 100 ألف إصابة خطيرة، وأجرت نحو 22 ألفاً و700 عملية جراحية، ونفذت قرابة 800 ألف استشارة طبية، وأسهمت في أكثر من 10 آلاف ولادة.
كما قدمت عشرات آلاف جلسات الدعم النفسي، ودعمت ستة مستشفيات حكومية، وأدارت مستشفيين ميدانيين، إلى جانب تشغيل مراكز صحية ونقاط طبية ومركز للتغذية العلاجية.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه تقارير أممية، تدمير أو تعطيل غالبية المستشفيات في غزة، وخروج أكثر من 70% من المرافق الصحية عن الخدمة بسبب القصف ونقص الوقود والمستلزمات.
وأكدت المنظمة أنها تواصل البحث عن جميع السبل الممكنة للاستمرار في الاستجابة الإنسانية، رغم القيود المفروضة على إدخال الإمدادات والطواقم الدولية.
ودعت سلطات الاحتلال إلى التراجع عن القرار، وضمان بيئة عمل تحترم القانون الدولي الإنساني وقرارات مجلس الأمن، محذّرة من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى كارثة صحية أوسع في القطاع المحاصر.